دعوني أبدأ الحكاية من هنا, من فن الإعلان وتأثيره علينا ومحاولاته تغيير عاداتنا الشرائية, فقد قلق أحد صانعي السجائر من منافسة صانع آخر في نفس الشارع , ذلك ان الأول استخدم فتاة جميلة وأجلسها في الفترينة, وأمرها بلف السجائر مما جعل الناس تحتشد خارج المحل لمشاهدة الفتاة, ففكر الثاني في وسيلة اخرى للدعاية والإعلان عن بضاعته, فقام كصاحبه باستخدام فتاة شقراء جميلة وأجلسها في الفترينة تلف السجائر, وظهرها الى الشارع, فانتقل الجمهور من خارج الفترينة الى داخل المحل لمشاهدة تلك الفتاة. من هنا تبدأ الفطنة واللعبة الإعلانية, فالافكار كما يقال كالحجارة المهملة على قارعة الطريق تريد من ينتشلها ويلمعها ويضفي عليها روحا لتنتعش وتحيا, فكم هي الافكار التي نراها عادية فنهملها ويراها آخرون مهمة فيطوعونها لتصبح ذات قيمة وأهمية فتدر على أصحابها أموالا من حيث لا يحتسبون! وحتى لا أدخل من باب الربح والخسارة أشير الى ان بعض الهوايات والممارسات والعادات اليومية تظل حبيسة الانسان لا يستطيع الخلاص منها أو تركها متى ما أراد وكيفما شاء, ومن تلك العادات التي مازالت تتواصل معي شخصيا ومع غيري كثيرا, عادة متابعة الاعلانات ومطالعتها بشكل دقيق والبحث عن جديد الأسواق واكتشاف أسرار وغرائب الناس من خلال هذا الفن المثير. وفي الوقت الذي تخصص فيه الشركات والمؤسسات وبيوت الموضة والعطور ميزانيات خاصة لمسائل الإعلان وقضاياه وتصمم حملات ترويجية لطرح منتجاتها المختلفة, نجد ان الشركات الصغيرة والمحلات الهلامية ذات الامكانات المالية المحدودة تضع رجلا في الجنة وأخرى في النار, فهي تريد جنة المردود الإعلاني وبشكل فوري وتخاف نار السعر. لهذا ترمي تلك الشركات باعلاناتها كيفما اتفق (وحسب الماية) كما يقول عامة الناس, وكثيرا ما تنجح في غايتها ومسعاها لأن امثالي من أصحاب هواية البحث عن الاعلانات مهما صغرت, كثيرون و(على قفا من يشيل) ! وقبل ان أمضي سريعا في استعراض وقراءة نماذج حية وصادقة عن تفاصيل هذا الفن, أقف اجباريا معكم عند محطة من المحطات الطريفة, فقد ذكر الاستاذ منذر الأسعد في كتاب له بعنوان طرائف الاخطاء الصحفية والمطبعية, ان ثريا امريكيا أصيب بانهيار عصبي, فعولج في مشفى للأمراض العقلية والنفسية, وشفي بعد ستة أشهر, وحصل كالمعتاد في مثل هذه الحالات على شهادة من المشفى تفيد انه سليم صحيح العقل. وعقب شهرين من شفاء الرجل بدأت الحملات الانتخابية لعضوية الكونجرس, ورشح الثري نفسه لعضوية مجلس النواب, وكان مبرمجو حملته الانتخابية يخشون من ان يكشف خصومه لجمهور الناخبين عن حكاية مرضه العقلي, فخططوا لتحويل نقطة الضعف هذه الى مصدر قوة, ومن هنا فقد ذهل الناس وهم يطالعون دعايات الثري الانتخابية في الصحف والمجلات والتلفزيونات وبواسطة الملصقات, وهي لا تحمل سوى صورته مع عبارة واحدة تقول: (انتخبوا المرشح الوحيد الذي يحمل شهادة بأنه ليس مجنونا) ! وبعيدا عن تكنيك الإعلان وفنه وحملاته أدعوكم ولو مرة واحدة فقط ان تمارسوا قراءة الصفحات الإعلانية ولوحات النيون الخارجية لتكتشفوا عالما غريبا يضج بالمسميات المتناقضة والإعلانات المثيرة.. ففي صفحات الإعلانات المبوبة وتحت مسمى متفرقات تجد أحدهم يطلب مائة ألف درهم للاستثمار في مشروع ذي عائد جيد, هكذا وبكل بساطة من الباب للطاق, كما يقول اخواننا المصريون, نضع في أيدي صاحبنا المائة ألف درهم ويا صابت يا خابت, وكأن لسعات الأسهم خلال الصيف الماضي قد طابت وشفي منها من شفي. آخر يعلن عن استعداده التام لاعطاء دروس خصوصية في جميع المواد للمتقدمين لامتحانات الشهادة الثانوية بفرعيها العلمي والأدبي على سمع وعين وزارة التربية والتعليم التي تحارب الظاهرة بشراسة! إعلان آخر مثير عن كناري للبيع مع شهادة تغريد لغاية 134 درجة صوتية, فما عليك الا ان تحدد الدرجة التي تريدها ليسمعك الكناري معزوفته الرائعة, وبذلك تلغي عبدالله رويشد وعبدالمجيد عبدالله ومحمد عبده واحلام ونبيل شعيل. ومثلما تكثر اعلانات السيارات المستعملة أو المعروضة للبيع بأنواعها المختلفة, يكبر تجمّل أصحابها للترويج عن بضاعتهم, فيدوّن أحدهم في اعلانه ملاحظة تقول: ان السيارة المعروضة للبيع استخدام سيدة, في اشارة طبعا الى انها ــ أي السيارة ــ لم تتعرض الى التشفيط, فهي ناعمة ومحافظ عليها كصاحبتها, وهذه تحسب للسيدات دائما. واذا ما تركنا الصفحات الاعلانية واتجهنا الى اللوحات المرفوعة نرى عجبا, فهذا كراج (ون وي) .. الذاهب اليه لن يعود أبدا, الا اذا حدثت معجزة, وذاك صالون قحطة للحلاقة الخارج منه لابد أن يصبح أصلع بالتأكيد, وبين هذا وذاك تطالعنا لافتات تحمل أسماء نجوم الكرة والفن والمشاهير, فمن كافتيريا الطلياني مرورا بصالون باجيو وصولا الى حلاق مارادونا تبرز لافتات اخرى تحمل أسماء الليدي ديانا ومادونا والكساندرا. لم يتبق الا ان نقول انه زمن اللافتات من الفن الى السياسة.. ولا أدري هل نفتح الشباك أم نغلقه؟!