أمام سلم مبنى دار الكتب القديم في باب الخلق يقع مقهى (دار الكتب) بجوار المطبعة اليوسفية, رواد المقهى يحتسون الشاي ويدخنون النرجيلة, وسط اجواء وعبق تاريخ القاهرة التاريخية القديمة, ولكن هذا المقهى كما نفهم من اسمه, لم ينشأ كبقية المقاهي المنتشرة في القاهرة عبر مراحل تطورها المختلفة, وانما ارتبطت نشأته بالثقافة والمثقفين . زبائن المقهى هم من سكان المنطقة, أو مواطنون عاديون ينتظرون قضاء بعض شؤونهم لدى مديرية الامن الواقعة قبالة مبنى دار الكتب, ويعمل المقهى من الصباح الباكر وحتى منتصف الليل, ويسمى بشارع دار الكتب, وهو جزء من شارع القلعة أو شارع محمد علي, والاسماء الثلاثة صحيحة, وان كانت تسمية (محمد علي) هي الاقدم. وفي الجانب المحيط بدار الكتب يغلب الطابع الثقافي, وتنتشر به العديد من المكتبات والمطابع العتيقة, وذات يوم كانت تلك البقعة مركزا رئيسيا للثقافة في المدينة والحقيقة ان هذا الثقل الثقافي يعود إلى دار الكتب, ايام ازدهارها, فقد كان يؤمها كبار المثقفين والقراء من مصر والعالم العربي, وبلاد الشرق الاسلامي, ولذا نشأت المكتبات لتزويدهم بالكتب وطباعة مؤلفاتهم, وازداد التأثير حين اسس الشيخ علي يوسف, ومعه عدد من الوطنيين في نهاية القرن الماضي, دار جريدة (المؤيد) وكانت جريدة يومية تناهض الاستعمار في مصر وسائر بلدان العالم الاسلامي, لذا حظيت باهتمام وباحترام الكثيرين الذين كانوا يزورون مقرها, وازاء ذلك كان لابد من تأسيس مقهى يجلس فيه زوار دار الكتب و(المؤيد) وهكذا قام المقهى, وكانت مساحته متسعة, ولكن اقتطعت اجزاء منه وصارت مطعما الان, وكما يقول اقدم رواد المقهى فتحي حافظ: ظل هذا المقهى من الخمسينات ملتقى الكثير من المثقفين الذين كانوا يترددون على الدار. والعاملون بالمقهى الان, اكبرهم لم يبلغ الخمسين بعد, ولا يذكرون جيدا تاريخ هذا المقهى وزبائنه. والذين كتبوا عن حياة حافظ ابراهيم ــ شاعر النيل ــ ذكروا انه كان يقضي ساعات عمله بدار الكتب جالسا فيه يستقبل محبي شعره, والشعراء الذين يعرضون عليه اشعارهم, وذكر أحمد نجيب في كتاب عن شاعر النيل ان الحكومة المصرية عينت حافظ في الدار براتب شهري قدره اربعون جنيها مصريا, وكان مفهوما ان الحكومة اعطته تلك الوظيفة لتضمن له راتبا حتى يتخلص من فقره, ولذا لم يعهد اليه بعمل محدد, وهكذا كان يقضي وقته في المقهى, والطريف ان الراتب كان يضيع معظمه على المقهى ايضا, فقد كان يستضيف زواره والقراء الصغار, ويتحمل ثمن مشروباتهم, وقامت مناظرات عديدة بين حافظ والكثير من الشعراء بالمقهى, الامر الذي ضمن رواجا حقيقيا للمكان, وشهرة بعد ان تناولت الصحف جلسات حافظ وتحدثت عنها. خليل مطران .. وشوقي وكان خليل مطران شاعر القطرين صديقا لحافظ, وكان يجالسه طويلا بهذا المقهى, ويستمع كل منهما لاشعار الاخر الجديدة, ويتطارحان الافكار. وكان حافظ, يجلس اوقات الهدوء بالمقهى ليكتب قصائده وينقحها, وكان يذهب اليه بعض المريدين, فيكتب لمن يريد بيتا أو بيتين, يعبران عن حادث أو ظرف معين. وكان حافظ يستقطب الشعراء إلى هذا المقهى, لكن أحمد شوقي, صديقه ــ امير الشعراء ــ لم يذهب اليه اطلاقا هناك, وكان يود لو ان صديقه حافظ يكف عن تضييع وقته مع رواد المقهى, ويجالس علية القوم من اثرياء ومسؤولين, لكن طبيعة حافظ الشعبية كانت تمنعه, ذلك