لا يتولد وعي محدث الا في سياق لا يخلو من اجهزة ومؤسسات تحديث مادي, فالعلاقة بين الوعي المحدث وعمليات التحديث المادي علاقة وثيقة يتبادل طرفاها التأثر والتأثير ويؤدي كل واحد منهما الى غيره في المدينة التي تجدد افكارها في الوقت الذي تجدد أساليب حياتها المعنوية والمادية, ومهما كانت اجهزة التحديث المادي او مؤسساته بسيطة او ساذجة من منظور العصور اللاحقة فإن دور الصدمة الذي تقوم به في زمنها الخاص هو اللحن الاستهلالي في تصاعد الوعي المحدث, ذلك الوعي الذي يدعو الى عمليات التحديث المادي كي يتعمد بها في رحلة حضوره الصاعد, وبالقدر الذي يسبق به الوعي المحدث عمليات التحديث المادي التي يدعو اليها في دعوته الى الانتقال بمجتمعه من مستوى التخلف الى مستوى التقدم, فإن هذا الوعي يتفاعل وهذه العمليات بما يتسع بدوائر تأثيره من ناحية, ويؤدي الى اتساع ما يترتب عليها من استجابات متعارضة من ناحية موازية. هذا التلازم بين الوعي المحدث وعمليات التحديث المادي يجعل منه وعيا مدينيا في كل الاحوال, اعني وعيا يبدأ من الالة وعلاقات انتاجها ولايفارق انساقها المعرفية او منظومات المعلومات المرتبطة بها وسواء كنا نتحدث عن مدينة (القاهرة) او (بيروت) او حلب او دمشق او غيرها من مدن مطلع النهضة العربية في القرن التاسع عشر, حيث تصاعدت عمليات التحديث المادي بدرجات متفاوتة, بالطبع فإن المحصلة واحدة في التحليل النهائي, وذلك من الزاوية التي جعلت من المدينة العربية المتحولة الفضاء المكاني الذي يتولد فيه وبه الوعي المحدث, يستوي في ذلك ان نتحدث عن علاقة تبادل التأثر والتأثير التي تربط الوعي المحدث بعمليات التحديث المادي, او ان نتحدث عن التلازم بين وجود هذا الوعي ووجود الالة في المدينة التي تسعى الى تغيير علاقات انتاجها. وليس الخوف القروي من المدينة المتطورة هو الذي يلازم الوعي الذي يأخذ في التحول وانما غواية المدينة (النداهة) التي تجذب هذا الوعي الى عوالمها المغوية وادوات انتاجها المخايلة ومجالات انشطتها الجاذبة, فتنقل هذا الوعي من حال الى حال, منتزعة اياه من خدر الالفة والاعتياد دافعة به الى مدى من الاحتمالات المتعارضة التي تبدأ بمشاهد الدهشة وانفعالات الصدمة, والالة هي البداية في مثل هذه المشاهد والانفعالات, خصوصا من حيث جدة حضورها التي تربك انساق الادراك التقليدية او المعتادة او المتوارثة وتضع المدرك في سياق من استجابات لم يكن له بها عهد من قبل, استجابات يمكن ان تنطوي على الخوف الممزوج بالرغبة في الاكتشاف او بهجة الدهشة التي لاتخلو من حذر الرهبة او حتى الشعور المقلق بأن لحظة الادراك هذه هي لحظة (المابين) التي تتباعد فيها العوالم ويغدو (المابعد) مختلفا اكبر الاختلاف عن (الماقبل) . وليس مثل الرواية نوع ادبي يفلح في التقاط التفاصيل الدالة على تولد مشاعر الدهشة, او تفجر انفعالات الصدمة ازاء الحضور الواعد والملتبس للالة التي جعلت من المدينة القديمة مدينة حديثة, يمكن للشعر مثلا ان يحمل بعض هذه المتغيرات الشعورية, كما حملت قصيدة محمود سامي البارودي (1840 ــ 1904) مشاعر الدهشة ازاء (القطار) الذي كانت سرعة قاطرته البخارية ايذانا بانقلاب جذري في ادراك الزمن والمسافة, وكان يمكن لاحقا للشيخ محمد عبدالمطلب (1871 ــ 1931) ان يستبدل بالناقة الطائرة التي يستهل بها احدى قصائده بوصفها البديل العصري الذي جاوز القطار في تغيير معنى الزمن والمسافة, ولكن ذلك كله على سبيل اللمح. اما الرواية فإن عدساتها متعددة الزوايا كأصواتها المتباينة وطبيعتها السردية كخاصيتها الحوارية, تتيح لها ان تتأنى ازاء لحظة الادراك التي تتولد عن صدمة الآلة وتلتقط منها تفاصيل المشاعر والانفعالات المتداخلة المختلطة بل تفاصيل المعارف التي لم يكن للمدرك بها عهد والتي تغدو منذ هذه اللحظة علامة زمن جديد يتباعد في سرعة القاطرة البخارية عن زمن قديم. والاشارة الى سرعة القاطرة البخارية اشارة تمثيلية تغني عن غيرها في هذا السياق وهي اشارة لها دلالتها التاريخية المرتبطة بعصر النهضة في مصر على وجه الخصوص. فقد شرع في مد السكة الحديد من الاسكندرية