عندما استرجع الآن بعد كل هذه السنوات من الصحبة, الاسس التي قامت عليها مجلة (العربي) والتي حملتها معها عبر مسيرتها التي تستهل عقدها الخامس , أجد ان قوة تأثير هذه المجلة والاتساع المتزايد لدوائر قرائها والثقة الكاملة في مضمونها انما ترجع جميعها الى صلابة هذه الاسس اولا, والى ما انطوت عليه من امكانات التطوير ثانيا. والى اخلاص رؤساء تحرير متميزين تعاقبوا على المجلة, لم يفارقهم الايمان برسالتها ورغبة الاضافة الى مكوناتها التحريرية, ولذلك كانت لكل منهم بصمته المتميزة التي حافظت على المبادىء العامة وأبرزت الملامح المائزة الخاصة لكل منهم في الوقت نفسه. ولا أريد أن اتحدث عن رؤساء تحرير (العربي) او عن سياساتهم المتجاوبة في وحدة التنوع او تنوع الوحدة, فلم اقصد الى ذلك في تخطيط هذه الخواطر المرسلة حسبي القول ان كل واحد منهم يحتل مكانة متميزة في الثقافة العربية, وينطلق من مجال معرفي مغاير, اضاف الى المجلة ما صنع لها صيغتها المتفردة بين المجلات الموازية, ولا اقول المناظرة او المماثلة. والمؤكد ان التخصص العلمي للدكتور احمد زكي والثقافة الموسوعية التي لم تفارق وعيه القومي قد مكنت هذا الرائد من ارساء قواعد ثابتة للبناء, قواعد اضاف اليها احمد بهاء الدين من حيوية الصحفي ونزاهة المفكر القومي ورحابة افق المثقف التقدمي ما اتاح للمجلة خوض مجالات اوسع لزمن كان قد أخذ في التغير بالفعل. ولا شك ان خلفية محمد الرميحي الاكاديمية التي اورثته نزعته العقلانية في التحليل, وثقافته العصرية التي تلاحق تسارع ايقاع متغيرات المعرفة الكونية دون ان تتخلى عن ثوابتها القومية, واحساسه العملي بمتغيرات الزمان والمكان, كل ذلك اضاف الى (العربي) ما تواصل به طريقها اليوم معتمدة على ثوابت البداية الراسخة لاحمد زكي وحيوية الاداء الثقافي لاحمد بهاء الدين, هكذا تمضي (العربي) اليوم في طريقها الواعد, مدركة ان زمنا جديدا يحل محل زمن قديم وان عالما بأكمله من القيم والاحلام قد ترك مكانه ليحتله عالم مغاير في قيمه واحلامه وحتى كوابيسه. ولكن هل كانت (العربي) بعيدة عن وعي المتغيرات يوما من ايامها؟ ان اعدادها المتتابعة عبر اربعين سنة بل اعدادها التي توقفت في سنوات المحنة القريبة, كلها شاهد على انها اصبحت منذ البداية مرآة لتحولات زمنها العربي في كل مستوياته, حتى المستويات السياسية المباشرة التي ظلت (العربي) حريصة على عدم الخوض في رمالها المتحركة, ويؤكد التصفح اليقظ لهذه الاعداد ثبات هذه المجلة ـ المرآة على تصوير العالم الذي يحيط بها في توجهاته وحركاته وتياراته, وفي الوقت نفسه تغير مشاهد وقائع هذا العالم المنعكسة على صفحات المجلة. تأمل ــ أولا ــ نبرة التفاؤل القومي التي كانت تغلب على خطاب المجلة في سنواتها الاولى, واسأل نفسك اين ذهبت هذه النبرة؟ وتأمل ــ ثانيا ــ مقالات تنظير وتأصيل القومية العربية والوحدة العربية التي ظلت تتكرر في السنوات الاولى وابحث عن نظير لها او شبيه في السنوات الاخيرة من العربي؟ ولنترك السياسة واحاديثها ولنتحدث عن الآداب والفنون وليتأمل القارىء المنشور من قصائد الشعر الحر في مجلة (العربي) الى نهاية سنة 1960 على الاقل, حيث لا يوجد الا الشعر العمودي وحده في الاغلب الاعم, كما لو كان الشعر الحر لم يتصدر المشهد الشعري بعد, ذلك على الرغم من ان الخمسينيات قد شهدت نشر الدواوين الاولى التأسيسية لكل من نازك الملائكة, والسياب, والبياتي, وادونيس, وصلاح عبدالصبور, واحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهم. ويبدو ان ذوق احمد زكي الاقرب الى المحافظة الفنية كان المسؤول عن ذلك. تأمل هذا الموقف مثلا وقارنه بما تنشره (العربي) من شعر اليوم حيث نسبة الشعر الحر تتغلب على نسبة الشعر العمودي الذي كاد يختفي من صفحات المجلة لانه كاد يختفي من الحضور المؤثر في الواقع المتغير الذي تستجيب له اعداد المجلة, وقارن بين اهتمام المجلة بالشعر واهتمامها بالقص, فضلا عما كتبه رئيس تحريرها نفسه عن تصدر القصة للمشهد الابداعي الادبي. وبعيدا عن الشعر والقصة تأمل ــ رابعا ــ ما كتبه زكي طليمات عن التطور الرائع في التمثيل العربي, وصور زبيدة ثروت الطالبة بجامعة الاسكندرية, خصوصا وهي راكبة الدراجة وابحث لهذه الصور عن مثيل ولمقالة زكي طليمات المفعمة بفرحة الامل, عن نظير في سنوات (العربي) الاخيرة وتأمل ــ اخيرا ـ الاستطلاع الصحفي المصور عن مدينة دمشق في العدد الخامس (ابريل 1959) وما جاء فيه عن المرأة السورية, حيث تقول الكاتبة القصصية الفة ادلبي عن حتمية اختفاء الحجاب: انها مسألة وقت فقط... فإن الرجل لن يزيل الحجاب عن وجه المرأة, بل ان تطور المرأة وتعليمها هو الذي سيرفعه. اني اعرف كثيرات من الفتيات يضعن الحجاب اكراما لوالديهن لان الاسرة لم تتطور كلها, ولكن الجيل سائر الى انهاء هذه الحالة قريبا. لقد نشرت (العربي) هذه النبوءة الواثقة من الزمن الآتي في شهر ابريل سنة ,1959 بعد شهر واحد من انسحاب العراق من حلف بغداد, وبعد انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو, وقد مر على النبوءة اربعون عاما بالتمام والكمال ولم يأت الزمن القريب الذي اشارت اليه الى يومنا هذا, ولم يتحقق سوى نقيض النبوءة على وجه التحديد. ولا اريد ان اقدم الكثير من الامثلة, فالواقع السياسي الثقافي الاجتماعي الذي بدأت منه مجلة (العربي) في ديسمبر سنة 1958 غير الواقع السياسي الثقافي الاجتماعي الذي نعيشه هذه الاعوام بمتغيراته الدولية الحاسمة, والافق العربي المفتوح كالحلم الذي تولدت منه مجلة (العربي) تحول الى مدار مغلق كالكابوس, ولم يكن من المصادفة ان يتصاعد هذا المناخ مع التصاعد المستمر للسلسلة المتصلة من تقلص مساحات الديمقراطية وتهديد المجتمع المدني وتوالي الاحداث القومية المحبطة التي انتهت بمحاولة صدام حسين غزو الكويت والقضاء على استقلالها في اغسطس 1990 وما تبع ذلك ــ او ترتب عليه ـ من وصول التمزق العربي الى ذروته السلبية التي لم يصل اليها من قبل. ولا يمكن بالطبع ـ مع تغير السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية ـ ان يكتب كاتب عربي, الآن في مجلة (العربي) بالقدر نفسه من الحرية التي كان يستشعرها في داخله كاتب الخمسينيات ومطالع الستينيات, حين لم يكن احد يسمع عن كاتب اغتيل بسبب كتابته, أو صدر حكم بالتفريق بينه وزوجه, او طاردته سكاكين الارهاب الصدئة التي لم تترك حتى رقبة كاتب بحجم نجيب محفوظ. لقد دخلنا في زمن آخر من الكتابة, زمن تكاتفت فيه عوامل الرقابة الخارجية والداخلية لتحد من انطلاقة الكاتب, وتفرض عليه اللجوء الى التلميح لا التصريح, لغة المجاز لا لغة الحقيقة والاحتماء بالتمثيل بدل تهور التصريح. ولا يمكن بالقدر نفسه ان نطالع في (العربي) خلال السنوات الاخيرة خطاب التفاؤل القومي الذي تعودناه منها في سنوات التحرير العربي من الاستعمار التقليدي, ولا يمكن ان نجد فيها الطراز نفسه من الازياء التي كانت ترتديها الفتاة العربية الواعدة في اواخر الخمسينيات ومطالع الستينيات, ولا اظن انه من الممكن ان نجد استطلاعات مصورة عن انواع الرقص, كما حدث في العدد الرابع الذي ضم استطلاعا عن (رقصة السماح) التي (قضت على هز الصدور والبطون) . ولا يمكن ان نجد, اخيرا, على صفحات (العربي) في هذه السنوات خطابات من رؤساء الدول العربية تتحدث عن القومية العربية, كما حدث في مطلع سنة 1959 حين أرسل جمال عبدالناصر خطابا الى رئيس التحرير يشكره والسادة محرري المجلة, ويحييهم على الجهد الذي بذلوه (لاخراج هذه المجلة التي تهدف الى دعم القومية العربية) .