اخيرا.. وفى الخمسين من عمرها استطاعت زينب اوامري ان تحقق حلمها الكبير الذى كان يراودها وهي طفلة تتطلع بانبهار الى سائق (البوسطة) الذي يسعى الجميع للتقرب منه ويعتبر محظيا من يجلس الى جواره . تتذكر زينب, اول سورية تقود ميكروباصا يشق شوارع دمشق: كنت احلم ان اطلق (الزمور) على الكوع وان اجوب الشوارع طيلة النهار اتصفح الوجوه واتنفس الحرية. من اجل هذا الحلم باعت زينب بيتا وشاليه.. لتشتري ميكروباصا عموميا يكون مملكتها الخاصة التى تطل منها على دمشق. عملت زينب ستة عشر عاما رئيسة لقسم الاشعة فى احد المستشفيات الحكومية فى دمشق كانت خلالها موظفة نشيطة لكن الحلم ظل يلاحقها. تقول زينب مفاخرة (لم اكن اصور المرضى فقط ولاننى لم اكن اخاف كانوا يعهدون الي بصور الاشعة الخاصة بالطب الشرعي لاناس مضى على موتهم اسابيع) لتأكيد اسباب الوفاة. في 1980 كانت الخطوة الاولى باتجاه الحلم.. مع رخصة السوق العمومية وكان على زينب ان تتخذ (القرار الكبير) . تضيف زينب (كان القرار فعلا كبيرا وصعبا فليس من السهل ان يستغني الانسان عن مورد ثابت كالوظيفة كما ان توفير ثمن الباص لم يكن سهلا. لم يكن امامي سوى ان ابيع البيت الذى ورثته والشاليه الى كنت اشتريتها) . المركبة الاولى كانت سيارة تاكسي وكانت الاشهر طوال السنوات الخمس التى جلست زينب خلف مقودها فى شوارع دمشق وساحاتها.. رجال الشرطة كلهم يعرفونها وكذلك رواد السوق. لكن حلم (البوسطة) ظل يلاحق زينب وكان لا بد من قرار اخر. تقول زينب (عندما اتخذت قرار الميكروباص احسست ان حملا كبيرا ازيح عن كاهلي. انهيت الاجراءات بسرعة هائلة واشتريت الباص بالتقسيط رغم كل النصائح المحذرة التى انهالت علي) . اليوم الاول على الباص محفور فى ذاكرة زينب.. لن تنساه ابدا. وتؤكد زينب (لن انسى ما حييت علامات الدهشة على وجوه الناس وهم يحدقون بهذه المرأة التى سرعان ما وصفوها بأخت الرجال) . عملت زينب ولا تزال على جميع الخطوط وباتت جزءا من المنظر اليومي لرجال المرور والزملاء من السائقين في دمشق وفى المصايف ايضا. الى ذلك فزينب عازبة لم تتزوج رغم كثرة العرسان الذين خطبوا ودها, لان (الحرية اغلى ما فى هذه الدنيا) . تحت شرب المته كما تقول ومن بين الذكريات التى لا تفارقها ذكرى مؤلمة تستعيدها زينب دون مرارة ( هل تصدق انني لم اجد ما يفش خلقي عندما حجز احد رجال الشرطة الباص سوى عض الشرطي, لكنه لفرط ما بكيت سامحني) . حتى الان لم تسجل زينب اى حادث سير وهى تصلى لكي (يبعد الله عنها اولاد الحرام) . هاجسها الوحيد بعد ان توفيت امها (ان ارد الجميل الى خالتى واولاد خالتى الذين اسكن معهم) وحلمها المقبل (باص بولمان) .