ما حدثناك عن مكتبة العقاد في بيته, إلا لكي ندلف معك الى الحديث عن مكتبتنا نحن في بيتنا او قل في بيوتنا التي تعددت مواقعها واحداثياتها عبر قارات آسيا وأفريقيا وامريكا الشمالية. صحيح ان الحديث قد يبدأ بتساؤل نطرحه في تواضع اقرب الى ابراء الذمة . وهو تواضع مصطنع في كل حال ـ تساؤل يقول: يا عم. واين نحن من مكتبة العقاد؟ لكن الصحيح ايضا ان القرد اجمل من الغزال في عين والدته.. ومن ثم فالمكتبة التي تجاورنا في منزلنا تضارع في رأينا اي ببليوتيك في التاريخ حتى ولو كانت مكتبة الاسكندرية بجلالة قدرها. ويعلم الله أننا لسنا بدعا في هذا كله. مكتبة المثقف اثيرة الى قلبه, قريبة الى نفسه.. لانها لم تعد حاصل جمع بالكم لعدد زاد او قل من الكتب والمعاجم والرسائل والدواوين والدراسات. انها محصلة (كيف) تحكي ـ مثل خارطة بليغة وثيقة ـ قصة تطور صاحبها.. من مرحلة الفضول الاولى الى مرحلة الشغف بالحروف والسطور والصفحات الى مرحلة النضج والاكتمال حيث يميل صخب الشباب الى سكون الكهولة.. وحيث يتحول كل حرف من شعلة حمية وشرارة فكر.. لكي يصبح مثل جمرة متقدة, على نار هادئة تشع دفئا وضياء وآمنا وسكينة.. لا عجب ان اختار الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت عبارة (بجوار المدفئة) عنوانا لسلسلة الاحاديث التي كان يلقيها من الراديو ـ افصح ادوات الميديا منذ الثلاثينات ـ على اسماع الشعب الامريكي. وكم درج ابناء جيلي المخضرم, ومن قبله ابناء جيل سلف على ان يؤرخوا لحياتهم ـ اطوارها ومنعطفاتها وتقاطعات مسالكها ومراحلها المتباينة بين مرارة العلقم وحلاوة الشهد ـ من خلال أغاني أم كلثوم بالذات.. اذ كان صوتها يصافح اسماعهم عبر اجواز الفضاء العربي مؤثرا وشامخا وفصيحا كل اول خمس من كل شهر.. وكانت احداث حياتهم, كأفراد, تواكب صنع الاغاني بالفرحة او الشجن.. سيان.. تسمع الواحد منهم (جددت حبك) فيذكر انها واكبت نجاحه مثلا في الثانوية العامة.. او يستعيد ابياتا من (اطلال ناجي ـ السنباطي) وقد تعيد الابيات الى الخاطر طيف ذكرى لا تنمحي من مخزن الذكريات.. اول نظرة من عين تلمع بالتعرف وتخطف القلب المتوهج بالشغوف.. او كلمة حب.. أول لوعة افعمت الفؤاء بالوجيعة ـ اول قصيدة غزل.. حتى ولو كانت من سقط المتاع.. لكنها في كل حال تحمل ذوب النفس وتستقطر جوهر القلب. تقول.. مثلما ظلت اجيال تؤرخ لمراحل عمرها باغاني أم كلثوم ومن بعدها ارخوا ـ اراح الله بالهم وستر الله على لواعج افئدتهم ـ باغاني عبدالحليم حافظ ـ فإن اجيالا من المثقفين ارخت وما برحت تؤرخ لحياتها وتطورها النفسي والفكري بمحتويات المكتبة التي يلازمها كل قارىء يحدوه ذلك الفضول المقدس لان يقرأ ويعرف وينفعل ويتفاعل. ها أنت تقلب بين زوايا مكتبتك.. يعلم الله كم تأنس حاسة الشم عند العبد الفقير الى رائحة الورق القديم.. هذا