ما مدى ارتباط السلوك الاجتماعي بالتقدم العلمي والحضاري في مجتمع ما؟ سؤال يلح عليّ كثيرا كلما تعرضت لموقف من المواقف في بلد ما , والانسان عندما يكون خارج البيئة التي تعود عليها وبين افراد مجتمع لم يألف عاداتهم وتقاليدهم وطرق تعاملهم فانه غالبا ما يتعرض لمواقف وتصرفات تبدو له غريبة أو غير طبيعية ومتوقعة على الاقل, ولا اعلم إلى أي حد شغلت هذه القضية اذهان علماء الاجتماع والانثروبولوجيا أو نالت من اهتمامهم, فما يتبادر إلى ذهني ويشغل تفكيري ويخضع لتفسيري الشخصي ليس اكثر من ملاحظات انسان عادي يتفاعل مع مجريات الحياة وفي نطاق الدائرة التي يعيش فيها بشكل تلقائي يعتمد على الخلفية الثقافية ايا كان نوعها والتنشئة الاجتماعية والدينية والعلمية ايا كان حجم الحظ الذي ناله منها, وهو امر لا يرقى بطبيعة الحال إلى مستوى التحليل العلمي المبني على مسببات ونتائج والقائم على قواعد واسس متعارف عليها. وحتى لا ينحو بنا الحديث إلى مسار ثقيل الدم لم يعتده قراء (الاستراحة) فأكون بذلك قد سننت سنة سيئة أتحمل وزرها ووزر من يعمل بها من كتاب هذه المساحة وكلهم اساتذة مشهود لهم ببراعة القلم ورشاقة الاسلوب ورجاحة العقل التي تعصمهم من الانجراف إلى ذلك خاصة وانني مازلت ضيفا عليهم, واكرام الضيف عندهم ثلاث مقالات (على غرار الايام الثلاثة التي تكرم فيها العرب ضيفها) وحيث ان هذه هي المقالة الثالثة لي فانني اعلنها بأنه قد طاب لي المقام في مضارب كتاب الاستراحة الكرام وربوعهم العامرة المزدانة بصور الحسان من ملكات الجمال ونجمات الشاشة وكل ذات قوام جميل وحسن خلاب, علاوة على أنني محاط من جهات ثلاث بجيران عتاة لا قدرة لي على مجاراتهم, فعن يميني تسكن الزميلة عائشة ابراهيم سلطان تطل علي ابجدياتها راصدة كل شاردة وواردة لا تتردد في قول كلمة الحق, وعن يساري يسكن الزميل عبدالحميد احمد جامع الناس ومؤلفهم بأسلوبه الساخر الجميل السهل الممتنع, اما فوق رأسي ورؤوسنا جميعا فتنتصب درة التاج التي لا نملك الا ان نحني رؤوسنا لها وهي القلعة المشيدة (للنساء فقط) وعلينا وعلى خلق الله اجمعين للنساء سلطان اين منه قوة السلاطين وهيلمانهم وجبروتهم. اترك استطراد الجاحظ جانبا واعود فأقول انه حتى لا يحدث ذلك اجد نفسي مضطرا للدخول في الموضوع بعد هذه المقدمة مستعينا بالله ومحترسا من اساءة الظن بقصدي الذي ربما حسبه البعض اعجابا مطلقا بحضارة الغرب وسلوكياتهم, ويعلم الله ان ذلك غير وارد اطلاقا, فلست ممن ينبهر بكل قادم من المجتمعات الغربية وبها من المفاسد ما لا يعد ولا يحصى في جوانب كثيرة, ولكن بعض المواقف البسيطة احيانا تجعلك تتساءل عما اذا كان هذا السلوك أو التصرف نتاج التقدم الذي تعيشه هذه المجتمعات في جوانب العلم خاصة ام هو نتيجة عوامل اخرى ليست النهضة العلمية التي تعيشها هذه المجتمعات من بينها, وتحضرني في هذا المجال مقولة شهيرة لواحد من المصلحين والاعلام المجددين في اواخر القرن الماضي واوائل قرننا هذا الذي اوشكت شمسه على المغيب هو الامام محمد عبده وقد عاد لتوه من باريس واصفا ما وجد عليه المجتمع الفرنسي وسلوكيات افراده ومتحسرا على حال المجتمعات الاسلامية منذ ما يقرب من مائة عام علما باننا نعتبر تلك الحقبة افضل من زمننا هذا من حيث التمسك بالاخلاق والقيم والدين. يقول الامام محمد عبده وقد عاد