المسيرة الحضارية للاسلام لم ولن تتوقف, لان مرجعيتها في القرآن الكريم والسنة المطهرة, وكلاهما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، انا نحن نزلنا الذكر, وانا له لحافظون . ولعل أهم ما يلفت الانظار في واقعنا المعاش هو ان مرجعية القرآن والسنة لم تعد هي الاصل في تحركات الناس وافعالهم, مما جعل صورة المسلمين مشوهة, وتعتريها شروخ عديدة خاصة في نظر اعداء الاسلام. ولان هذه القضية تحتاج الى وقفة, فقد كان لنا هذا الحوار مع المفكر الاسلامي د. عبدالحليم عويس صاحب مشروع (فقه التاريخ وأزمة المسلمين الحضارية) وذلك في محاولات منا للفصل بين الحقيقة والتزييف في مسيرة الامة الاسلامية, خاصة وان د. عويس قدم ما يربو عن خمسين كتابا قيما خلال رحلته مع التاريخ والحضارة الاسلامية. في البداية كان السؤال: * بأي منظار ترى الموقع الاسلامي الراهن ومايعتريه من مصائب؟ ـ لو ان عقلا الكترونيا توفر على اجراء احصاء دقيق لتلك الملايين من الرؤوس البشرية التي انفصلت عن اجسادها في غير حرب وبلا ثمن, ولتلك الدماء التي سالت واهدرت باسم شعارات التقدمية والثورية والاشتراكية والقومية وغيرها من الشعارات... لو تم ذلك الاحصاء بالفعل لرأينا ان (الدم الاسلامي) هو ارخص الدماء في الارض خلال القرن العشرين الميلادي! واينما تمد بصرك في بقاع الارض سترى (مجرى الدم الاسلامي) المتدفق دون سبب يذكر! والغريب انه كل يوم بل كل ساعة تبرم الوثائق والمعاهدات والاتفاقات ضد العرب والمسلمين, فها هي امريكا واوروبا قد تعاونتا مع روسيا والصين في قهر كل صوت يحاول ان يبرز قضية الاقليات الاسلامية في المحافل الدولية. ومع ان القوى الصليبية قد فشلت دينيا في داخل كياناتها بحيث ان مكانة الدين قد هبطت في اوروبا وامريكا الى اسوأ الدركات, فانها قد رأت ضرورة تصدير الدين الى الخارج لكي تقف به امام زحف الاسلام خاصة في افريقيا. ولما لم يكن الدين هو هدف هذه القوى الاستعمارية فانها عندما خاب املها في ان تقف امام زحف الاسلام لم تر بأسا في ان تستورد الشيوعية, وتهادنها للوقوف امام الدين الزاحف واللغة الزاحفة! تغريب المجتمع * في نظركم ـ هل العملية التربوية ضرورة اساسية في التكوين الحضاري للامم والشعوب البشرية؟ ـ لا يمكن ان نتجاهل الدور التربوي عبر التاريخ الطويل ولابد ان تكون العملية التربوية ذات صلة بالبيئة, وتحدياتها... بل ان من اكبر مظاهر الانهيار في العالم العربي هو تغريب المجتمع وفرض مناهج تربوية غريبة عنه تماما... فقد تبلبلت اساليب التربية الصحيحة عندنا, وفقدت الجامعة الاسلامية الازهرية العريقة دورها الريادي وفرض عليها طابعا علمانيا حولها الى جامعة عادية كأية جامعة اخرى., لقد تم عبر هذا كله تحويل العالم العربي الى منطقة تجارب للعمليات التغريبية, والى منطقة فراغ تتصارع فيها كل المناهج التربوية والمذاهب الاجتماعية والافكار الشاذة التي تظهر في بعض حواري وشوارع المجتمع الاوروبي. ولم يستطع المجتمع العربي ان يرسو على حال صحيح كما انه لم يهدأ لحظة واحدة من الصراع الذي ينهك قواه ويشل حركته. وكما لم يلتئم العرب تربويا وفكريا, فإنهم لم يلتئموا عسكريا وسياسيا وعقائديا, وتحولوا الى شتات مبعثر يوالي بعضهم هذا المنهج او تلك الفكرة, ويتبع بعضهم الاخر هذه المدرسة او هذا المنهج... ووسط هذا التيه والحيرة والضياع... توالت على العرب نكبات من كل جانب ووجد اعداؤهم الحضاريون الفرص سانحة لزرع كل بذور الشقاق بينهم, ولتحويلهم الى امم بعد ان كانوا امة, والى عقائد وعناصر متصارعة بعد ان كانوا يخضعون لراية واحدة. وصدق القائل: ارني مناهج امة اخبرك: اين هي, ومن هي, وكيف هي؟ مؤتمرات ومؤتمرات * ماهو موقع المؤتمرات الاسلامية في قضية انقاذ الامة؟ وماهي الاسباب التي تحول دون هذه المؤتمرات واداء دورها الفعال؟ ـ اذا عقدنا مقارنة بين هذه المؤتمرات الاسلامية وبين المؤتمرات التي يقوم بها اليهود نجد فرقا واضحا... لان غير المسلمين من اليهود واشباههم لهم هدف واضح محدد يخضع لبروتوكولات حكماء صهيون, وانطلاقا منها نجحوا في تحقيق كل اغراضهم بدءا من انشاء الجامعة العبرية وانتهاءا بما وصلوا اليه من سيطرة على فلسطين وغيرها من الوطن العربي... وهناك الاصرار بالمال والنفس على تنفيذ هذا الهدف, وهناك وعي بتقلب الظروف العالمية واستغلال هذه الظروف احسن استغلال. وقد عقدت على امتداد الساحة الاسلامية خلال القرن الرابع عشر الهجري مؤتمرات تربو عدة مرات على تلك المؤتمرات التي عقدها اليهود خلال الفترة نفسها... ولكن النتيجة مختلفة تماما والسبب في فشل المؤتمرات الاسلامية هو ضعف الارادة والوعي, وغموض الاهداف, وافتقاد التنظيم والتخطيط البعيد المدى, وعدم فهم الاخطاء المحيطة والتقلبات العالمية. وهناك اسباب اخرى كثيرة تعوق دون فعالية المؤتمرات الاسلامية كأن تخضع هذه المؤتمرات في توجيهها الاعلى للدولة الداعية كما ان اغلب هذه المؤتمرات جزئية غير مرتبطة بخطة كلية فهذا مؤتمر للسيرة, وذلك للفقه, وثالث للاقتصاد, ورابع للمسجد, وخامس للتقارب المسيحي الاسلامي, وسادس بلا هوية واضحة ولا جدول اعمال واضح. واهم سبب وراء قصور المؤتمرات الاسلامية انها غير ملزمة من ناحية قراراتها وتوصياتها لا للحكومات ولا للمؤسسات ذات الشأن... المهم هنا اقتراح اعادة النظر في الطريق الذي تسير فيه المؤتمرات الاسلامية بحيث يجب الاقتراب بقدر الاستطاعة من الواقع المحيط بالمسلمين, بدلا من الاستغراق في عموميات وجدليات نظرية, حتى يتحقق بعض التقدم للامة الاسلامية التي تعاني من ازمة حضارية كبرى. عروبة وإسلام * هل ترى ان هناك تعارضا بين العروبة والاسلام, وماهو التعامل الامثل مع هذه المعادلة؟ ـ العروبة قومية ونحن نرفض ان تكون القومية بديلا عن الاسلام بل نؤمن بان الولاء للقومية بهذا المفهوم يتعارض مع التصور الاسلامي الصحيح, فالدين الاسلامي هو دين ودولة وحضارة دون انفصام. وفي الوقت نفسه نحترم (العروبة) نعتبرها جزءا من ديننا ورسالتنا واطارا كريما لشعائر ديننا وكتاب الله والعرب ايضا اعزاء على الاسلام فهم عز, وعلى اكتفاهم حمل الى افاق الارض باعتباره رسالة عالمية وليس دينا قوميا كما يفتري النصاري والعلمانيون. اما العروبة فهي روح وعاطفة وتفكير عربي وانتماء عربي ودائما كان وسيظل القرآن الكريم يمثل اللغة والثقافة المشتركة بين العناصر العربية... ومن هنا حاول الاستعمار ابعاد العرب عن هذه الراية الثقافية والمنهج الحضاري العالمي الفذ. وعلى امتداد اربعة عشر قرنا استطاع القرآن ان يخلق تراثا هائلا سيطرت روحه على العالم كله ردحا من الزمان واعطى الامة الاسلامية والعربية وقودها الحضاري وفكرها المتميز وتدلنا تجربة اليهود على ان التوراة هي التي حفظت اليهود بالرغم من التشتت الهائل وهذا معنى قول احد كبارهم (ان اليهود لم يحفظوا التوراة, وانما التوراة هي التي حفظت اليهود) ونحن كذلك بالعروبة القرآنية سنؤدي دورنا الحضاري بين الامم كما ان الاسلام سيظل دينا وارفا كذلك العروبة هي وعاء الاسلام الحضاري. فوضى الفهم * الا تتفق معي في ان هناك فوضى في فهم الاسلام الصحيح وتفسيرات متعددة له وجميع هذه التفسيرات والتأويلات اضرت بوحدة الاسلام؟ ـ نعم... ولذا ارى انه من العبث ان نناقش اعداء الاسلام او ان نشغل انفسنا بالرد عليهم قبل ان نحسن نحن المسلمين فهم الاسلام كما انه من سوء التخطيط (ان ندعو الناس الى دين نحن لا نمثله التمثيل الصحيح, لان تأثيرنا سيكون محدودا للغاية ان لم يكن معاكسا, وكثير من الذين دخلوا في الاسلام حمدوا الله على انهم دخلوه قبل ان يعرفوا المسلمين!! وادعو جميع المخلصين لهذا الدين ان يعيدوا فهم المسلمين للاسلام وحقيقته الصالحة و ان يقضوا على فوضى الفهم للاسلام في العالم الاسلامي.