تظل المقارنة بين طرق التصرف في المواقف المختلفة هي الفيصل في تسجيل الانطباع لدى الإنسان عن الفرد أو المجموعة التي يتعامل معها, الأمر الذي يشكل في النهاية رأيه , حتى تتحول آراؤنا في مرحلة من المراحل إلى نوع من (الأنماط الجامدة) كما يطلق عليها علماء النفس وكما تدرس لطلبة كليات الاعلام وعلوم الاتصال في مادة الدعاية والحرب النفسية. كنت قد تحدثت في استراحة الاسبوع الماضي عن الجزء الأول من عنوان هذه الاستراحة وهو (ضمير السائقة) ولم تتسع المساحة لاستكمال الجزء الثاني وهو (ابتسامة المدير) فافترقنا على وعد باللقاء, وها نحن نلتقي لنصل ما انقطع من حديث عن مدى ارتباط السلوك الاجتماعي بالتقدم الحضاري والعلمي في المجتمعات. لا شك ان أغلبنا قد تعرض بشكل أو بآخر لمواقف كثيرة في السفر حيث لا مفر من التعامل مع شركات الطيران والطائرات والمطارات, ولقد أشبع الاخ قاسم سلطان هذا الموضوع قصصاً وحكايات استمتعنا بها بقدر ما تعاطفنا معه في نفس هذا المكان, ولانه قد توقف عن الحديث في ذلك مؤقتاً فسأنتهز الفرصة لأفرغ شحنة غضبي وغيظي من هذه الشركات التي هي من عالمنا الثالث طبعاً وأعلن رضاي عن شركات أخرى لا تنتمي لهذا العالم بالطبع وأحسبني والله حسيبي لست متجنياً عليها. كنت مسافراً الى واشنطن على احد خطوط الطيران غير العربية, وقبل الوصول بحوالي ساعة وبينما كانت المضيفة تحمل صينية عليها مجموعة من أكواب عصير الليمون, ويبدو أن الارهاق قد بدأ يأخذ منها لطول الرحلة, وفي اللحظة التي كانت تمر فيها بجانب الكرسي الذي أجلس عليه إذا بها تتعثر لتقع بعض أكواب العصير على ملابسي, ولكم أن تتصوروا حجم الحرج الذي بدت عليه المضيفة وعبارات الاعتذار التي رددتها وكان يكفيني منها واحدة فقط, ثم إصرارها على أخذ معطف البدلة لتنظيفه واعادته لي رغم انه لم تبد عليه آثار العصير أبدا, وليس هذا هو الشاهد في الحكاية, فما حدث هو انها قد أحضرت لي مظروفاً به استمارة مطبوعة, وطلبت مني أخذ البدلة كلها للتنظيف الجاف فور وصولي الى الفندق, ثم ارفاق الفاتورة مع الاستمارة بعد تعبئتها ووضعها في المظروف الذي كتب عليه عنوان الشركة وايداعها اقرب صندوق بريد في اية مدينة داخل الولايات المتحدة وحتى لا اطيل عليكم فقد قمت فعلا بعمل ذلك ليس حرصا على استيفاء قيمة التنظيف منهم وقد كان مبلغا تافها لم يتجاوز العشرين دولارا وانما اختبارا لمصداقية الشركة, وما حدث هو انني عند عودتي للامارات وجدت على مكتبي مظروفا من شركة الطيران به شيك بالمبلغ مع رسالة اعتذار رقيقة كان لها ابلغ الاثر في نفسي. هذه صورة مشرقة كم نتمنى ان نراها على خطوط طيراننا العربية, ولكن ما يحدث هو العكس تماما, والادلة على ذلك كثيرة وهاك احدها: كنت مسافرا لحضور اجتماع في دولة عربية, ولم يكن هناك خط مباشر لها لظروف كانت تمر بها المنطقة في تلك الفترة, ولذلك فقد كان عليَّ ان استبدل الطائرة في مطار دولة ثانية لأركب طائرة الخطوط الجوية التابعة للدولة التي كنت متوجها اليها, وفي مطار التغيير التقيت زميلا كان متوجها ايضا لذلك البلد للمهمة نفسها, وكان لدينا على التذكرة حجز مؤكد على الدرجة الاولى, توجهنا فور وصولنا لمطار التبديل الى (كاونتر) شركة الطيران تلك عارضين على الموظفة تذكرتينا لمنحنا بطاقتي صعود الطائرة, نظرت الموظفة في التذكرتين وبعد ان داعبت ازرار الكمبيوتر الذي امامها رفعت الينا رأسها لتقول بمنتهى البرود: آسفة لايوجد لكما حجز على الدرجة الاولى! نظر كل منا الى الآخر ثم طلبنا منها ان تدقق النظر في التذكرتين وتعيد سؤال جهازها فربما كان هناك خطأ ما بالجهاز, نفذت ما طلبناه بشيء من الضيق والتأفف ثم كررت ما قالته في المرة الاولى مضيفة انه طالما لايوجد امامها حجز على الجهاز فلا قيمة لما هو مكتوب بالتذكرة, وهنا ثارت ثائرة زميلي بينما حاولت انا الاحتفاظ بهدوئي وطلبنا مدير المحطة فوجدناه اكثر لطفا من موظفته المتجهمة لاسباب خمّنها زميلي اثناء ثورة غضبه ولم املك الا ان اوافقه عليها, المهم شرحنا للمدير الموضوع بعد ان عرفناه بأنفسنا والمهمة التي نحن ذاهبون من اجلها في بلده فطلب منا الانتظار لحين صعود الطائرة ووعدنا بأنه سيتدبر الامر, انتظرنا ولم يكن بأيدينا سوى الانتظار بعد ان اقنعنا انفسنا بان هذا الموقف طبيعي بالنسبة لمن يتعامل مع شركات الطيران العربية ومثيلاتها. قبل الصعود تكرر اعتذار المدير لنا ــ وقد كان هذا الاعتذار هو الحسنة الوحيدة في الرحلة ــ ثم صعد معنا الى الطائرة قبل الركاب, وبدبلوماسية وظرف ــ تبين لنا فيما بعد انها حيلة لامتصاص غضبنا ــ طلب منا الجلوس في مقاعد الدرجة السياحية على وعد بان يقوموا باستدعائنا لمقصورة الدرجة الاولى بعد صعود الركاب, صعد الجميع واستقر كل في مكانه ولم يتم استدعاؤنا, لكن المدير حرص على المرور علينا قبل اغلاق الابواب وطمأننا الى انه بعد الاقلاع مباشرة سيقوم كبير المضيفين باستدعائنا للجزء الامامي من الطائرة فسكتنا على مضض وقد تحولت الحكاية الى مأساة وملهاة نعيشها ونتفرج عليها في الوقت نفسه, ولم يعد كرسي الدرجة الاولى متعة نتطلع اليها بقدر ما اصبحنا نستمتع بما يحدث لنا, اقلعت الطائرة وبعد مدة من الاقلاع لم يعرنا احد فيها اهتماما, طلبنا من المضيفة استدعاء كبير المضيفين حتى يفي بوعد مدير المحطة, بعد فترة جاءنا كبير المضيفين وقد رسم على وجهه ابتسامة كبيرة ليقول لنا وهو ينظر في ساعته: (الوقت المتبقي على الهبوط حوالي عشر دقائق, يعني الحمدلله وصلنا جميعا.. ركاب الدرجة السياحية والاولى في نفس الوقت.. ليش الزعل يا أخوان؟) !! هكذا بمنتهى البساطة حل المشكلة ووضعنا امام الامر الواقع ويا دار ما دخلك شر. الانكى من ذلك اننا علمنا بعد ان هبطت الطائرة ان حجزنا على الدرجة الاولى قد الغي نظرا لانه كان على الطائرة زملاء لنا من الدولة المالكة لها عائدين من مهمة في البلد الذي بدلنا فيه الطائرة ولم يكن لديهم حجز على الرحلة فتم منحهم حجزنا دون اخذ رأينا ولكنني يجب ان اعترف بانهم قد ابدوا لنا اعتذارهم حيث لم يعلموا بأننا نحن الذين الغيت حجوزاتنا ليستمتعوا هم برفاهية الدرجة الاولى, والا لما وافقوا على ذلك!! لن اعلق حيث لا تعليق ابلغ من السكوت, ولكنني ادعوك لان تقارن بين تصرف سائقة تاكسي في اقصى الجنوب الشرقي للولايات المتحدة مع غريب قادم من بلاد بعيدة لا تعرف عنها وعنه شيئا وتصرف مسؤولين في شركة طيران يفترض انها كبيرة مع اشخاص من جلدتهم يعرفون وظائفهم ويعلمون انهم متوجهون لمهمة رسمية في بلدهم في ظروف غير طبيعية, الاطرف من ذلك ان زميلي لم يكن لديه حجز للعودة فما كان من احد هؤلاء المسؤولين الذين استولوا على مقاعدنا الا ان اتصل بمدير شركة الطيران وطلب منه الغاء حجز اي راكب وحدد له جنسيته واعطاء حجزه لزميلنا وقد كان له ما اراد, أليست هذه قمة المهازل التي يمكن ان يراها الانسان ولا يملك حيالها الا ان يضع امامها الف علامة استفهام وتعجب؟! كان بودي ان اسوق لكم المزيد من الامثلة والمواقف لولا انني اخشى ان يكون ذلك على حساب الصور الجميلة التي ربما انستنا واقع حالنا, فما علينا الا التحلي بالصبر والعمل على تغيير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا ويأذن بفرج من عنده, وما ذلك على الله بعزيز.