إلى مصر بعد فترة ابعاد قضاها بين باريس وبيروت: (وجدت في الغرب اسلاما ولم اجد مسلمين, ووجدت في بلادنا مسلمين ولم اجد اسلاما) , قول بليغ لخص المسألة كلها في كلمات يسيرة وجملة قصيرة مؤداها ان الاسلام سلوك وأسلوب تعامل ونظام حياة بين البشر وليس مجرد عبادات وحركات تؤدى دون وعي بمدلولاتها, ثم ينصرف الفرد بعدها ليمارس كل اشكال التعامل التي لا تمت بصلة إلى فكرة هذه العبادات والغاية منها, وهي تهذيب السلوك وخلق قواعد للتعامل بين افراد المجتمع والمجتمعات الاخرى, إلى الدرجة التي يعرّف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الدين بقوله: (الدين المعاملة) . والمعاملة هي التي تعطي الانطباع الأول عن الشعوب التي نحتك ونختلط بها, والانطباع الأول كما يقال هو الانطباع الأخير, ولاشك أننا قد تعرضنا جميعاً لمواقف في اسفارنا وتجوالنا عبر البلاد في أرض الله الواسعة أعطى بعضها انطباعاً جيداً عن شعوب هذه البلاد وأعطى بعضها الآخر انطباعاً سيئاً عن هذه الشعوب. بعض التصرفات قد تكون بسيطة وتلقائية وتأتي دون تكلف أو اعداد مسبق ولكنها في جوهرها تنم عن بعد انساني واخلاقي يدعو للاعجاب والتوقف عنده. أذكر أنني في اوائل التسعينات كنت في جولة بالولايات المتحدة شملت أكثر من ولاية, وفي مطار اورلاندو بولاية فلوريدا قمت باستئجار سيارة من احدى شركات التأجير استخدمتها لعدة أيام ثم توجهت بها الى مدينة فورت لودرديل القريبة من ميامي, وبعد يومين من اقامتي بالمدينة قررت تسليمها حيث كنت خلال الأيام المتبقية مرتبطاً بجولات سياحية ستستغرق مني كل اليوم. وقد كان أقرب مكان يمكنني تسليم السيارة فيه هو مكتبها بمطار ميامي الذي يقع على بعد حوالي نصف ساعة من المدينة بعد تسليم السيارة قام باص المكتب بتوصيلي الى قاعة الوصول بالمطار حيث يتوجب علي ركوب مواصلة أخرى للعودة الى الفندق الذي اقيم فيه بمدينة فورت لودرديل, وقد توجهت فور نزولي من الباص لموقف سيارات الاجرة وركبت أول سيارة في الطابور حسب المعتاد حيث كانت تجلس أمام مقودها سيدة في منتصف الخمسينات من العمر كما خمنت, وما أن نطقت اسم الفندق الذي يفترض أن تأخذني اليه حتى بادرتني بالسؤال: (هل أنت مقيم بالفندق؟) قالت بعد أن رددت بالايجاب: (مادمت نزيلاً بالفندق فلا داعي لتحميل نفسك دفع اجرة تاكسي قد تتجاوز الثلاثين دولاراً, فهناك باص يمكنك طلبه من الفندق ليقوم بنقلك اليه دون مقابل!) قلت لها وأنا أحاول اخفاء دهشتي من تصرفها وليس من صالحها وصالح الشركة التي تعمل على سيارتها خسارة زبون: (ولكنني يا سيدتي لا أعرف كيف يمكنني طلب الباص وليس معي رقم هاتف الفندق) وهنا ما كان منها إلا ان تركت مكانها في السيارة وذهبت معي الى داخل الصالة حيث دلتني على لوحة كبيرة عليها عدة هواتف وتحت كل هاتف اسم الفندق الخاص ثم رفعت السماعة وقامت بطلب الباص نيابة عني وذهبت معي مرة أخرى لتدلني على المكان الذي يجب أن انتظر الباص فيه, وعادت بعد ذلك الى سيارتها بعد ان أنجزت المهمة التي أملاها عليها ضميرها وأمانتها! تصور أيها القارىء الكريم كم سائق تاكسي في بلداننا وبلدان العالم الثالث على وجه العموم يمكن أن يرفض زبوناً غريباً عن بلده لاتتيسر له معلومة من هذا النوع, وكم مرة نزلت بمدينة فسلك بك سائق التاكسي طرقاً طويلة وتجول بك في ارجاء المدينة كي يوصلك