هل يحتاج انسان اليوم الى لغة الرومانسية بعد ان تبدلت المقاييس والمعايير وتغيرت ملامح وقسمات وجه العالم, واصبح يلهث صباح مساء دون انقطاع وراء عالم لا يرى او يحس او يتكلم ؟! اختصر الاجابة وحدي نيابة عنكم جميعاً وأصرخ بأعلى صوتي كما يفعل المراهقون والعشاق احياناً فأقول: نعم بملء الفم.. فكم نحن في حاجة الى عالم يتسع لمشاغباتنا وصراخنا وجنوننا البريء, وكم نحن في حاجة اكبر الى عوالم حب تهز كياننا بعد ان ارهقتنا العوالم الصناعية بكل ما هو مزيف. لقد اصبحت العودة الى الماضي البعيد, حيث راحة البال, والبساطة, والهدوء, ومصالحة النفس, والقصص الشفيفة الحالمة, مطلباً عالمياً, قبل ان تتفرد به جماعة على اخرى, فوجدنا احياء مثيراً لكل ما هو قديم وعتيق ويعني للانسان ذكرى وذاكرة, فبدأت الروايات القديمة والقصص العاطفية والافلام الرومانسية وقصات الشعر والملابس والموضة والاكلات والامكنة المنقرضة تعود وتطل علينا من جديد وكأن تلك المعطيات الموروثة تدعونا للالتصاق بها لتحملنا ونحملها بلغة ذاك العصر وطروحاته وقيمه ومعانيه. ومثلما نقول جميعاً في امثالنا الجميلة (اللي ماله اول ما له تالي) تأتي نكهة ورائحة العشق القديم معبرة عن زمن غادرنا ونحاول الآن ان نتشبث به لعله يرأف بحالنا, فللقديم نكهة اخرى مهما حاولنا أن نستنسخها لا نستطيع. وحتى لا اقف عند كل ما هو قديم واصر على غناه واهميته اضع نقطة وأبدأ من أول السطر متعمداً لان ما اريد طرحه يتعلق بمدى حاجتنا الى الحلم والرومانسية وأهميتها لان تعود فتحرك الموات الذي نعيشه اليوم, فمنذ اكثر من خمسة عشر عاماً وحتى اليوم لم اقرأ او اسمع او اشاهد ونحن نعيش عالماً مفتوحاً لا تحده الحدود والمسافات لم اقرأ قصة عشق مثيرة انتصرت خلالها المشاعر الانسانية على تلك الحدود الصناعية التي تؤطر حياتنا اليومية. يبدو ونحن نحيا في عالم مثير يهتم بصناعة كل الاشياء اننا سنمضي الى الاعتقاد بأن الرومانسية لم تعد الا ترفاً او حكاية من حكايات الماضي البعيد او كذبة جميلة ارتدت حلة زاهية صنعتها خيالات بعض اولئك الحالمين الذين صدمهم الواقع فتعلقوا بخيوط الخيال ينسجون منها قصصاً وحكايات واشعارا. وحتى لا نضع تحت هذا الاعتقاد خطوطاً تؤكد قناعتنا به علينا ان نفسر تلك الارتدادة المثيرة لصناعة السينما نحو الافلام الرومانسية واعادة انتاجها من جديد, هل هو الافلاس في خلق قصص جديدة او تناول قضايا اجتماعية معاشة ام ان هناك هدفا معيناً يرمي اليه المنتجون؟! جميعنا يعلم ان السوق الانتاجية تعتمد على العرض والطلب, والطلب يتمثل اليوم في ضرورة العودة الى الافلام التي تعتمد على الحكاية الرومانسية ولهذا يتهافت الجميع على خلق تلك الارتدادة الحالمة. عموماً يزخر التراث الانساني بالكثير من الحكايات والقصص والمواد التي يصلح أغلبها لاعادة التوظيف في زمننا الحالي, وقد حاول الكتاب والمنتجون السينمائيون من تقريب تلك الحكايات واعادة معالجتها من جديد, ونجحوا في الكثير منها ايصال تلك اللغة الحالمة التي فقدناها في هذا الزمن اللاهث. ومن يدقق في التراث العربي على وجه الخصوص يجد تلك الغائبة, ويبحر عبر سفينة التراث الذي قلما ان جادت به حضارة سابقة او لاحقة الى عوالم شفيفة ساحرة مثيرة تلعب التجربة الانسانية فيها ادوار البطولة, فهل نبحر لنرى ونستحضر تلك المواقف. يحكى ان زوج عزة اراد ان يحج بها فسمع كثير الخبر, فقال: والله لاحجن لعلي افوز من عزة بنظرة, وبينما الناس في الطواف نظر كثير لعزة وقد مضت الى جمله فحيته ومسحت بين عينيه وقالت: حييت يا جمل, فبادر ليلحقها ففاتته فوقف على الجمل وقال: حيتك عزة بعد الحج وانصرفت

فحيّ ويحك من حياك يا جمل

لو كنت حييتها ما كنت ذا سرف

عندي ولا مسك الادلاج والعمل

فسمعه الفرزدق فتبسم وقال له: من تكون يرحمك الله, قال: انا كثير عزة فمن انت يرحمك الله, قال: انا الفرزدق بن غالب التميمي, قال: انت القائل: رحلت جمالهم بكل اسيلة

تركت فؤادي هائماً مخبولاً

لو كنت املكهم اذا لم يرحلوا

حتى أودع قلبي المتبولا

ساروا بقلبي في الحدوج وغادروا

جسمي يعالج زفرة وعويلا

قال الفرزدق نعم, فقال كثير, والله لولا اني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة أفزع بها هشام بن عبدالملك وهو على سرير ملكه, فقال الفرزدق, والله لاعرفن بذلك هشاماً ثم توادعا وافترقا, فلما وصل الفرزدق الى دمشق دخل الى هشام فعرفه بما حدث مع كثير, فقال له: اكتب اليه بالحضور عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجه اياها.. فكتب اليه بذلك, فخرج كثير يريد دمشق فلما خرج من حيه وسار قليلاً رأى غراباً على بانة وهو يفلي نفسه وريشه يتساقط فاصفر لونه, وارتاع من ذلك وجد في السير, ثم مال ليسقي راحلته من حي بني فهد وهم زجرة الطير, فبصر به شيخ من الحي فقال: يا ابن اخي أرأيت في طريقك شيئاً فراعك؟ قال نعم يا عم, رأيت غراباً يتفلى وينتف ريشه, فقال الشيخ اما الغراب فإنه اغتراب, والبانة بين, والتفلي فرقة فازداد كثير حزناً على حزنه, ومضى الى ان وصل الى دمشق ودخل من احد ابوابها فرأى الناس يصلون على جنازة فنزل وصلى معهم, فلما قضيت الصلاة صاح صائح لا اله الا الله ما اغفلك يا كثير عن هذا اليوم, فقال ما هذا اليوم يا سيدي فقال: ان هذه عزة قد فرقها الموت وهذه جنازتها فخر مغشياً عليه, فلما افاق أنشأ يقول: فما أعرف الفهدي لا در دره

وأزجر للطير لا عز ناصره

رأيت غراباً قد علا فوق بانة

ينتف اعلى ريشه ويطايره

فقال غراب اغتراب من النوى

وبانة بين من حبيب تعاشره

ثم شهق شهقة فارقت روحه الدنيا ومات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد.