قد تكون نجمة الأزياء العالمية إيمان, أقبح الجميلات اللاتي ينتمين للصومال, ففي هذا البلد جميلات, شوهت الحرب حسنهن, ولم تترك لهن فرصة للخروج إلى العالم . في مرة كعادتنا وقفنا بالقرب من البوابة الرئيسية للمعسكر. فتاة مختلفة وقفت بعيدا عن صفوف الجياع والمرضى والباعة الذين يتزاحمون على البوابة, منظرها ملفت للنظر حتى للواقفين حولها, لكن لا أحد منهم يستطيع الاقتراب منها, ثوبها الأحمر وأناقتها وسط هذه الفوضى والفقر المدقع وكذلك ملامحها الساحرة جذبت إليها عيون الجميع. زميلي المصور محمد أحمد, وجد انه أمام سبق صحفي, فأخذ يصوب لها عدسته وفي خياله انها تصلح غلاف مجلة, تركيزه الشديد في متابعتها جذب عليه فضول بقية الزملاء, وبدأت (الفلاشات) والعدسات المكبرة تتبع صاحبة الفستان الأحمر. أحد الزملاء, وقع في غرام الجميلة الصومالية, ومن أول نظرة, وذهب يسأل عنها وعن قصة أناقتها. أجابه مرشد عارف بأحوال البلد, ان هذه الجميلة هي بنت أحد الأمراء, وفكر صاحبنا ان يفاتح المرشد بعشقه ورغبته في الزواج من بنت الأمير, الا ان عقله أقنعه بغير ذلك, فأين هو هذا الأمير؟ وماذا لو كان أحد (أباطرة) الحرب, كيف سيصل إليه, وإذا وصله, فماذا سيطلب منه؟ وكيف سيمكنه الزواج من صومالية, كيف سيسافر معها إلى بلده, أو هل يعقل ان يعيش معها في الصومال؟! إنه جنون حقا, استبعد الحكاية من أصلها, وودع بنت الأمير أو هي ودعته بنظرة أخيرة وانصرفت ولم تعد في الأيام التالية, وبقي حب النظرة اليتيمة في قلب صاحبنا. خرجنا في جولة صباحية مع قوة عسكرية إلى داخل المدينة, شاهدنا جياعا يلتفون حول قافلة تابعة لقوة الامارات توزع مساعدات وأغذية, غريب انهم يتصارعون على معلبات اللحوم وأكياس الخبز, وعلى بعد خطوات من موقع القافلة, يقع ساحل البحر, نزلنا لنقترب منه, كدنا نصطاد بأيدينا من وفرة الصيد وسهولته, حتى ان مجموعة من الأطفال ملكوا ان يصطادوا سمكة أكبر من حجمهم, وبعد ان ماتت في أيديهم رموها على الساحل! الكسل جعل مجموعة كبيرة من أهالي العاصمة يجلسون يوميا في الفترة الواقعة بين انسحاب الظهيرة واقتراب العصر, في بيوت حولتها المدافع الى خرائب مثقوبة من كل الجوانب, وذلك قرب الميناء, بعضهم ينام والآخر متكئ بين الحالتين, وجميعهم منتفخ فكه, وقربه حزمة خضراء كأنها أعواد برسيم, وأعرض تشبه أوراق السلق والملوخية انه (القات) فهذا ليس من خصوصيات اليمن فقط, انه هنا كذلك, وهؤلاء ليسوا كسالى في استراحتهم هذه, انه (المقيل), اوراق القات (يخزنها) في فكه, ويده على الكلاشنكوف, وكأن الصومال, في حالها هذه, ينقصها القات! جزء من الترويج والبحث عن النسيان, وبعض من آثار الحرب والضياع في هذا البلد. ويقابل (مقيل) الرجال, حركة لا تهدأ من الأمهات, تجد الواحدة, منهن وكأنها مجموعة رجال, تحمل طفلا وتجر خلفها مجموعة, وتتحرك على أرصفة الميناء, أو قرب المعسكرات, تعمل ليأكل أطفالها, أو تطلب لهم مساعدة أو دواء. والصومال المشحون بالأوبئة والقنابل وصنوف الموت والفقر والانقسامات, ترسو على مينائه بواخر عملاقة, ماذا تعمل هنا, في هذه الدولة المسكونة بالرعب؟ انها تبحث عن الخيرات, وما أكثرها في هذه البقعة, يتحرك مركب, وفي اللحظة ذاتها تدخل سفينة أكبر. اعذاق موز خضراء, يرتد النظر دون الوصول الى منتهاها, معدة للتصدير, وتبحث عن موز الصومال في أسواقها, لاتجد ولا حتى حبة واحدة منه! انه محتكر من شركات ايطالية وأجنبية مختلفة, يزرع في الصومال ويأكله العالم في الخارج, ويبقى للصومال منه, مجرد الاسم والشهرة .. موز الصومال ألذ وأحلى موز في العالم! ... ويكفي الصومال وهي في هذا الحال, مجرد الصيت والسمعة. وفي الاستراحة المقبلة, نكمل الرحلة.