هو عبق الابداع الذي كان.. اريج الماضي الذي شهد الشاعر يترجم الجمال الى ابيات وايقاع ونغم وشهد المؤرخ يوازن ـ مثل قاض جليل ـ الروايات والوثائق ليخرج على قارئيه برأي مفيد.. بل شهد مؤرخينا القدامى يعكفون على يوميات يدونون فيها كل ما وعته ذاكرتهم من حوادث.. وكل منهم لا ينفك في حالة تشغيل دائبة لعقله وحافظته ـ كمبيوتر بشري جاهز دوما للرصد والاستقبال والتسجيل.. في مكتبتك كتاب تناولته يدك وانت فتى غض الاهاب كما يقول (الملاح التائه) علي محمود طه.. ها هو انت تقلب صفحاته فاذا به يرسم صورة تلك اللحظات الماضية اللماحة التي رفعتك الى اقتناء هذا الكتاب.. موضوعه عفا عليه الزمان.. ولا بأس فهو في كل حال صديق قديم.. ومنذ متى نتنكر لقدامى الاصدقاء.. فما بالك لو كانوا ممن تنكر لهم الزمن والزمن غدار. ثم.. هذا الكتاب الذي قررت سيادتك ان تشتريه لكي تعرف شيئا عن دولة كبرى بل دولة عظمى اسمها.. الاتحاد السوفييتي ـ في الكتاب تصاوير السادة زعماء الكرملين يستعرضون ارتالا من قطعات الجيش في الميدان الموسكوفي الاحمر ـ شواربهم الكثة ـ سحنهم العتيقة ملامحهم الاقرب الى تماثيل الشعب.. من يتصور ان ذلك الكائن الرهيب الذي كان يحمل اسم (السوفييتي) كان في الحقيقة ديناصورا هائلا ولكنه مائل الى انقراض.. في سنوات قلائل من عقد التسعينات.. يعني بالامس القريب تحول الاتحاد السوفييتي الى انقاض وانطوت صفحة الزعماء ذوي الوجوه الشمعية, وتحول الجيش العرمرم ـ يا ولداه ـ الى زراعة البطاطس او الغناء في محطات المترو في موسكو بعد ان عزت الاقوات وتعطلت المرتبات ـ فيما تحولت دكاكين الميدان الاحمر ذاته ـ عن رفع صور الخواجات العقائدي ماركس والمفكر وانجلز والزعيم لينين الى حيث يرفعون تصاوير مفكرين على شاكلة مايكل جاكسون وعقائديين من طراز ماكس فاكتور او ماكالدونالد.. وهكذا تحول الكتاب الذي بين يديك ليشكل ايقونة ترمز الى عصر موغل في الماضي الذي يبدو سحيقا في التاريخ.. فيما لا يتجاوز عمره ـ كما اسلفنا ـ بضع سنوات من عقدنا الراهن.. وها انت تقرأ العنوان: الاتحاد السوفييتي.. فلا تكاد تجد على شفتيك سوى اغنية نجاة بمطلعها الشهير: كل شيء راح وانقضى... واللي بيننا خلاص مضى. مع ذلك ـ فلا تزال مكتبتك ـ او هي مكتبتنا تحقق آمل البشرية الموعود في التعايش السلمي بين الافكار والطروحات والشخصيات والنظريات فوق رفوف المكتبة على الاقل.. او على سبيل اضعف الايمان ـ في مكتبتنا مثلا تتجاور كتب كارل ماركس مع كتابات آدم سميث (الجد الاعلى للرأسمالية كما لعلك تعرف) ويتلاصق الدستور السوفييتي بكل قيوده على الحرية الفردية الى جانب كتاب (جون ستيورات مل) فيلسوف الحرية الفردية في القرن الماضي... فوق الرفوف عندنا يتجاور تاريخ العم عبدالرحمن الجبرتي مع اكثر من كتاب عن نابليون وعن حملته الفرنسية على مصر