نجم السينما المصرية شكري سرحان الذي توفي عام 1997 عن 73 عاما تاركا وراءه 154 فيلما مثلها بين 1949 و1988 (من بينها فيلم ايطالي وفيلم ايراني).. مازالت تحتفظ له ذاكرة السينما المصرية بأدوار هامة كما في (ابن النيل) (صراع الأبطال) (عودة الابن الضال) (المتمردون) (اللص والكلاب) (قنديل أم هاشم) (رد قلبي) , (الزوجة الثانية) , (شباب امرأة) و(النداهة) .. وغيرها مما استحق عليه اختياره في استفتاء الاحتفال بمائة عام على السينما المصرية كأحسن ممثل, وتكريم مهرجان القاهرة ,1996 قبيل وفاته, وقد شهدت الخمسينيات والستينيات انتشاره الواسع, وفي ظل هذا الانتشار ظهر في أفلام لا تعلق بذاكرة السينما مثل (الستات ما يعرفوش يكدبوا) و(بافكر في اللي ناسيني) و(عفريت عم عبده) , و(قبلني في الظلام) و(زنوبة) وغيرها. وتأتي هذه المقدمة بمناسبة صدور الجزء الأول من مذكرات شكري سرحان عن طريق ابنه (يحيى وهو كاتب صحفي وأديب وقاص, يكتب يحيى على الغلاف الأخير من الكتاب الذي أصدره باسم (ابن النيل شكري سرحان وخمسون عاما بين الفن والحياة) ان والده شرع في كتابة مذكراته بداية الثمانينات على فترات متفاوتة, الكتاب قائم أساسا على حوارات بين الأب والابن, وفي مجموعها تلقي ضوءا على إبداع ومسيرة ومنهج تفكير الفنان الكبير الراحل.. ولكن هل نقول أن روح التبجيل من الابن للوالد ــ القدوة والمثال ــ مثلت عبئا على حرية الفنان في انطلاقه في التعبير عن دخائل نفسه.. وعن نقاط ضعفه.. اليس لكل فنان انسان ضعفائه؟ يظهر هذا من البداية في حديث الوالد لابنه عن نشأته (كانت نشأتي في القرية حيث التقاليد والقيم هناك مثل الماء والهواء.. كنت أخرج الى الجامع صباحا حينما كان عمري سبع سنوات, وأتوجه لحفظ القرآن الكريم عند الشيخ عبد العاطي.. كان جميع البشر من حولي يعيشون على نمط واحد لا يتغير.. التقاليد والأصول والجذور.. وقد سألت نفسي متعجبا حائرا.. كيف يخرج من هذا الاطار العام فن وفنان؟ لا أجد غير اجابة واحدة.. أن الله يفعل ما يشاء ويتجلى على من يشاء بما يشاء, فسبحان العاطي المنعم الذي يخرج الماء من جوف الاحجار اذا شاء. عن أول دور له مع المخرج يوسف شاهين في فيلم (ابن النيل) (1951).. يحكي أنه سافر مع مجموعة الفيلم الى قرية بالصعيد.. عشنا بها حوالي عشرين يوما.. تأكل مما يأكل أهلها.. نعيش معهم الحياة على طبيعتها تماما.. أفادنا هذا من حيث الاندماج وصدق الأداء التمثيلي.. ثم يقول (لا أستطيع ان أصف لك يا ولدي العزيز عن سعادتي الكبيرة التي لا توصف, خصوصا أن الفيلم يحمل شموخ نهر عظيم شهد أحداثا جساما. وفي حديثه لابنه عن دوره في فيلم (شباب امرأة) .. أن كل تعبير في شخصية إمام ــ البطل ــ ساعدتني عليها جذوري الريفية السابقة لاختلاطي بالمجتمع القاهري. إلا أنه بصدد دوره في فيلم (رد قلبي) يبدي رأيا سياسيا متحيزا ــ حول ثورة 23 يوليو ــ التي يصر أن يسميها انقلابا.. فقرار تأميم قناة السويس كان مفاجأة.. وفرض الحراسات والتأميم أضر بمصالح المواطنين.. ومن رأيه أنه كان من الصعب واللامعقول أن تدير مصر عقلية عسكرية تخصصية بحته.. ثم يعود ليقول عن الفيلم أن هذا العمل السينمائي الخالد قد أوضح ايجابيات الثورة وتفاعلها المباشر مع أحداث الفوضى والفساد في مصر وعلى النقيض أظهر أيضا الوجه السلبي للثورة واتخاذها القرار الخطأ بتأميم ممتلكات الشعب. في المسرح لشكري سرحان ادوار متميزة على خشبة المسرح, يذكر لنا دوره في مسرحية (آه يا ليل يا قمر) تأليف نجيب وسرور اخراج جلال الشرقاوي, التي عبرت عن حزن سرور وآلام الشعب من اليوم الحزين 5 يونيو ,67 يقول سرحان انه قد عرض عليه دور البطولة في الوقت الذي كانت فيه صناعة السينما في مصر متوقفة تماما, حيث هاجر اكثر الفنانين إلى لبنان في اعقاب النكسة وقد رفض مبدأ السفر خارج مصر تماما. كما مثل في مسرحية (رأس العش) لسعد الدين وهبة اثناء حرب الاستنزاف في ظروف صعبة حيث كان جنود اسرائيل ينادون علينا من الضفة الاخرى بكلمات مهينة, وسط طلقات الرصاص كان علينا ان نشيع جوا من البهجة والسعادة على نفوس جنودنا البواسل. يذكر سرحان دوره في مسرحية جادة جسد فيها حياة الزعيم الليبي (غوما) التي صاغها مصطفى محمود. كانت لسرحان احلام مسرحية يحدثنا عنها من خلال مشروع (المسرح الوسط) و(المسرح الزجاجي) يقول: لقد كان احد احلام حياتي اقامة وتأسيس المسرح الوسط, تلك الخشبة المسرحية التي تشيد وسط الجمهور, بحيث يستطيع الجالسون حول الخشبة في اسلوب دائري ان يتفاعلوا ويتعايشوا مع الممثلين الذين سيتحركون في طلاقة وحرية, ان يتفاعل الجمهور مع كل زوايا جسد ووجه الممثل بايماءاته وحركته الديناميكية. واذا كانت فكرة المسرح الوسط ليست غريبة, ومورست بطريقة أو أخري فان فكرة (المسرح الزجاجي) تبدو غريبة لم يوضحها تماما, ليس هناك اي مانع ان نؤسس المسارح الزجاجية (الشفافة) وسط الشواطىء الخلابة في عمق المياه الزرقاء أو وسط الحقول الخضراء بحيث تستخدم التكنولوجيا الحديثة في جعلها صيفية مكشوفة وشفوية مغلقة في آن واحد. القاهرة ــ فوزي سليمان