زرت مدينة جدة مرتين. ومنذ اللحظة الاولى تعلقت بالمدينة واعجبت بها. رحت اجوس في مناطقها العتيقة والحديثة, لفت نظري ذلك التوازن بين القديم والجديد, خاصة في المباني الحديثة , اضافة الى مجموعة نادرة من التماثيل تنتصب في فراغات المدينة, علمت ان من ارسى التخطيط الحديث للمدينة مهندس سعودي, ولد في مكة المكرمة, وتخرج من كلية الهندسة جامعة الاسكندرية تدرج في مناصب عديدة ابرزها رئاسته لبلدية جدة, وحصوله على درجة الماجستير في العمارة من جدة ايضا عام 1982, هذا بعض ما يذكره عنه الدكتور صبحي الشاروني في مقدمة هذا المجلد الجميل الصادر عن دار الشروق الاسبوع الماضي. لا اعرف الرجل شخصيا ولم ألتق به, ولكن المفاجأة انه من كبار اصحاب المجموعات الفنية في العالم العربي, وقد اهدانا من مجموعته هذه اللوحات النادرة من الفن المصري في القرن العشرين. يقتني الدكتور محمد سعيد فارس 648 عملا فنيا لاهم واشهر الفنانين المصريين, انها اهم مجموعة خاصة في حدود ما رأيت او علمت بعد متحف الفن الحديث, أتوقف امام الكنوز الخمسة كما اطلق عليها بحق الدكتور صبحي الشاروني, الكنز الاول لاعظم فنان تشكيلي مصري في القرن العشرين, وهو محمود سعيد انه فنان عالمي الحضور والرؤية استطاع ان يوجد الشخصية المصرية في اللون, في الفن في الخط, في التكوين, أكاد أحفظ ملامح فنه البعيد, واعرق لوحاته, المفاجأة ان الكتاب يضم 12 لوحة معظمها اراه لاول مرة, خاصة لوحاته عن النيل, وقارىء القرآن, ولوحتيه عن ذات الاساور الذهبية ــ 1946ولوحة (عارية على الوسائد ــ 1938) والانثى التي تظهر عارية فيها هي نفسها التي تظهر في معظم لوحاته, ويبدو ان الفنان قد هام بجمالها الوحشي, الناعم, الفاتن, فوجد فيه ما يوحي اليه دائما. الكنز الثاني للفنانين ادهم وسيف وائلي ويضم مائة لوحة, معظمها اراه لاول مرة وتمثل مراحلها الفنية المختلفة ولعل علاقة الدكتور الفارسي بالاسكندرية كانت مدخلا وسببا لاختباراته, ثم كنز عبدالهادي الجزار, الذي يضم 65 لوحة, بينها عدد كبير من اعماله الشهيرة ثم كنز حامد ندا ويضم 32 لوحة رائعة واخيرا كنز كامل مصطفى ويضم 24 لوحة. تلك كنوز خمسة ينافسها اعمال فنانين آخرين غير مشهورين منهم محمد حسن بك (مولود 2 مايو 1892 ببلدة دنجواي في الدقهلية وتوفي عام 1961) وايضا شعبان زكي 1899 ـ 1962 ضم المجلد لوحات رائعة للفنانين, جورج صباغ, محمد ناجي, احمد صبري, محمود مختار, يوسف كامل, راغب عياد, عفت ناجي, الحسين فوزي, سيف وائل, ادهم وائلي, صلاح طاهر, حسني النبان, غميا سعد, حسين بيطار, محمود موسى, كامل مصطفى محمد, حامد عبدالله, جمال السجيني, عبدالعزيز درويش, تحية حليم, صبري راغب, انجي افلاطون, حامد ندا, عبدالهادي الجزار, جاذبية سري, صلاح عبدالكريم, محمد القباني, جمال كامل, حسن فؤاد, حسن سليمان, آدم حنين, فؤاد تاج, حلمي التوني, منير فهيم, مصطفى حسين, اسماعيل نجم, حليم يعقوب, فاروق شحاته, عطية حسين, عبدالحميد الدواخلي, احمد البطوحي, عصمت داود شاس, عبدالسلام محمد, شاكر المعداوي, محمد يوسف حسن, احمد فؤاد, حسين الشابوري, اسماعيل عبدالله, علي بيومي, جرجس لطفي, صلاح