مصادفة ان يوصيني الاستاذ رئيس التحرير بمقابلة رجل, قرر الموت ان يأخذه بعد يومين من الوصية!حدث ان لفت نظر رئيس التحرير في مجلس عزاء الاستاذ عبدالله الشرهان رجل اعمى, من بين وجوه الناس الذين كانوا في العزاء . طلب رئيس التحرير في محادثته ان اهتم بهذا الرجل الثروة, وان تستفيد (البيان) وقارئها من كنوزه التي لا تقدر ولا تعوض, واتفقنا ان اذكره بذلك صباح السبت. كان ذلك مساء الخميس قبل الماضي, وقتها كنت مع الزملاء ذاهبين الى العزاء, اخبرتهم عن حديث رئيس التحرير والرجل الاعمى الذي غاب اسمه عني, فتحدث زميل, ان محمد مطر السويدي رجل شهير اعلاميا, حاورته معظم محطات التلفزيون والاذاعة في الدولة وكتبت عنه الصحف والمجلات كثيرا. وطرحنا على انفسنا سؤالا, ان رجلا بهذا الحجم والاهمية, ومع كثرة ما كتب وصور عنه لم يحفر عمله واسمه في الوطن واجيال الوطن. اين المشكلة؟ هل في الرسالة الاعلامية ( الناقصة) ام انها علة النسيان السريع في ذاكرة الزمن واهل هذا الزمن؟ واكبرنا ان يسير رجل اعمى من راشدية دبي الى رأس الخيمة لتقديم مواساته. من يعتب عليه لو ادى العزاء في برقية مكتوبة او مكالمة هاتفية؟! مثله معذور, الا ان (بوبدر) اكرم واوفى من الاصحاء الاقوياء في تأدية الواجب. وعند الفاجعة يصبح امر الواجب اقوى واحق. وجئنا مجلس العزاء, فإذا بك لا تجد مكانا فيه, من كثرة المخلصين المعزين, تعنوا له من ابوظبي والفجيرة, من داخل مناطق البلد وخارجها, و (بويوسف) في بلاء عظيم, فالموت عندما يختار اغلى مافيك وعندك, يلطمك ويحرمك الامل والحلم واليوم الجميل الذي تنتظره, لحظة الموت هذه تنسيك لذة حياتك وما فيها. صدمة شنيعة إلا ان حال (بويوسف) في مصابه امام الناس, انه الحق لامفر منه, فالله اعطى, الله اخذ. وحل السبت, انستني المشاغل ذكر محمد السويدي. وجاء صباح الاحد, فاذا زميل يحمل ورقة بيده, ويدخل على رئيس التحرير في الاجتماع مستفهما: هل تعرفون محمد مطر السويدي؟ وتذكرت الموضوع, وفرحت لذلك, وقاطعنا الزميل قبل ان نتحدث في تفاصيل زيارته ومحاورته, قائلا: لقد مات! دون مقدمات او بلاغ, هكذا هو يأتي دائما على غير موعد وانتظار. في يوم العزاء, كان اول المعزين عبدالله الشرهان, يرد الدين, وبعض الوفاء, ويكمل حزنه, هذه المرة في صديق عزيز, جاءه بالامس مواسيا واليوم يعزي فيه! بطولة بوبدر انه انشأ متحفا, بينما المتاحف في العالم العربي, امر سيادي لا تقوم به الا الحكومات. وان متحفه خاص بالتراث والتاريخ, وهو الذي ينقصنا في هذا البلد, فعمر هذه الدولة قصير عندما نعده بالسنوات, ومع ذلك فأن بقايا التاريخ والذاكرة تتساقط وتموت, وتمتسح بقايا تقاليد وتراث المجتمع, جرس الانذار والخوف من فقدان الذاكرة الذي علقه محمد مطر السويدي, كان ضمن محاولات فردية, كان مؤثرا ومهما, لان صاحبه التزم بالهم وحمله وكرس له حياته, فأصبح هوايته وعمله وعشقه واحلامه. سافر وهو الاعمى الذي لايبصر الا بقلبه وهواجسه, يبحث عن التراث والتاريخ في كل الاصقاع وكبر المتحف الصغير مع صاحبه, واصبح ضخما, غاليا جدا. وعرضوا عليه الشراء مرارا, ان يتنازل عن هذا المشروع, ورفض المغريات, واصر ان يبقى متحفه, وما جمعه وحفظه من تراث مفتوحا للجميع, لا يملكه الا واحد هو.. الوطن. ورحل محمد مطر السويدي, وبقي المتحف.. وبقي الوطن, يرحم الله بوبدر.