الناس معادن تصقل بالتجارب .. وصاحب المعدن الأصيل من البشر هو الذي تمنحه أيام الشقاء صلابة, وتجعله أيام الرخاء قريبا من كل من يعاني.وللناس في حياتهم فلسفات تفرضها تراكمات الخبرة بالحياة دون أن ترتبط بما يحملون من شهادات, وفلسفة ضيف في هذه الحلقة تقوم على ان الاخوة ليست شعارا نرفعه عندما تحيط بنا الأزمات وننساه عندما نخرج منها بسلام .. وهو يجسد في حياته عبارة تقول: (ما استحق الحياة من عاش لنفسه فقط) ولديه القناعة بأنه لا يستحق أن يولد من لا يعرف حق اخوانه في الدين والوطن فهم شركاؤه في الحياة مهما تباعدت المسافات أو تضاءلت العلاقات. عندما التقينا الوالد محمد علي أحمد القواضي في منزله بمدينة خورفكان كان قد عاد لتوه من الهند بعد ان شارك في أول صلاة تقام بالمسجد الذي أقامه على نفقته الخاصة في احدى قرى ولاية (مدراس) وعن زيارته يقول: سافرت الأسبوع الماضي الى الهند بعد ان دعاني المشرف على بناء مسجد قرية (كريكل) لافتتاحه والمشاركة في أول صلاة فيه, ولبيت الدعوة على الفور وشعور الفرح يظلل حياتي بعد أن وفقني الله عز وجل في الوفاء لأبي وأمي اللذين رحلا عن الحياة وعشت بعدهما أتمنى أن أقوم بعمل ينتفع به الناس ويبقى في الوقت نفسه دليلا على وفائي لهما وحرصي على رد جميلهما حتى بعد ان واراهما الثرى فأقمت مسجدين أولهما في دولة (غانا) والثاني في الهند. وحول حكاية مسجد (كريكل) يقول: لي صديق من أبناء ولاية (مدراس) الهندية ومنه علمت أن سكان هذه القرية وعددهم ألف نسمة هم من المسلمين الباحثين عن مكان يعلمون فيه أبناءهم كتاب الله ويؤدون فيه صلاتهم ويعقدون فيه لقاءاتهم التي تعزز روابطهم وتزيدهم علما وتمسكا بدينهم, وهنا وجدت ان الفرصة متاحة أمامي للاسهام في تحقيق رغبة تأصلت في نفسي منذ سنوات بأن أكون واحدا ممن يعملون على اعمار بيوت الله فهو الواهب والمنعم لكل ما نعيشه من رخاء, وقد تذكرت أيامنا الماضية في زمن المعاناة وكيف كنا نتمنى ان نجد مسجدا نصلي فيه واماما يؤمنا في كل صلاة, لقد تحرك فينا حب العطاء للآخرين عندما أنعم الله علينا بعصر الرخاء. ويواصل الوالد كلامه: وجدت نفسي بتوفيق من الله وعونه أسعى لتنفيذ مشروع المسجد الذي انتهى بناؤه قبل أيام, والذي شاركت بنفسي في أول صلاة تقام فيه حيث كان لقائي الأول بأهالي (كريكل) المسلمين البسطاء الذين احتفلوا بافتتاح المسجد احتفالا يصعب وصفه, مما جعلني أعيش لحظات نادرة من الفرح والخشوع نزلت فيها الدموع غزيرة لتكون بردا وسلاما على النفس الشاكرة لله على نعمه وتوفيقه. ويضيف لو كان الأمر بيدي وامتلكت القدرة لسعيت الى بناء مسجد في كل بقعة اسلامية تحتاج اليه لكني والحمد لله أجد عزائي عن قصور امكانياتي في تلك الأعمال الكبيرة والكثيرة التي يقوم بها قادتنا وحكامنا أطال الله أعمارهم لصالح المسلمين في كل مكان وايضا فيما يقوم به ابناء الامارات من أعمال انسانية وخيرية اقتداء بقادتنا الأبرار, وتأكيدا لرسالة الاسلام. نصف العمر في البحر وينطلق بنا الوالد محمد الى عمق الذكريات فيمضي كبحار ماهر ليفرد شراع مركبه باحثا عن مرافئ الحكايات, فيقول: انا ابن البحر الذي تقع على شاطئه مدينتي ذات التاريخ البعيد في الأسفار, وان كنت حاليا بحارا متقاعدا يواصل رحلة الأيام على البر بعد 35 عاما هي نصف العمر قضيتها فوق سطح الماء متنقلا بين موانئ الخليج والهند وافريقيا في رحلة بدأتها عندما كنت في سن الثامنة عشرة على ظهر محمل (الفلاحي) الذي كان يمكله ابراهيم عيسى أحد أبناء خورفكان. ويضيف: كان الميناء الأول لمحملنا الشراعي في البحرين عندما توقفنا لبيع الحطب الذي اشتريناه من الامارات وعمان وكنا نبيعه وقتها بالكارة التي تزن 40 