انه كان ممن يجيدون القاء النكات وابتداعها بنت اللحظة, وكان جو المقهى يساعده على ذلك. ولم يكن حافظ وحده, بل كان هناك ايضا الشاعر أحمد فؤاد نجم, وهو اقل شهرة وموهبة من حافظ وفي العموم, كان طلاب (دار العلوم) كما ذكر فهمي عبداللطيف في دراسة له, هم الاكثر ترددا على ذلك المقهى لان طبيعة دراستهم كانت تضطرهم لمراجعة مكتبة (دار الكتب) وكتب التراث الاسلامي التي لم تكن متاحة في مكان آخر, وكانت دار الكتب تعمل لفترتين بعكس حالها اليوم, وبين الفترتين ساعتان للراحة, كانت تغلق فيهما حتى يتم ترتيب الكتب واعادتها إلى مواقعها بالمخازن, وخلال الساعتين, كان القراء يتخوفون من العودة ثانية إلى منازلهم, فلا يسعفهم الوقت للحاق بالمكتبة, فيجلسون في المقهى, يتحادثون ويتناقشون فيما قرؤوه, ولأن اصحاب المقهى كانوا مدركين ذلك, فقد كان المقهى يوفر وجبات وأكلات لهؤلاء الزبائن من الطعام الشعبي والرخيص مثل الفول النابت أو العدس والطعمية وغيرها. وكانت امام المقهى اشجار ظليلة, حولها المقاعد وطاولات الطعام وكان يمكن ايضا للرواد ان يواصلوا القراءة عليها, لذا غلب الطابع الادبي على المقهى, وابتعد عنه الطابع السياسي. مكائد ضد الصاعقة ولم تكن الامور هادئة وادبية, دائما بالمقهى, فقد شهدت ايضا بعض مكائد هؤلاء الادباء, فقد كان من روادها الكاتب والصحافي احمد فؤاد, الذي لقبه زملاؤه بالصاعقة نسبة إلى صحيفة اصدرها تحمل اسم (الصاعقة) تنشر النميمة والهجاء, وكان يهجو عبرها كبار الكتاب والشعراء, فيذهبون اليه بالمقهى لاسترضائه الذي كان سهلا وميسورا, فلم يكن الامر يكلفهم سوى دفع حسابه لدى المقهى, وكان احمد فؤاد بالغ البؤس والفقر, لم يكن صاحب املاك, أو وظيفة أو حرفة تدر عليه راتبا أو دخلا يضمن له الحد الادني من متطلباته, وكان يحترف الكتابة في الصحف, ولم تكن قد ارتقت آنذاك إلى مستوى المهنة ذات المردود المالي, لكنه ذات مرة هجا ابراهيم المويلحي, ولم يكن المويلحي يتسامح مثل الاخرين, وهكذا اضمرها له في صدره, وذهب اليه بالمقهى متوددا, وعرض عليه ان يكون شريكا له في اعماله, وكلفه بأول مهمة, وهي ان يحمل حقيبة فيها بعض الاشياء لاصدقاء له في استانبول مقابل مبلغ كبير, وكانت الحقيبة بها منشور ضد السلطان عبدالحميد, وكان المويلحي على صلة برجال الحاشية في قصر الخليفة, فأبلغ عن الصاعقة الذي قبض عليه في استانبول واودع السجن لفترة. التراجع وبدأ مقهى دار الكتب يتراجع, مع توزع الثقل الثقافي في القاهرة فقد تأسست جامعة القاهرة ـ فؤاد الاول ـ بالجيزة, وهكذا ظهرت المقاهي الثقافية بالدقي والجيزة, وقل الاقبال على المقهى, فقد ضمنت الجامعة (المكتبة العامة) وكان الطلاب يلجأون اليها بدلا من دار الكتب, كذلك فان الشعراء الجدد اتجهوا إلى الكتابة والنشر في الصحف, وغلب الحضور المهني على منطقة المقهى, ثم كان ان شرعت وزارة الثقافة في بناء مبنى جديد لدار الكتب على الكورنيش منذ سنة ,1970 وانتقلت الكتب إلى المبنى الجديد, ومنذ عدة اعوام ومبنى الدار في باب الخلق مغلق للترميم, وطويت صفحة من تاريخ تلك المنطقة وذلك المقهى. لذا ليس غريبا ألا يكون بين جمهور المقهى الان من له علاقة بالثقافة أو بالكتب, وليس بمستبعد ان تهدم خلال الفترة المقبلة ليقام محلها برج سكني ضخم أو كراج متعدد الطوابق. القاهرة ــ مكتب البيان