تحتفل الاوساط الثقافية الرسمية والشعبية الايطالية بالذكرى المئوية الثانية لميلاد الشاعر الروسي الكسندر بوشكين (1799 ـ 1837) صاحب رسالة روسيا العظمى كما اسموه في موسكو بمناسبة مرور 200 سنة على ميلاده ,(لنلقي بوشكين, دوستوفسكي في بحار الحداثة) هكذا سطر المستقبليون الروس في بيانهم الاول والاشهر على غلاف مجلتهم, وبالرغم من حرارة دعوة 1912 هذه تبقى اليوم اكثر ثباتا منها في اي وقت مضى الشهرة العالمية التي يحظى بها (الكسندر سيريجيف بوشكين) هذا الخلاف الذي سهرت اجيال بأكملها من طلاب روسيا ودول اوروبية شرقية وغربية وهي تتوغل وتستكشف جلال كتاباته الثرية المتنوعة, مردها الى الاعمال التي خلفها واعتبرت بداية البدايات في الشعر الروسي, فقد اعترف الاديب الروسي ديستوفسكي بتواضع بأن كل الكوكبة الحالية من الادباء تعمل على هدى بوشكين ولم تضع الجديد من بعده فكل البدايات كانت منه. وبدءا من نهاية القرن الماضي (بفضل جدل دستوفسكي الشهير عام 1880) يحتل اسمه كل مكان ويتعرف اليه جمهور بأكمله, ومع هذا فان القرن التاسع عشر هو المحطة التي توجت فيها شهرة الشاعر عالميا بعد صدور ترجمات وفي كل لغات العالم الحية. في ايطاليا كان تأثير هذه الترجمات كبيرا وملهما في حياة شاعر ايطاليا الكبير جاكومو ليوباردي والكسندر مانزوني, وحتى سنة ميلاده, تبدو وكأن القدر قد اختارها لكي تجلى وظيفة بوشكين المزدوجة باعتباره ابرز حلقة تتحور فيها احقاب متميزة تماما: القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر, فقد قادته حيويته الاستثنائية ان يستحوذ على ثمار اوسع افاق الانواع الادبية ومعظمها تمت ترجمته لاول مرة غنائيات كلاسيكية, اشعار ذات نكهة رومانسية على طريقة بيرون, روايات شعرية تفسير ابداعي جديد ولغة تتناسب وهذا التفسير لروائيي القرن الثامن عشر الروسيين قصائد وقصص واقعية والمحاولة الروسية الاولى لكتابة تراجيديا رومانسية على الطريقة الشكسبيرية. من هو الكسندر بوشكين؟ عن الاب مالك الاراضي المنحدر عن نبالة عريقة و(الفولتيري) بحسب الموضة الشائعة انذاك والذي كان يكتب اشعاره بالفرنسية, يرث الشاب الكسندر الفخر بنبالته وحب القصيدة كما انه ينحدر عن عائلة الام عن ذلك الافريقي ولربما المصري الذي كان اسمه (ابراهيم هانيبال) الذي خدم بطرس الاكبر (وهذا هو عنوان رواية تأريخية لم يكملها بوشكين) وقد كان ابراهيم هذا اميرا مأسورا اعتقه القيصر وقلده ارفع الاوسمة, وعن هذا السلف ربما يعود مظهر بوشكين بشعره الاجعد وشفتيه المكتزتين, اضافة الى بعض السمات الافريقية العربية الاخرى. كما ان بوشكين كان متأثرا وبشكل عميق بالدين الاسلامي الحنيف, وكان محبا للعرب, ومؤمنا بالاخوة الانسانية التي تربط بينه وبينهم. تعلم بوشكين في مدرسة الليسيه التي كانت في ذلك الوقت محورا للنشاط الادبي وملتقى الادباء, وصار بوشكين نجما لهذا النشاط