الى المكان الذي تقصده من أطول الطرق طمعاً في زيادة عدة كيلومترات في عداد النقود والحصول على اكرامية أكبر. ومثال آخر لموقف لاشك أن أغلبنا قد تعرض لمثله بشكل من الاشكال في السفر حيث لا مفر من التعامل مع شركات الطيران والطائرات والمطارات, ولقد أشبع الاخ قاسم سلطان هذا الموضوع قصصاً وحكايات استمتعنا بها بقدر ما تعاطفنا معه في نفس هذا المكان, وحيث إنه قد توقف عن الحديث في ذلك مؤقتاً فسأنتهز الفرصة لأفرغ شحنة غضبي وغيظي من هذه الشركات التي هي من عالمنا الثالث طبعاً وأعلن رضاي عن شركات أخرى لا تنتمي لهذا العالم بالطبع وأحسبني والله حسيبي لست متجنياً عليها. كنت مسافراً الى واشنطن على احدى خطوط الطيران غير العربية التي تقف دون ذكر اسمها إدارة اعلاناتنا العتيدة, وقبل الوصول بحوالي ساعة وبينما كانت المضيفة تحمل صينية عليها مجموعة من أكواب عصير الليمون, ويبدو أن الارهاق قد بدأ يأخذ منها لطول الرحلة, وفي اللحظة التي كانت تمر فيها بجانب الكرسي الذي أجلس عليه إذا بها تتعثر لتقع بعض أكواب العصير على ملابسي, ولكم أن تتصوروا حجم الحرج الذي بدت عليه المضيفة وعبارات الاعتذار التي رددتها وكان يكفيني منها واحدة فقط, ثم إصرارها على أخذ معطف البدلة لتنظيفه واعادته لي رغم انه لم تبد عليه آثار العصير أبدا, وليس هذا هو الشاهد في الحكاية, فما حدث هو انها قد أحضرت لي مظروفاً به استمارة مطبوعة, وطلبت مني أخذ البدلة كلها للتنظيف الجاف فور وصولي الى الفندق, ثم ارفاق الفاتورة مع الاستمارة بعد تعبئتها ووضعها في المظروف الذي كتب عليه عنوان الشركة وايداعها اقرب صندوق بريد في اية مدينة داخل الولايات المتحدة وحتى لا اطيل عليكم فقد قمت فعلا بعمل ذلك ليس حرصا على استيفاء قيمة التنظيف منهم وقد كان مبلغا تافها لم يتجاوز العشرين دولارا وانما اختبارا لمصداقية الشركة, وما حدث هو انني عند عودتي للامارات وجدت على مكتبي مظروفا من شركة الطيران به شيك بالمبلغ مع رسالة اعتذار رقيقة كان لها ابلغ الاثر في نفسي. هذه صورة مشرفة كم نتمنى ان نراها على خطوط طيراننا العربية, ولكن ما يحدث هو العكس تماما, والادلة على ذلك كثيرة وهاك احدها: كنت مسافرا لحضور اجتماع في دولة عربية, ولم يكن هناك خط مباشر لها لظروف كانت تمر بها المنطقة في تلك الفترة, ولذلك فقد كان علي ان استبدل الطائرة في مطار دولة ثانية لأركب طائرة الخطوط الجوية التابعة للدولة التي كنت متوجها اليها, وفي مطار التغيير التقيت زميلا كان متوجها ايضا لتلك البلد للمهمة نفسها, وكان لدينا على التذكرة حجز مؤكد على الدرجة الاولى, توجهنا فور وصولنا لمطار التبديل الى (كاونتر) شركة الطيران تلك عارضين على الموظفة تذكرتينا لمنحنا بطاقتي صعود الطائرة, نظرت الموظفة في التذكرتين وبعد ان داعبت ازرار الكمبيوتر الذي امامها رفعت الينا رأسها لتقول بمنتهى البرود: آسفة لايوجد لكما حجز على الدرجة الاولى! نظر كل منا الى الآخر ثم طلبنا منها ان تدقق النظر في التذكرتين وتعيد سؤال جهازها فربما كان هناك خطأ ما بالجهاز, نفذت ما طلبناه بشيء من الضيق والتأفف ثم كررت ما قالته في المرة الاولى مضيفة انه طالما لايوجد امامها حجز على الجهاز فلا قيمة لما هو مكتوب بالتذكرة, وهنا ثارت ثائرة زميلي بينما حاولت انا الاحتفاظ بهدوئي وطلبنا مدير المحطة فوجدناه