استلهم حكايا الشرق وخلاصة مرور عشرات الحضارات على المنطقة ليطلع بها الوانا واشكالا فانتازية اسطورية بريشة قوية تحفر رسوماتها على اللوحة التي لا تحتاج امضاءة , انه الفنان اللبناني المعروف هرير المولود في بيروت درس في الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة واشتغل في الرسم وهندسة الديكور الداخلي وحاز على العديد من الجوائز, التقيناه خلال معرضه الذي اقامه مؤخرا في دبي فتذكر شبابه حين كان يلتقي الشعراء اللبنانيين والفنانين الذين اعطوه من جوهم واثروه بنقاشاتهم, يقول انه اقدم على درس الديكور الداخلي كهواية استفاد منها لاحقا في بناء لوحته فاصبح ينجزها دون دراسات مسبقة وتعمير لسطحها وفي تذوق الالوان وتداخلها وله حضوره القليل في عالم الموسيقى والرقص والنحت. *الروح الشرقية طافية بوضوح على اعمالك ذات الاجواء الاسطورية, هل تعتقد فيها جانبا اساسيا لهويتك وميزة لشخصيتك الفنية؟ ــ انا تأثرت كثيرا بالاجواء الشرقية واخذت ايضا من الفن البيزنطي والزخرفات العربية, وشكلت كلها حقيبتي واعطتني تميزي في اوروبا وامريكا والبلدان العربية, هناك الالوف من الفنانين ويجب ان نقدم جديدا لنستطيع اثبات حضورنا وقد اصبحت اعرف بأسلوبي الفني حتى دون ان يظهر امضائي على اللوحة وكأنها مدرسة. * هل التزمت بالاسلوب ذاته منذ بداياتك؟ ـ بدأت هذا الشكل في السبعينات, تطورت لدي الموضوعات والتقنيات لكني احتفظت باللون واظن ان كل الفنانين العرب متميزون اجمالا باستعمالاتهم اللونية ومرد ذلك الى البيئة والشمس وحب الحياة, فحتى العذاب عندنا ملون. * بالتأكيد يجب ان تستند الى ثقافة فكرية وبصرية حتى تقدر على اخراج اعمالك المسنودة الى تاريخ وحضارة. ــ هناك ثقافة فكرية وعفوية في شغلي فأنا عملت دراسات وعدت الى المراجع والتواريخ وابقيت على التراث ملحوظا خاصة مع انعكاسات الحضارات الرومانية والفينيقية وحتى العثمانية كما ان الماضي الارمني حاضر معي والحصيلة تمازج يتكامل مع بعضه وحين ادخل مفردات من التراث الاسلامي لا اتجاهل الاثر الهندي أو الايراني أو غيره. * الحداثة وما بعد الحداثة ومدارسهما لعبت دورا مهما في الحركات الموجودة على مستوى العالم, فهل تصح كل هذه الهجمات عليها, ألم تقدم جديدا؟ ــ بالطبع انها قدمت تقنية متطورة وجديدة, ولكن المطلوب وجود نفس شرقي وعربي, وافضل المعارض حاليا يقيمها الاسبان كذلك متاحفهم في مدريد وبرشلونة وهم فيها حاملون لمزايا الفن العربي, الفنان العربي الجديد ليس مضطرا لتقليد الغرب فلينهل من حضارته وحياته التي يعيشها وتمر احداثها وأشكالها أمامه. * وماذا عن اوروبا؟ ــ الاشياء الجديدة التي نراها في اوروبا ضاع فيها اللون ودلفت اليها فلسفات جديدة ولا يسعنا سوى احترام الاراء غير ان ثمة تجارب وكأنها مازالت تبحث عن نفسها. * يوجه انتقاد إلى بعض فنانينا العرب بعدهم عن البيئة ونزوعهم القوي إلى التجريد, ويقف الكلاسيكيون منهم موقفا قاسيا حتى انهم ينفون مواهبهم؟ ــ السبب الاساسي هو رغبة التشبه بالغرب والتماثل به, واحيانا يقلدون حتى دون اطلاع ورؤية وعليهم في البدء ان يعرفوا الرسم. اشتغلت انا على الشكل الكلاسيكي كثيرا وكان اسهل علي لو ركبت الالوان فوق بعضها وحسب, وان التجريد هو نهاية وتطور سنوات من البحث ولا يعني مجرد خروجي من المدرسة والصاقي للصور والرسومات. اظن في ذلك كله مرحلة انحطاط, اننا لا نعود إلى الطبيعة والاصالة. * يعني ان هذا الصراع الحاد بين الكلاسيكي والحديث سيستمر؟ ــ الحداثة ليست كلها سيئة لكنها كلام وفلسفة اكثر مما هي عمل وانتاج من ربح الجائزة الاولى في دورة بينالي الشارقة الاخيرة انه فنان رجع إلى جذور الطبيعة وكان كلاسيكيا لكن بمنظوره الخاص, الصراع الذي تتحدثين عنه ابتدأ مع بيكاسو واسميه تطورا ذلك ان قيود الكلاسيكيين تخلصت منها الحداثة. * البعض يراهن على ان صدى الحداثة الشعبي سيكون قصير المدى, هل تجد هذا الرأي منطقيا أو استشرافيا؟ ــ نراها كصرعة تمر دون ان تترسخ, ربما تشتريها المتاحف الحديثة المعاصرة وتؤخذ كشاهد على العصر والفترة الزمنية. نسبة قليلة من الناس يتفاعلون مع هذه الاعمال. لست ناقدا متخصصا لكن هذا هو انطباعي الشخصي وأجد في بعض المرات ان هؤلاء الفنانين يضحكون على الناس. * انت تختار أو تفضل الاحجام الكبيرة للوحاتك لانها تصلح للتزيين ويقتنيها اصحاب القصور أو البيوت الكبيرة؟ ــ ليس ايحاءها التزييني هو الذي دفعني للاشتغال على المساحات الكبيرة مع اني اعرف ان 95% من الناس يشترونها ليزينوا منازلهم فينتقون ما تتناسب الوانه وحجمه مع اثاثهم وغرفهم قليلون أولئك الذين يشترونها كمجموعات وانت تعرفين ان الفنان يريد ان يبيع في نهاية الأمر, غير اني لا انكر ان فئة معينة تتفاعل مع اللوحة وتلتقطها باحساسها. * وكأنك تشق مشوارك الفني نحو مرحلة جديدة, فنراك تتحول الى الطبيعة الصامتة والزهور بعدما اشتهرت بارتباطك بالخيول والنساء؟ ــ صحيح, لدي مرحلة جديدة اتوقع ان اقتحمها في العام 2000 اذ ستختفي معظم الالوان عندي ويواصل معي فقط الاسود والرمادي, واعتبر الاسود قوة وليس مرادفاً للحزن, ولدي عدة انقلابات في حياتي الفنية فأنا بدأت مع الايقونات ثم اتجهت الى المدن الضائعة والخيالية وبعدها الى الطبيعة والحيوانات المتوحشة وانتقلت حينها الى الحصان والمرأة وامر الآن في مرحلة الزهور, والتغيير يكون استجابة لاحاسيس تنتابني وتقودني اليها عفويتي وليس تفكيري, وهنا مكمن الجمال في اعمال الاطفال والتي على الفنان ان يتمسك بشيء منها. * لديك خبرة في المعارض الخارجية, هل تشعر ان التعامل مع العربي هناك غير منفتح او مستند الى اعتبارات سياسية؟ ــ الصحافة والجاليريات في اوروبا وامريكا معظمها يهودية وربما برزت قصص سياسية في هذه الناحية غير ان المسألة التجارية تتخطى هذه الحواجز وهو ما لمسته واقعياً من خلال تجربتي. * هناك اعتقاد سائد بأن المعارض الخارجية تمهد الطريق امام العالمية, ماذا تقول؟ ــ أليست هناك عالمية في الدول العربية, ان للاعلام دورا مهما جداً لكن ماذا عن صفة العالمية هذا القول غير الدقيق, لغة اللون والرقص عالمية, فليس هناك مشكلة في الا اكون مشهوراً في الولايات المتحدة الامريكية العالمية هي ان اكون مثل بيكاسو او اولئك الفنانين الذين تركوا بصماتهم القوية. * جولاتك العربية قليلة هل الأسباب تتعلق بالشهرة في الخارج, وكم يعنيك اسم الجاليري؟ ــ لا أحب ان ابقى في مكان معين ولدي دائماً ارتباطاتي في معارض خارجية, وما يهمني في الجاليري ملاحقته للاعلام والناس حتى لا يكون مروري هامشياً بلا اثر وارفض قطعاً ان ادخل الى صالات العرض التجارية والتي هي اقل بكثير في الغرب عنها في الدول العربية, وتريحني الصالات الاجنبية لانها تؤمن كل شيء لكن بثمنه. * هل ستتذكر بيروت العاصمة الثقافية للعرب هذا العام وما رأيك بما يحصل فيها على صعيد هذه التسمية؟ ــ ليس هناك جهد كبير في اعطائها حق تسميتها وربما اشارك في احدى المعارض لو سنحت لي الفرصة, ولفتني فيها المعرض الجماعي الذي اقيم في (بيروت هال) . حوار: رندة العزير