عنان, جمال عبدالغني, محمد الناصر, ميشيل هنري معلوف, وضم لوحات لاثنين من اصول غير مصرية, الاولى مجري قدمناه في اخبار الادب عندما اقام له السفير المجري السابق يوهاس ارفو معرضا في الاوبرا, وهو فنان متشبع بالروح المصرية, وعنده شفافية صوفية خاصة عندما يرسم وجوه الاناث الجميلات الرقيقات, اللواتي يبدين قادمات من عالم الحلم, الفنان الثاني تركي الاصل اسمه هوايت, يقول الدكتور الفارسي في تقديمه: من المجلات والجرائد المصرية ومن الراديو والسينما في ليالي الطائف تعلمنا ان الفن الجميل هو عطاء كامل بلا انتظار وانه قد يكون نغما ينساب من فم عاشق او لحنا يعزفه محب على اوتار القلب او رسما تجري به انامل فنان بالالوان. يقول عن محمود سعيد: ولقد كان محمود سعيد اقرب الفنانين الى قلبي بروحه الشفافة المعبرة عن شعب الاسكندرية في بحري والانفوشي ومحرم بك وهي الاحياء التي عشقتها وعشت فيها احلى ايام العمر والشباب, اعجبني في محمود سعيد اختياراته لموضوعاته, وكذلك اسلوبه الفريد المتميز في التعبير واختياراته لالوانه الساحرة الدافئة كأنها محمصة بأشعة الشمس الذهبية, تصاوير محمود سعيد هي الاساس الراسخ لفن التصوير المصري المعاصر. يحمل الكتاب عنوانا يتطابق مع مضمونه (متحف في كتاب) وفي حدود ما رأيت لا توجد كتب بهذه الدرجة من الاتقان تبرز جمال الفن المصري, إلا كتاب جميل يضم عددا من لوحات متحف الفن الحديث طبع في زمن ثروت عكاشة, وما كان ينشر في مجلة شل اثناء تولي طارق حجي مسؤولية الشركة في مصر, انني اتمنى لصاحب المجموعة صحة جيدة وطول عمر مديد وآمل ان يخرج لنا ما تبقى من مجموعته الفريدة, الاعمال العربية, والعالمية بعد المصرية. من طهران لأن حركة الكتاب العربي من قطر الى قطر تكاد تكون مشلولة, متوقفة طوال العام, فان معرض القاهرة الدولي يعد حدثا هاما, وفرصة نادرة لا تتكرر الا مرة واحدة في العام, يتاح فيها للمثقفين والمهتمين متابعة حركة النشر في مختلف أنحاء العالم العربي, وبداية أتوقف عند حركة نشر كتب الأدب العربي القديم, والتي توقفت تماما في أهم دار نشر مصرية, الهيئة المصرية العامة للكتاب, وانتقال قسم تحقيق التراث الى دار الكتب المصرية, وكان هذا القسم قد نشط لفترة خلال رئاسة الاستاذين محمود فهمي حجازي, وجابر عصفور, لكن الصمت أحاط به من جديد, كما ان الهيئة العامة للكتاب لم تنشىء حتى الآن مركزا موازيا لنشر التراث, ونأمل أن يتم ذلك في أقرب وقت حتى لا تفقد الهيئة جزءا هاما من دورها. خاصة وان دار المعارف التي لعبت دورا هاما في نشر ذخائر الادب العربي والاسلامي قد توقفت عن اداء هذا الدور, ونال الوهن من صرح عظيم, أدى خدمة جليلة للثقافة العربية, وخلال السنوات الأخيرة فقدت مصر منارات مشعة وهامة كانت تنشر التراث منذ قرن ونصف القرن, أعني مكتبة محمد صبيح التي أغلقت وكانت تمد الأزهر والبلدان العربية والاسلامية بمئات المراجع في التفسير والتصوف والأدب, باغلاق هذه المكتبة ضاعت آلاف العناوين الى الأبد, وللأسف فإن المطبوع القديم لايهتم به أحد, أما المخطوطات فتلقى بعضا من عناية, ونأمل ألا تلقى المكتبات الأخرى نفس المصير. بشكل عام, لاجديد يثير الاهتمام في كتب التراث المطبوعة في مصر, بل انني لاحظت اتجاها تجاريا في تقديم بعض النصوص, وقد اصدرت احدى الدور كتابين الاول بعنوان (تاريخ الاقباط) والثاني بعنوان (تاريخ اليهود) بتحقيق أستاذ معروف, يمسك القارىء الكتابين فيظن ان كلا منهما نص جديد للمقريزي, ثم يفاجأ انهما اجزاء من كتابه المعروف (الواعظ والاعتبار بذكر ما في مصر من خطط وآثار) هذا نموذج اقدم عليه استاذ معروف, فما البال بما اقدم عليه غير المتخصصين, لقد اصبحت عملية نشر التراث تشبه في بعض جوانبها التجارة في اعضاء الموت التي يقدم عليها اللحادون ونابشو القبور, هناك جهود فردية من بعض الأقطار العربية (مثل رسائل ابن عربي الصادرة عن المجمع الثقافي بأبوظبي ورحلة ابن بطوطة بتحقيق الدكتور التازي من المغرب, والاصدارات الأخيرة لمكتبة الخانجي بالقاهرة التي تعنى بما تنشره وتذكرنا بالزمن القديم الجميل, وقد فرغت من طبعة حديثة محققة لديوان كشاجم ولي عودة لها, كذلك أخص بالذكر دار الغرب الاسلامي لصاحبها العم حبيب اللمسي أمد الله في عمره, وسوف أفرد خلال الاسابيع المقبلة لآخر اصداراته, وايضا لمفاجأة الدكتورة سعاد الصباح ـ شفاها الله وعافاها ــ عندما قررت طبع اصدارات الدار بتخفيض وصل الى تسعين في المائة, هكذا بيعت الشاحنات والتي شرفت بتقديمي لها من خلال الدار بعشر ثمنها, كذلك بقيت ما أصدرته الدار من مطبوعات تراثية هامة منها (المنازل والديار) لاسامة بن منقذ بتحقيق د. مصطفى حجازي, والمقابسات للتوحيدي, وفوائح الجمال للشيخ نجم الدين كبرى بتحقيق الدكتور يوسف زيدان, ومنازل السائرين للهروي, وغير هذه العناوين الهامة التي نأمل استمرارها. بشكل عام ضعفت حركة نشر التراث, واختفى جانب كبير منه, خاصة التراث العقلاني والعلمي (لم يعد مركز نشر التراث العلمي في حلب يقدم جديدا) لكن المفاجأة تجيء من ايران. ان ايران لا تشترك رسميا في المعرض, لكنني اعتدت منذ سنوات على اقتناء ما يصدر من كتب عربية في طهران من خلال موزع سوري نشط, وعبر السنوات الماضية اقتنيت عددا كبيرا من مصادر الفلسفة الاسلامية التي طبعت في ايران. أهم ما حمله الموزع السوري (نبيل ناصيف) الي هذا العام ثلاثة مجلدات نفيسة للفيلسوف الفارابي بتحقيق جديد لمحمد تقي ومراجعة السيد المرعشي, ايضا تفسير القرآن الكريم للامام صدر الدين الشيرازي, اضافة الى اعمال السهروردي الاشراقي التي حققها المستعرب الفرنسي هنري طوربان, وبالرغم من اقتنائي للمجلدات الاربعة منذ عامين, الا انني أقدمت مرة رابعة حتى أهديها لمن أحترمه, واشعر فعلا انه مهتم ويعسر عليه الوصول الى هذا الاثر النفيس, وهذا شأني مع النصوص الاثيرة. شكرا للمهتمين بتراثنا العربي في طهران, وادعوكم لتأمل هذا الوضع المأساوي, فما نهمله نحن يحتفون به هناك, ولحسن الحظ, فإن لغة الضاد ليست قاصرة على الاقطار العربية فقط, ولولا اقدام طهران وبعض المراكز العلمية في أوروبا واستامبول ولولا بعض الناشرين المحترمين في مصر والعالم العربي لأصبح العثور على كتاب تراث قديم للفارابي, أو ابن سينا, أو الجاحظ, أو التوحيدي, أو الترمذي اندر من الكبريت الأحمر.