اكثر لطفا من موظفته المتجهمة لاسباب ضمنها زميلي اثناء ثورة غضبه ولم املك الا ان اوافقه عليها, المهم شرحنا للمدير الموضوع بعد ان عرفناه بانفسنا والمهمة التي نحن ذاهبون من اجلها في بلده فطلب منا الانتظار لحين صعود الطائرة ووعدنا بأنه سيتدبر الامر, انتظرنا ولم يكن بأيدينا سوى الانتظار بعد ان اقنعنا انفسنا بان هذا الموقف طبيعي بالنسبة لمن يتعامل مع شركات الطيران العربية ومثيلاتها قبل الصعود تكرر اعتذار المدير لنا ــ وقد كان هذا الاعتذار هو الحسنة الوحيدة في الرحلة ــ ثم صعد معنا الى الطائرة قبل الركاب, وبدبلوماسية وظرف ــ تبين لنا فيما بعد انه حيلة لامتصاص غضبنا ــ طلب منا الجلوس في مقاعد الدرجة السياحية على وعد بان يقوموا باستدعائنا لمقصورة الدرجة الاولى بعد صعود الركاب, صعد الجميع واستقر كل في مكانه ولم يتم استدعاؤنا, لكن المدير حرص على المرور علينا قبل اغلاق الابواب وطمأننا الى انه بعد الاقلاع مباشرة سيقوم كبير المضيفين باستدعائنا للجزء الامامي من الطائرة فسكتنا على مضض وقد تحولت الحكاية الى مأساة وملهاة نعيشها ونتفرج عليها في الوقت نفسه, ولم يعد كرسي الدرجة الاولى متعة نتطلع اليها بقدر ما اصبحنا نستمتع بما يحدث لنا, اقلعت الطائرة وبعد مدة من الاقلاع لم يعرنا احد فيها اهتماما طلبنا من المضيفة استدعاء كبير المضيفين حتى يفي بوعد مدير المحطة, بعد فترة جاءنا كبير المضيفين وقد رسم على وجهه ابتسامة كبيرة ليقول لنا وهو ينظر في ساعته: (الوقت المتبقي على الهبوط حوالي عشر دقائق, يعني الحمدلله وصلنا جميعا.. ركاب الدرجة السياحية والاولى في نفس الوقت.. ليش الزعل يا أخوان؟) !! هكذا بمنتهى البساطة حل المشكلة ووضعنا امام الامر الواقع ويا دار ما دخلك شر. الانكى من ذلك اننا علمنا بعد ان هبطت الطائرة ان حجزنا على الدرجة الاولى قد الغي نظرا لانه كان على الطائرة زملاء لنا من الدولة المالكة لها عائدين من مهمة في البلد الذي بدلنا فيه الطائرة ولم يكن لديهم حجز على الرحلة فتم منحهم حجزنا دون اخذ رأينا ولكنني يجب ان اعترف بانهم قد ابدوا لنا اعتذارهم حيث لم يعلموا بأننا نحن الذين الغيت حجوزاتنا ليستمتعوا هم برفاهية الدرجة الاولى, والا لما وافقوا على ذلك!! لن اعلق حيث لا تعليق ابلغ من السكوت, ولكنني ادعوك لان تقارن بين تصرف سائقة تاكسي في اقصى الجنوب الشرقي للولايات المتحدة مع غريب قادم من بلاد بعيدة لا تعرف عنها وعنه شيئا وتصرف مسؤولين في شركة طيران يفترض انها كبيرة مع اشخاص من جلدتهم يعرفون وظائفهم ويعلمون انهم متوجهون لمهمة رسمية في بلدهم في ظروف غير طبيعية, الاطرف من ذلك ان زميلي لم يكن لديه حجز للعودة فما كان من احد هؤلاء المسؤولين الذين استولوا على حجزنا الا ان اتصل بمدير شركة الطيران وطلب منه الغاء حجز اي راكب وحدد له جنسيته واعطاء حجزه لزميلنا وقد كان له ما اراد, أليست هذه قمة المهازل التي يمكن ان يراها الانسان ولا يملك حيالها الا ان يضع امامها الف علامة استفهام وتعجب؟! كان بودي ان اسوق لكم المزيد من الامثلة والمواقف لولا انني اخشى ان يكون ذلك على حساب الصور الجميلة التي ربما انستنا واقع حالنا, فما علينا الا التحلي بالصبر والعمل على تغيير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا ويأذن بفرج من عنده, وما ذلك على الله ببعيد.