الاثنين: شخصية القرن، مازال طه حسين يثير الجدل, ومازال دوره فاعلا في حياتنا الثقافية, ذلك أن ماتصدى له ــ كثير منه ــ مازال قائما. هذا مابدا واضحا في الاحتفالية الناجحة التي نظمها المجلس الأعلى للثقافة الاسبوع الماضي, وقد جاءت رفيعة المستوى بالتمثيل المصري والعربي, والمشاركة النشطة من القاعة, ولعل الجلسة التي رأسها الدكتور محمد الرميحي , المثقف العربي الكويتي اللامع, كانت من اكثر حلقات النقاش اثارة, شارك فيها من السعودية الدكتور عبد الله الغذامي, وهو واحد من أعمق النقاد العرب تأثيرا في الثقافة العربية المعاصرة, والدكتور مصطفى فهمي من مصر وهو الحجة في مجاله, ونائب بطريرك الكاثوليك في مصر وقد شارك ببحث رصين حول تأثير الثقافة الفرنسية على طه حسين. حول علاقة طه حسين بالثقافة الاوروبية عامة, والفرنسية خاصة من ناحية وعلاقته بالثقافة العربية من ناحية اخرى, جرى الحوار والنقاش واستمر في الندوة العامة, وفي الجلسات الخاصة. والحقيقة ان طه حسين لم يكن مثقفا عاديا, ولم يكن مجرد شخصية قوية احدث ظهورها هزة في طرائق التفكير والرؤية. إنما كان دورا فاعلا على كل المستويات السياسية والاجتماعية, اما عن التكوين الثقافي. فلم يكن ذا صلة احادية الجانب. كانت علاقته بالثقافة الفرنسية قوية, ولكنها ليست علاقة تبعية, انما علاقة خلاقة, فاعلة, وكان يمد البصر الى بعيد والى قريب, كتب في مقدمته لديوان حافظ الشيرازي الذي ترجمه تلميذه الدكتور امين الشواربي عن الفارسية, ان النظر يجب ان يتجه الى الشرق, الى ايران وتركيا والهند, بحيث نتعرف على آدابهم مباشرة, بدون وساطة, من اجل هذا أسس طه قسما للغات الشرقية, وفي نفس الوقت اسس قسما للغة اليونانية واللاتينية. لكن فاته ان يؤسس قسما للغة المصرية القديمة, والتي كان يجب ان تكون موجودة في الجامعة المصرية. لقد قرأت مؤخرا كتابه (مستقبل الثقافة المصرية) ويبدو كأنه مكتوب اليوم, نفس القضايا, نفس الرؤى, لذلك نرشح طه حسين ليكون شخصية القرن العشرين الثقافية في مصر والعالم العربي, ولسوف يمتد دوره وتأثيره الى القرن المقبل. الجمعة: ضمور الأمثال منذ زمن بعيد لم أسمع هذه العبارة (على رأي المثل...) عبارة كانت تتخلل احاديثنا وحواراتنا اليومية, يعقبها ذكر احد الامثلة المتوارثة, والتي تعكس في مجموعها خبرة هائلة متوارثة من الازمنة السحيقة يحتفظ الناس فيها بتجاربهم ومخزون ذكرياتهم والدروس المستخلصة من حياتهم, ليست الامثلة الا وسيلة تحفظ بها الشعوب ذاكرتها, وخصوصيتها, وقيمها, انها عنصر ثقافي ايجابي فعال, وكثيرا ما كنت أصغي إلى محدث لي ممن اعرفهم. من قريتي في الصعيد, أو من احدى حارات الجمالية, وارصد معجبا تدفق هذا الكم من الامثال التي لم اقرأ نصوصها في كتب, ولم اسمع مثلها في اي ادب شعبي آخر, رغم تعدد كتب الامثال التي جمعت قدرا كبيرا منها, بدءا من كتاب احمد تيمور باشا, وحتى كتاب ابراهيم شعلان, وكتاب الدكتور سيد عويس الذي صدر في كتاب اليوم. لماذا ضمرت الأمثال, واندثر معظمها؟ هل الوسائل الحديثة للتأثير لها دور؟ مثل التلفزيون الذي يحول الناس خاصة في الريف الى مجرد متلقين, عندما يجلسون محملقين, يتابعون مايلقى عليهم لا غير اي مجال اذن لضرب الامثال؟ ام انه تقطع الحوار بين الناس, ام انعزالي الى حد ما خلال السنوات الاخيرة واتجاهي اكثر الى الحوار مع الذات, الى استبطان داخلي في تأمل طويل عميق, وبالتالي تنتفي الحاجة الى ضرب الامثال, حيث لايضرب المثل الا من خلال حوار فعال, قوي. الحق انني لا اقف على إجابة جاهزة, وانما اجتهد في ايجاد تفسير, لعلني اقف على الاسباب, وكثيرا ما اقول ان طرح التساؤلات يتضمن احيانا شروحا مقنعة أكثر من الاجابات ذاتها. وحتى يتم الوقوف على الاسباب ادعو الباحثين الى تسجيل اقصى قدر ممكن من الامثال الشعبية قبل اندثارها. كما ادعوهم ايضا الى تأمل ظاهرة انحسار الاستشهاد بالامثال الشعبية في حوارات المصريين اليومية وأسباب غيابها وهل يعني ذلك ــ اذا صح ــ بدء فقدان الذاكرة الجماعية الخاصة للمصريين؟ السبت: مصير الكون سيحدث هذا يوما ما, طال الزمن أم قصر, ويقدر العلماء بدء تلك الاحداث المهولة بعد خمسة مليارات من السنوات, تستنفد الشمس وقودها الهيدروجيني من قلبها المركزي, ويبدأ انهيارها, تتجه تفاعلاتها الى الخارج.. تتحول من قرص أصفر الى أحمر, وتتمدد, في البدء يتبخر ثلج القطبين, ثم مياه المحيطات والبحار والانهار, والغلاف الجوي, وتمطر السماء مطرا ساخنا, ثم يزداد تمدد الشمس وتلتهم كواكب المجموعة الشمسية كلها, ثم يبدأ التقلص ويتم هذا في حوالي مليار سنة اخرى. اذن.. يوما ما لن تشرق الشمس من موضعها, سيكون ذلك بعد هذه المليارات الخمسة من السنين, مالم تحدث مفاجآت من الطبيعة, فأرضنا تلك تشبه سفينة فضاء, تدور حول الشمس, والشمس تسحب كواكبها لتدور حول المجرة كل مائتي مليون سنة مرة. والفضاء الذي نسافر فيه مليء بالاخطار هذا هو موضوع الكتاب الجديد (النهاية) الذي ظهر بالانجليزية للعالم فرانك كلوز وترجمه الدكتور مصطفى فهمي, صدر بداية هذا الشهر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية.. الكتاب حديث الصدور في انجلترا, وهذا مهم جدا في المؤلفات العلمية حيث تضاف نتائج جديدة كل يوم, في نفس الشهر صدر للدكتور مصطفى فهمي كتاب اخر عن المجمع الثقافي بالامارات العربية المتحدة, عنوانه (حافة العلم) لريتشارد موريس, يتناول فيه الحدود الفاصلة بين العلم والميتافيزيقيا, وقد يبدو هذا غريبا, مثيرا, لكن هناك ابحاث علمية هامة تتناول الآن وجود اكوان اخرى. ومواد لايمكن رؤيتها, باختصار قد يكون هناك واقع آخر مواز لهذا الواقع الذي نعيشه وندركه بحواسنا. كتابان هامان يسدان فراغا هائلا في المكتبة العربية, فما أقل الكتب العلمية المترجمة, اما المؤلفة فتكاد تكون منعدمة, والمترجم اعرفه منذ سنوات وهو طبيب, وصل الى اعلى الدرجات العلمية, وخدم في صفوف القوات المسلحة وهو رجل شديد التواضع, يقوم برسالة جليلة, نقل تلك المؤلفات الصعبة الى اللغة العربية, وقد ترجم من قبل كتاب هوبكنز عن الزمن, وعمارة الفقراء لحسن حنفي الذي صدر عن دار أخبار اليوم منذ سنوات. مثل هذا الجهد يستحق التحية, ومثل هذه المؤلفات تثري الوجدان, والتفكير, وتدفع الانسان الى تقليب النظر في أحواله, واحوال الكون الذي يمضي الى فناء. من ديوان العرب أشبهك الغصن في خصال القد واللين والتثني لكن تجنيك ما حكاه الغصن يُجنى, وانت تجني المصدر: المقفى الكبير للمقريزي جزء اول