والشام وهي الحملة التي سلقها الجبرتي في تاريخه بالسنة اكثر من حداد.. بل ها هو الجبرتي ـ يتجاور ايضا مع كتاب (عصر محمد علي) وهو السفر الجليل الذي وضعه المؤرخ الاستاذ عبدالرحمن الرافعي رحمه الله عن ذلك الالباني شبه الأمي الذي يعد ـ باجماع الجمهور كما يقولون في الفقه ـ مؤسس الدولة المصرية الحديثة. اذن فقد اصطلح العم عبدالرحمن الجبرتي مع غريمه في التاريخ محمد علي, ولو على رفوف مكتبتنا على اقل تقدير. هذه المصالحات التاريخية لا تقتصر على الافراد والشخصيات فحسب ـ بل هي ايضا تنسحب لتشمل العصور والدول والممالك والامبراطوريات في مكتبتنا يتجاور مثلا فجر الاسلام ـ وهو حلقة مضيئة في سلسلة تاريخ الحياة العقلية التي وضعها الاستاذ احمد امين ـ مع تاريخ بني امية للدكتور فاخر عاقل وقد احسن الرجل حين تعامل مع تاريخهم بمقياس نراه اقرب الى الموضوعية والنهج العلمي, ثم ها هي اجزاء كتاب جامع اسمه (عصر المأمون) تطالعك وتدعوك ان كنت قد نسيت الى قراءتها او معاودة الرجوع اليها والكتاب عمل تأريخي وادبي مهم من وضع الدكتور فريد رفاعي وهو شخصية لم تأخذ حقها في مضمار السيرة العربية المعاصرة. تقودك الرحلة الى ديوان التيجاني يوسف بشير الشاعر السوداني وبجواره الشوقيات باجزائها الاربعة (وآخر الاجزاء فيها قصائد للاطفال بعضها من ابداع أمير الشعراء شوقي بك خصيصا من اجل أمينة حفيدته الصغيرة) وها هو ايضا ديوان (ابو القاسم الشابي التونسي) وكتابات عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري من اقصى المغرب في نقد العقل العربي وفي الدعوة الى فكر منهجي عربي جديد ـ وقبل ان تبلع ريقك, تفاجأ بالاجراءات الثلاثة من (التاريخ العربي والمؤرخون ـ هذا العمل بالغ الاحترام الذي خلفه لاجيال الباحثين والمثقفين المرحوم الدكتور شاكر مصطفى (سوريا) يجاوره في نفس الصف ابحاث العلامة العراقي عبدالعزيز الدوري في التكوين التاريخي للأمة العربية ثم ها هي دواوين عبدالله البرذوني (اليمن) وابراهيم العريض (البحرين) وعمر ابو ريشة (سوريا) وابراهيم وفدوى طوقان (فلسطين) .. تلك اذن هي المنظومة القومية ـ الكلاسيكية كما قد نقول.. ولسوف يضاف اليها من ثمار رحلتنا الاخيرة الى الامارات الطيبة آثار اخرى ليس اقلها احدث ما ابدعه صديقنا الاستاذ محمد المر عن ثمار رحلاته الممتعة حول العالم ـ الى جانب ديوان (أبي اليقظان) الشاعر الذي تغنى بملحمة الكفاح الجزائري في سبيل الاستقلال.. واكرم ما في الديوان انه مطبوع وصادر في السيب, سلطنة عمان.. الشعر جاء من اقصى مغرب الوطن العربي, فاذا به يجد من يحدب عليه ويتوفر على طباعته واخراجه للناس من اقصى المشرق العربي.. ارأيت كم تزهو مكتبتنا بطابعها العروبي القومي ـ. في صمت جليل وبغير لافتات او شعارات.. ألا تستحق مكتبتنا حديثا آخر.. ولو على سبيل التشجيع...؟