الادبي, وخرجت في هذه الفترة باكورة اشعاره التي بعثتها الحرب الروسية النابوليونية, كما افتتح عهدا جديدا بادراج التعبيرا لشعبي في المؤلفات الادبية في الادب الروسي, بعد ذلك انتقل الى مدينة بطرسبرج للعمل في لجنة الشؤون الخارجية, وانخرط في حياتها الادبية والاجتماعية, وكان لعربيته تأثير كبير عليه, فقد كان يبدو مسحورا وهو يصغى الى صوت مربيته (ارينا رودي او نوفانا) الذي وصفه بأن اصدق تعبير عن الشعب الروسي, خرافات وروايات ستشكل لاحقا نسيج العديد من اعماله المبدعة, حماسه المبكر للبطولة, الذي تغذي خفية من مكتبة الاب الرحيبة المليئة بكتب الكلاسيكيين الفرنسيين, والتي الهبت فيه ليس فقط الاحاسيس الادبية, وانما الجسدية قبل كل شيء لقد اصابه عشق القصيدة منذ طراوة عمره, كان يحفظ الكوميديا والاشعار حسب اشارات اساتذته, ولم يتجاوز السادسة عشرة حتى غدا شاعرا معروفا. انه ابن العصر النموذجي كما هو حال بطل رائعته الاشهر (يفيجيني اوينيجين), انه لمن العبث والتغطرس ان ننسى كيف انحدرت به طاولات الورق والمراقص, والصالونات الارستقراطية, وبيوت اللذة, والمبارزات التافهة واللا معقولة, سيكون الحب بمثابة الباعث الخفي والاهم في جميع أوجه وجوده. ورغم انه لم يكن شريكا لحركة الديسمبريين, الا ان اشعاره عبرت عما يجول في خاطره هذه الحركة الذي جعل قيصر روسيا يأمر بابعاده ونفيه الى جنوب البلاد, وهي الفترة التي تعتبر اهم فترات تطور الرومانتيكية في جميع نتاجاته الادبية, فكتب هذه الفترة (اسير القوقاز) و(الاخوة قطاع الطرق) و(الغجر). وبعد ان ظل صوته مسموعا في صالونات موسكو وبطرسبرج, فرض عليه القيصر من جديد الاقامة الجبرية في احدى الطرق النائية والتي انتج من خلالها مسرحيته الرائعة (يفجيني اونجين) الا ان القيصر سرعان ما انتبه الى خطورة بقاء بوشكين منفيا بعد ان اصبح اسمه على كل لسان, فاصدر امره بالاعفاء عنه ليرجع موسكو ويتزوج من شابة جميلة تدعى (ناتاليا جونتشاروفا) والتي سرعان ما اصبحت احدى سيدات المجتمع الارستقراطي الراقي, وكتب بوشكين انذاك رائعته (موتزارت وساليري) والفارس والبخيل), و(الضيف الحجري) و(وليمة في عهد الطاعون) و(قرية جوزيوجين), كما اصدر مجلة ادبية بعنوان (المعاصر) وصدرت منها اربعة اعداد فقط في حياته. اما نهايته فقد بدأت مع ظهور شاب فرنسي وسيم يدعى (دانتس) في بطرسبرج, ليلتقي بزوجة الشاعر بوشكين, والذي سرعان ما كان يصرح لها بحبه لها وبصورة مكشوفة امام الجميع, فعمت الشائعات وسمع بوشكين بالامر وانهارت سعادته, ووصل به الامر الى ان يرسل الى (دانتس) استدعاء للمبارزة.. فجاءت لحظة النهاية, وتم تحديد موعد المبارزة والشهود ومكانها والمسدسات المستخدمة, ولم تثنيه كل المحاولات لأجل الغاء اللقاء الدامي الذي خر به الشاعر جريحا جرحا مميتا لفظ انفاسه يوم 29 يناير عام 1837 وشيع جثمانه الاف الناس الذين انحنوا امام رفاته.