منها (160 كيلو جراما) ونقبض عن كل (كاره) 120 روبية, وكان محملنا في كل مرة حوالي 20 ألف كاره يتم بيعها بالكامل ليقوم (النوخذا) بعدها بخصم ثمن الحطب وتوزيع صافي المبلغ على جميع البحارة العاملين فوق المحمل بالتساوي, وفي العادة كان هذا المبلغ يصل الى خمسة آلاف روبية يتقاسمها 15 بحارا دون أن يجور أحد على الآخر, ومن الطريف اننا كنا نقوم بحساب حصصنا بحبات القهوة لأنه لم يكن بيننا من يعرف الكتابة ولم تكن الآلات الحاسبة قد انتشرت بعد. الرجال في الشدائد ومن الفلاحي الى (البوم ظبيان) المركب الشراعي الذي انتقل اليه محمد القواضي بعد ستة سنوات من العمل في البحر حيث وجد نفسه في (مقديشو) بالصومال عقب رحلة ضيع فيها طريقه, وعنها يقول القواضي: كنا في طريقنا من الهند محملين ببضائع لتوصيلها لتاجر في (ممباسا) بكينيا, لكن العواصف الشديدة غيرت مسار مركبنا الشراعي فضاع منا الطريق الصحيح وأمضينا على هذه الحال 15 يوما حتى نفدت مواد الاعاشة والمياه بالكامل وأشرفنا على الموت بينما نقاوم بكل عناد في محاولة للاقتراب من اليابسة لكن دون جدوى, ولأن الرجال تظهر معادنهم في الشدائد فقد كنا جميعا على قلب رجل واحد, ونتمسك بالمحمل دون خلال في الرأي حتى رزقنا الله بباخرة كبيرة قادمة من سيلان (سريلانكا) لمحنا قبطانها ونحن نقاوم العواصف فاقترب منا, وعندما عرضنا عليه الانتقال الى باخرته لانقاذنا, أقنعنا بالبقاء في محملنا حرصا على البضاعة التي نحملها وحتى لا نخسر الكثير بعد هذه المعاناة, وبالفعل بقينا على ظهر المحمل بعد أن زودنا القبطان بالعيش والطحين والسكر والماء والقهوة وأرشدنا الى الطريق بعد ان أوضح لنا اننا قرب مقديشو الصومالية وعلينا أن نتجه اليها فورا وهذا ما فعلناه, وبعد وصولنا للميناء أنزلنا بضاعة التاجر الكيني الذي جاء وتسلمها لكنه للأسف راوغنا ولم يمنحنا أجرة النقل. الراحة بين الأهل ومن ميناء إلى ميناء يأخذنا الوالد محمد الى البصرة التي يقول عنها: كانت ميناء رئيسيا في كل رحلاتنا حيث نحمل البضائع منها الى الهند في رحلات مستمرة طوال العام لم نكن نتوقف عنها إلا في فصل الصيف الذي نقضيه بين أهلنا في خورفكان وكانت تلك الأيام من أسعد الأوقات بعد غياب طويل لعدة شهور, وكان عادة الأهل الانتظار على الشاطئ لاستقبال المحمل بالأهازيج والرزيف في مشهد يبقى في الأذهان طوال فترة الغربة. ويضيف وكنا بالطبع نعود محملين بالهدايا من الأقمشة والذهب وكذلك بحصيلة العمل طوال العام والتي تبلغ في بعض الأحيان حوالي 500 روبية كانت ثروة توفر للأسرة حياة طيبة باقي شهور السنة التي نعاني فيها جهدا واغترابا واشتياقا للأهل والأرض. مدينتي ... نجمة ومرفأ ويسترجع لحظة العودة إلى المرفأ الآمن (خورفكان) حيث الأهل والأصحاب فيقول: كنا جميعا نرنو من بعيد إلى الشاطئ وقلوبنا معلقة على الأرض التي يقف عليها الأهل, وكانت (خورفكان) عندي ولا تزال هي نجمة الساحل التي ترشدنا إلى موقعها من بعيد, وهي أيضا مرفأ العمر في كل الأوقات وفي كل ظروف العسر واليسر, وها نحن الآن نحيا في رخاء ونسعد بالأبناء والأحفاد وندعوهم لمواصلة العطاء. ويضيف لقد تزوجت في سن العشرين من أم أبنائي بارك الله فيها التي أنجبت لي ولدين وبنتين ثلاثة منهم من التربويين القدامى والرابع يعمل في وزارة التخطيط, وقد أنجبوا بدورهم أكثر من عشرين حفيدا بعضهم الآن في سن الزواج, وعلى ذكر الزواج فإني اكتفيت بزوجة وحداة كانت ولا تزال رفيقة كل الأيام في الصعب والسهل. التجارة على البر ماذا بعد تقاعد البحار واعتزاله للمراكب والشراع؟! يجيب الوالد محمد القواضي في ابتسامة تحمل معنى الرضا: إلى البر يعود البحار مهما أوغل في عرض البحر, فهنا