على البعد, تكتب عن مكتبتك.. تهفو إليها نفسك وتراودك لواعج الشوق إلى محتوياتها.. كل كتاب منها مثل كائن حي تتصور انه يبادلك الشوق ويقبع في انتظار أوبة الغريب من السفر القصير أو الطويل . وليس في هذه السطورر كناية أو استعارة: يعلم كل من يقتني مكتبة في بيته.. كم هي أثيرة إلى نفسه.. وقد يسافر المرء إلى هذا الصقع أو ذلك من المصر من العالم المعمور. فينسى هدية لصديق ولكن لا ينسى المسافر المثقف أن يزور المكتبات ــ دكاكين الوراقين كما كان يسميها أبو عثمان الجاحظ.. ويشتري منها أحدث ما صدر وقد يوفق في العثور على كتب من أقدم ما صدر.. فإذا به يحتفل بما اشتراه ــ يهش ويبش كما يقولون.. تسري في أعطافه فرحة غامرة.. يتطلع إلى أغلفة الكتب التي اشتراها ويكاد يربت عليها في حدب وفي حنان.. كأنه يوطن النفس على العودة بها وكأنما هي هدية لمكتبته الخاصة تضيف إليها رونقا وحسنا وعافية وبهاء. وهذا هو آخر أحاديثنا عن مكتبتنا وقد صحبناك معها عبر سطور وسطور.. وبالمناسبة, فآخر العنقود الذي أضفناه إليها في آخر سفرة هو الترجمة الاسبانية لمعاني القرآن الكريم وقد أنجزها المستعرب المسلم عبدالغني ميلارا نابيو واخرجها في ثوبها القشيب حقا مجمع (الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في العربية السعودية الشقيقة. ولسوف تأتي الترجمة الاسبانية لتضيف إلى ترجمات شتى بالانجليزية تضمها مكتبتنا العزيزة لكتاب العربية الأكبر والأكرم.. لعل في مقدمتها بل على رأسها ترجمة المرحوم يوسف علي وهو الذي أرسى ــ فيما نعلم ــ التقليد الحميد الذي يؤكد ان ما يقدمه المترجم إنما هي ترجمة (لمعاني) القرآن الكريم.. وهي ترجمة تفسيرية يعمد فيها واضعوها إلى بعض هوامش وحواش يزيدون بها على المتن الذي يترجمون لكي يضيئوا طريق الفهم أمام القارئ الأجنبي.. باعتبار ان النص في أصله العربي نص معجز جامع, مانع, حافل بحشود لا تنتهي من طيوف المعاني وظلالها بما لا يمكن ان يحيط به الانسان. وما نبرئ أنفسنا ــ فقد آثرنا ان نقتني الترجمة الاسبانية لمعاني الكتاب الكريم, لغرض معين في نفس كاتب السطور.. وهو تجديد ما نعرفه في لغة الاسبان.. وهي لغة قارة بأكملها الا قليلا.. والقارة هي أمريكا اللاتينية ــ الجنوبية و(قليلا هذه إنما تصدق على البرازيل وهي الاستثناء الذي يتكلم أهلوه البرتغالية وعلى بعض الأقطار الأصغر منها مثلا جامايكا وجمهورية الدومينيكان في أمريكا الوسطى حيث تسود الانجليزية اضافة إلى منثورات من الدول والجزر الصغيرة المنبثة هنا وهناك من حواف الأطلسي المحيط, ناهيك عن ان الاسبانية هي بداهة لغة اسبانيا الأوروبية ــ اندلس الاسلام الزاهر في ماضي الزمان وأهلوها يشمخون بأنوفهم بخيلاء لهجتهم في نطق الاسبانية حيث السين ثاء وحيث الصاد خاء وحيث يطلون من عل على اسبانية الارجنتين التي يستقلون شأنها ويرون ان مازجها قدر لا يجيزونه من التخليط أو العجمة أو التهجين وهو أمر كانت ترفضه باباء تحسد عليه, معلمتنا في اللغة الاسبانية السنيورة (كلارا) التي ما زال صوتها الأجش في درجة الخشونة يرن بأسبانية الارجنتين ـ في أسماعنا ونحن نعكف على كتابة هذه السطور, ولاننا نخشى على اسبانيتنا ان تضيع وتتبدد, وتذورها رياح الانجليزية الصرصر العاتية فقد آثرنا ان نعاود التفاعل مع الاسبانية قبل ان تتحول الى مصير الفرنسية التي نعرفها ــ او هكذا نتصور ــ وهو مصير لا يسر عدوا ولا حبيبا اذا اصبح اللسان متعثرا وأضحى فهم الفرنسية بحاجة الى أن نستعيد تكرارا ما يقوله أهلها وهم يتكلمون, والشهادة لله, مثل مدفع رشاش سريع الطلقات, ومن ثم فقد أضحى تعاطينا مع الفرنسية مقتصرا او يكاد على قراءة (الموند دبلوماتيك) وما في حكمها من مطبوعات رصينة, كلاسيكية اللغة, حفية تعطف في تؤدة ورفق على أمثالنا من عباد الله الذين يروضون النفس والفهم على ما يطالعون من سطور, كل ذلك والانجليزية التي تتسع رقعتها في قرية العالم