الى القاهرة سنة 1852 في عهد عباس باشا الأول واكتمل الخط الموصل بين الاسكندرية والقاهرة سنة 1856 في عهد سعيد باشا الذي حكم مصر منذ سنة 1854 الى ان خلفه بعد وفاته اسماعيل باشا سنة 1863 وكانت هذه السكة اول خط حديدي انشىء في مصر بل في الشرق كله فيما يقول عبدالرحمن الرافعي فقد سبقت مصر تركيا نفسها في هذا الجانب وذلك الى الدرجة التي تملك منها العجب السلطان عبدالعزيز عندما زار مصر سنة 1863 وركب القطار من الاسكندرية الى القاهرة واصابته دهشة كبيرة لانه لم يكن رأى القطارات البخارية في حياته من قبل والسكة الحديد اولى دعائم العمران والتقدم من هذا المنظور واولى علاماته التي جذبت انتباه الوعي الذي لم يفارق تقليديته وصدمته بسرعة عرباتها التي تجرها قاطرة ادهشت العيون التي رأتها للمرة الاولى سواء لما تتميز به من حركة عجيبة او لما تنفثه من دخان وشرر, او لما (لها من شدة السرعة الغريبة) فيما وصفها علي مبارك (1823 ــ 1893) في روايته الباكرة (علم الدين) . والحق ان احتفاء الكتابة الابداعية بالقاطرة البخارية يسبق رواية علي مبارك خصوصا في دائرة الدهشة التي تولدت عن الحضور الصادم لكل من القاطرة البخارية والسفينة البخارية وكلتاهما (آلة) سرعان ما تحولت الى موضوع للكتابة التي سعت الى تعرف مخترعات التقدم واستئناس غرائب آلاته. وما كتبه الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873) في وصف رحلته الى باريس وقد فرغ من كتابتها سنة 1834 هو المقدمة التي افضت الى ماكتبه فرانسيس فتح الله المراش في كتابه (رحلة باريس) الذي طبع في بيروت سنة 1867 خصوصا بعد ان اكتمل مالم يكن موجودا ايام الطهطاوي وتلازم حضور الباخرة والقطار في معنى الفتنة التي انطوت عليها غواية التحديث التي انجذب اليها المراش بحماسة الصبا المتفجر بالعواطف الجياشة. ومثال ذلك حديثه عن (اجنحة نسر البحر) التي خفقت له حتى وصل الى ميناء الاسكندرية في الخامس عشر من سبتمبر سنة 1866 وتجوله في مدينتها التي بهرته بأبنيتها الجميلة واسواقها الرحبة, لكن اعجابه انصرف الى (وقود النور الايدروجيني) الذي سطعت به (الساحة المدعوة عندهم بالمنشية التي تعد من بين نخب ساحات الدنيا لعظم طولها واتساع عرضها) . ومن الاسكندرية يركب المراش (اجنحة عفريت البر) يقصد القطار الذي لم يكن موجودا ايام رفاعة والذي (طار) بالمراش (كالباشق) الى بعد اوقعه خمس ساعات على مدينة الاهرام ويعود المراش من القاهرة الى الاسكندرية ومنها بالسفينة الى مرسيليا ومنها الى ليون (مضطجعا في المركبة على اجنحة البخار مطلا من كواتها البلورية على جمال هذه الطبيعة ونفائسها, ويرى الجبال تمر مر السحاب (الى ان حط طاير النار على مدينة ليون نحو نصف الليل حينما كانت سابحة في انوارها العرمرمية) . و(اجنحة نسر البحر) (الباخرة) تشبه (اجنحة عفريت البر) او (طائر النار) (القطار) في اختزال حدود المسافة واختصار الزمن, في الوقت الذي تتحول كلتا الآلتين الى وسيلة لمشاهدة عجائب باريس, حيث (لا يفتر صياح ربوات (كذا؟!) اعمال الايدي مطلوقا من افواه الآلات والاجهزة ولا تكف الوف المعامل البخارية صافرة بأبواقها النارية لتدعو فرسان العقول الى مواصلة النزال في حومة الابداع والاختراع) ولا ينفصل هذا النوع من النزال عن علاقة ادراكية جديدة بالالة سواء من حيث هي اداة السياق الحاسمة في مضمار التقدم, او علامة على حرية العقل وجسارته التي تتصدى لهجوم غارات الظلام, وتطلب العلم الذي يقوي به العقل نفسه في سعيه الذي لا يتوقف عند حد, فسر التقدم في عاصمة مثل باريس يرجع الى (ان العقل المستنبط في هذه الديار قد استخدم نواميس الصناعة فقهر شرايع الطبيعة بنفس اسلحتها) واكتشاف هذا السر في بلاد الآخرين يستدعي الى الذهن غيابه في العالم الذي لم يعرف بعد (الوف المعامل البخارية) ولم يدرك بعد تغير معنى الزمن والمسافة لمن الف (اجنحة نسر البحر) و(اجنحة عفريت البر) و(طائر النار) مركبا ووسيلة تواصل واتصال, الامر الذي فرض على المراش مخاطبة ابناء عالمه القديم بقوله: فليت عيون الاقدمين ترى الذي نراه وتدري مادرته الحواضر