الدار وهنا الأهل, وقد فعلت ذلك قبل قيام الدولة بعشر سنوات عندما افتتحت دكانا في مدينتي لأبيع فيه لوزام المعيشة من طحين وسكر وبذار وتمر وقهوة ودبس وشاي وشعرية والأخيرة كنا نبيع الكرتونة منها بأقل من 12 روبية. ويواصل حديثه عن الدكان قائلا: كان موقعه على الشاطئ قرب موقع بلدية خورفكان الآن حيث كان الأهالي يقيمون هناك في التجمع السكاني الوحيد الذي عرفته المنطقة حينذاك, وكانت البيوت متواضعة والناس بسطاء لكن الحياة طيبة والعلاقات جيدة, واستمر الدكان قائما حتى أصابني الملل بعد أن دخلت الهواتف حياتنا فقللت من أرباحنا رغم الجهد الكبير الذي نبذله في التجارة بين دبي وصحار. وحول السؤال بالهاتف عن أسعار هذه البضائع ومن ثم تخفيض الأسعار دون النظر إلى المشاق التي تحملناها في جلب هذه البضاعة. المقاولات واعمار البلاد من البحر إلى البر انتقال عادي وطبيعي في حياة البشر... ومن التجارة إلى المقاولات نقلة غير عادية في حياة الوالد محمد... هذا ما تقوله حكايته عن تركه التجارة للعمل في انشاء البيوت والمدارس والمقاعد. ويقول في السنوات الأولى لقيام دولة الاتحاد أصدر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (طيب الله ثراه) أوامره باعمار البلاد وقال ابنوا في كل مكان, وأعطى الشركات التي تعمل في المقاولات عددا من مشروعات البناء, وكنا وقتها قد أنشأنا أنا وأخي عبدالله وشريكه علي محمد صالح أول شركة للمقاولات في خورفكان, وحصلنا على مشروع لبناء عدد من المساكن الشعبية للمواطنين, وتتابعت بعد ذلك حركة العمران عندما قام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة بوضع خطة تعمير للمدينة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن من عمران وجمال وحسن تنسيق. ويواصل قائلا: لقد بنت شركتنا حوالي 200 مسكن و8 مساجد و8 مدارس أشعر الآن انها ثمرة طيبة من ثمار عصر الرخاء الذي نحياه في عزة ونعيشه في يسر, وهو قول مؤكد لانه من شاهد عصر. ويضيف وشعوري الآن عندما أطوف بالمدينة وأرى مساجدها ومدارسها يجعلني أعيش حالة من الفخر عندما أقارن بين حالنا في الماضي وحالنا الآن, فزمان لم يكن هناك تعليم إلا عند المطوع الذي يعلم أطفالنا مقابل 100 روبية في السنة تعليما بسيطا لا يواكب العصر, أما الآن فإن الأوضاع جيدة في كل مجالات الحياة. نصائح للأجيال وينصح الوالد محمد القواضي أبناء الجيل الحاضر بأن يركزوا في حياتهم على ثلاثة أمور هامة: أولا: التمسك بالدين, وثانيا: الاهتمام بالعلم. وثالثا: الالتزام برد الجميل للأبوين والوطن ففي ذلك أسمى معاني النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة. نقاط مضيئة أمنية غالية: أتمنى أن يمتد بي العمر وأن يهبني الله عز وجل القدرة لأقيم مركزا للتدريب المهني لمواطني مدينتي خورفكان. أغلى المشاعر: أن يتحلى الإنسان بصفاء النية وأن يبقى القلب طاهرا عامرا بالخير وحب الناس. الأبوة الحقيقية: أن تعتبر نفسك أبا للجميع ترعاهم بكل اهتمام وتعمل على اسعادهم كلما استطعت ومهما كلفك من جهد, إن المتعة الحقيقية لدي الآن أن يشعر أبناء أخي المتوفى رحمه الله بأبوتي الصادقة لهم وأنا أحمل مسؤولية تعليمهم وتربيتهم بل والتفكير في تزويجهم إنها رسالة سامية لا يمكن التنازل عنها أو اهمالها. أشياء في الذاكرة: لا تفارقني قوائم أسعار زمان عندما كان سعر طاقة القماش الممتاز لا يزيد عن عشر روبيات وكسوة العائلة كلها لا تزيد عن مائة روبية في السنة. أما منّ القهوة فكان بثمانية دراهم وجراب التمر (10 كيلو جرامات) بخمسة دراهم وكيس العيش 30 روبية. هذه الأسعار لا تفارقني لكني لا أستطيع أن أدخل في مقارنة مع أسعار الزمن الحالي. حوار : محمود علام