المعاصرة تشمخ بأنفها وتكاد تخرج لسانها الى سائر الألسن واللغات. ولا أدري ان كنت قد مارست متعة المعاودة كما نسميها .. وهي متعة محققة اذا كانت في مجال الفن ومضمار الابداع, في حين ان المعاودة أو العود (الواو المضمومة) أمر جسيم في مجال القانون الذي قد يعفو عن آثار السابقة الأولى أو الجريمة الأولى .. لكنه في حالة العود أو المعاودة يعمد الى مزيد من تغليظ العقوبة وتأثيم المجرمين العائدين. لكن ــ مرحبا بالعوْد في مجال القراءة ها أنت تقلب النظر في زوايا المكتبة الرفوف حاشدة بالمطبوعات المرصوصة يتوقف النظر عند كتاب سبق وان طالعته منذ عشر أو حتى عشرين سنة تقل أو تزيد .. تمد اليد اليه: تتناوله تحاول ان تزيل عنها آثار غبار معنوي بفعل الزمن أو بقايا غبار حسي حقيقي اذا كانت مكتبتك ــ كما في حالتنا ــ تسكن مدينة القاهرة التي تزودها تلال المقطم ــ سامحها الله ــ بمؤونة دائمة من الغبار .. كم يحمل مثل هذا الكتاب من ذكريات الزمن الذي مضى .. ها انت تذكر ولا تنسى متى اشتريته وكيف انضم, بعون المولى ومنته الى رفوف مكتبتك العزيزة. كان ذلك منذ بضع عشرة سنة, كانت الصحة أوفر واندفاعة الشباب اكثر حمية .. وكان الزمن بخلاف والدنيا غير الدنيا من حيث عواطف الناس وأشكال العمران, وأحوال العالم .. وأسعار السلع والكتب ايضا صحيح انك انجزت مطالعة الكتاب .. وعيت ماضيه وقد تذكر منه كثيرا أو قليلاً مما اضيف الى زاد الوعي وحصيلة الوجدان .. لكن هناك من الكتب ما يستحق ان تعاود قراءته .. وها أنت تفعل فاذا بالمتعة أعمق واذا بصحبة المؤلف وأفكاره وطروحاته تنطوي على المزيد من بهجة الروح .. كيف لا وقد أصبحنا اكثر نضجا وأشد مراسا وربما أعمق فهما للعبارات والأفكار والسطور في حالتنا ــ العبد الفقير ــ أمضينا قرابة الشهر الماضي ــ في حالة معاودة, نعيد فيها قراءة الاجزاء الثلاثة من كتاب بعنوان (مذكراتي في نصف القرن) وهو كما يتضح من عنوانه مسلسل الذكريات الكلية والعميقة التي خطها قلم (أحمد شفيق باشا) رحمة الله عليه منذ ولادته في عام 1860 الى رحيله عن دنيا الاحياء في عام 1930. ولقد سبق لنا ــ العبد الفقير ايضا ــ ان قرأنا مذكرات الباشا أحمد شفيق منذ ثلاثين عاما بالتمام والكمال, في تلك الفترة ــ كانت شهية الشباب الطالع الفائر العفي اكثر من مفتوحة لقراءة, بل التهام كل ما تقع عليه ايدينا من صفحات وسطور, شاء القدر ان نتواجد في تلك الأيام البعيدة في سفارة مصر في بنغازي في الايام الأولى من احداث ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 .. وكانت المهمة سياسية ضمن فريق بعث به الزعيم عبد الناصر الى البلد العربي الشقيق وكان انجاز المهمة يستغرق طول النهار وردحا لا بأس به من ساعات المساء والليل .. ثم ماذا بعد؟ ماذا عن الساعات الطويلة التي لابد وأن تنقضي الى مطالع الفجر .. النوم عزيز, والسهاد المؤرق هو الصاحب والرفيق فماذا يفعل شاب استبد به فضول الاطلاع ... الا ان يفتش في أضابير السفارة .. فاذا به يعثر على كنز يفوح من اوراقه عطر الرفات القديم وكانت الطبعة الاولى في عام 1930 من مذكرات احمد شفيق باشا وكان ان تم الاجهاز عليها وقوامها كما قد أذكر أكثر من ألفي صفحة وأكثر ــ صاحبها ــ الباشا ـ لم يكتب مجرد خواطر أو لمحات شخصية رغم عنوان (مذكراتي .. الخ الرجل كان خريج مدرسة عريقة في علم السياسة هي مدرسة العلوم السياسية العليا في باريس ... وقد شاء قدره ان ينضم الى معية حكام مصر ما بين الخديوي توفيق الى الخديوي عباس حلمي الذي انتهى عهده بعد نشوب الحرب العالمية الأولى .. وهو اذن شاهد عدل .. رأى وعايش وتأمل وكتب فكان ان كتب بعمق ولكن في طلاوة, ووعي وصدق الى حد بعيد خاصة وقد كان في قلب الاحداث الكبرى على امتداد سنوات جيل كامل. هذا هو الكتاب الذي قرأناه منذ نحو جيل ونعيد قراءته بمتعة أكثر وأعمق ونحن في طور من النضج أكمل وأعمق ــ أو هكذا نتخيل.