حتى الآن لم يكتب العرب تاريخهم .. وحتى الآن لا يوجد كتاب مرجعي في التاريخ العربي كتبه العرب .. وعندما تنبهوا أخيرا الى هذه الحقيقة فكروا في كتابة التاريخ العربي , وبالفعل بدأ المشروع لكنه فشل فشلاً ذريعا ليعود مرة أخرى في الأسابيع الماضية, لكن من يعملون فيه يتنبأون له بالفشل الذريع ايضا, ذلك هو الموجز بلا أدنى مبالغة واليكم التفاصيل كاملة .. ففي عام 1990 قررت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية اقامة مشروع ضخم لكتابة التاريخ العربي, في 14 مجلدا تضم 195 موضوعا وتغطي التاريخ العربي منذ المرحلة الجاهلية حتى العصر الحديث .. وقد أسندت المنظمة المشروع ــ كما يقول الدكتور يونان لبيب رزق استاذ التاريخ ــ الى المؤرخ العراقي المعروف الدكتور عبد العزيز الدوري كمشرف على فريق كبير من الباحثين يقوم كل منهم بانجاز جزء بعينه, الا ان المشروع لم يكتب له الاستمرار, وتوقف تماماً عام 1994 نتيجة للخلافات العربية ــ العربية وتوقف التمويل .., الخ, ولم ينجز المشروع من الـ 195 بحثا الا 85 بحثا غير ان البحوث التي أنجزت لم يتم التحكيم في كل منها الا من خلال مُحكم واحد وليس اثنان كما هو منصوص عليه في العقود, ولهذا لم تنظر المنظمة اليها بعين الاهتمام. وفي سبتمبر 1994 اجتمعت اللجنة العلمية المسؤولة عن المشروع وأبدت ملاحظاتها على البحوث التي تم انجازها وارتأت استشارة عدد من المؤرخين العرب ذوي السمعة الدولية في استئناف المشروع مرة أخرى. وفي سبتمبر الفائت, اقامت المنظمة ندوة لتدارس المشروع مرة أخرى, والبحث عن وسائل للتمويل تساعد على اتمامه وتقرر ان يشرف على المشروع قسم الدراسات التاريخية في معهد البحوث والدراسات العربية التابع للجامعة العربية. وتشكل لجنة علمية تقود أعمال المشروع حتى اخراجه الى النور, وفي الأسبوع الماضي ناقشت هذه اللجنة المنهج والمرتكزات والموضوعات التي يقوم المشروع عليها, وتتكون اللجنة من د. يونان لبيب رزق (رئيسا) وعضوية د. رؤوف عباس حامد (مصر), د. أحمد يوسف (مصر) د. عبد الرحمن الانصاري (السعودية), د. أبو القاسم سعد الله (الجزائر), د. خيرية قاسمية (سوريا), د. راضي دغموس (تونس), د. ادريس الحرير (ليبيا), ود. يوسف عبد الله (اليمن), وانتهت الاجتماعات التي استمرت ثلاثة أيام وضع المحاور الرئيسية التي سيكتب على أساسها تاريخ العرب, وسوف يضم سبعة مجلدات تبدأ من التاريخ القديم حتى الحديث, وسوف تقع المرحلة الجاهلية في مجلدين كذلك التاريخ الاسلامي منذ البعثة المحمدية حتى الدولة العباسية. اما الدولة العثمانية فستقع في مجلد واحد وكذلك التاريخ العربي في القرن التاسع عشر والتاريخ الحديث. تفاؤل وعقبات وبينما يبدي رزق تفاؤلا شديدا وتحمسا لانجاز المشروع في فترة وجيزة يرى د. عباس ان هناك عقبات حقيقية تحول دون ظهوره الى النور, يقول رزق ان الاتفاق في اساسه يقوم على البحث عن القوائم التاريخية المشتركة بين الدول العربية على اساس قومي وليس قطريا وحتى لو كان لاحدى الدول مسارها الخاص في فترة من الفترات سوف ينظر اليه في السياق العربي القومي المشترك. ويأمل ان ينجز المجلد الاول في بداية عام 2000 على ان يستمر صدور المجلدات الاخرى حتى عام 2001 فيكتمل المشروع, مع ملاحظة ان كتابة تاريخ العرب سوف تبتعد عن الكتابة التقليدية المعتادة وتركز على الفلسفة من منطلق الوحدة للامة العربية. وبالرغم من تقديره لأهمية المشروع القصوى, يقول د. عباس انا ضد ان يكتب التاريخ مؤسسة رسمية أو حكومية. انا من انصار ان يكتب تاريخ الامة لجنة علمية. واللجنة التي تم تشكيلها في هذا المشروع مقيدة بواقع عربي من خلال جامعة الدول العربية حيث لا تزال صناعة القرار عقيمة جدا, فمطلوب منا التخطيط وعرضه على جامعة الدول العربية التي تعرضه بدورها على كل الدول العربية للموافقة عليه. وسيكون القرن المقبل قد انتهى. وعلينا التعديل في حال الاعتراض وانتظار الموافقة مرة ثانية. وحين الوصول الى مرحلة تكليف الباحثين سنصطدم بعقبة اشتراط ان تساهم كل الدول العربية بمن يمثلها نسبيا. وهذه عقبة حقيقية لأن هناك دولا لا تتوفر فيها كوادر مؤهلة تسمح لها بالمشاركة. وهناك دول بها فائض في هذه الكوادر. اذا لابد ان توافق الدول التي تعاني من النقص هنا على استكمالها من الدول الاخرى, ويمكن الا توافق, وفيما يخص الكتابة ومراجعة الابحاث يتوجب موافقة كل دولة على ما هو مكتوب عنها او يخص تاريخها, وبالتالي سيكون تاريخا ترضى عنه هذه الدول حتى اذا كان مجافيا للعلمية والموضوعية. أزمة الحديث وأوضح د. رزق ضرورة ان يعطي الكتاب صورة واضحة عن تطور تاريخ الامة منذ فجر هذا التاريخ حتى الفترة المعاصرة عبر المصادر الاصلية الوثائقية وغير الوثائقية, وفيما يتعلق بالفترة المعاصرة والحديثة لابد ان تتاح المصادر الرسمية لمن يكتب عنها. وأضاف ان كثيرا منها بعيد عن الباحثين لأسباب تتصل بعدم اهتمام الدول الوطنية في العالم العربي بقيمة الوثائق التاريخية والحرص عليها على نحو ما تفعل الدول المتقدمة. وحول المخرج المترتب عن هذا الغياب قال ان الاشياء مرتبطة ببعضها لكننا لن نكون عاجزين تماما عن الكتابة فنلجأ الى المذكرات والدوريات والوثائق الاجنبية. ولكن المشكلة ان مثل هذه الوثائق ــ اقصد الوثائق الاجنبية ــ بالرغم من انها غنية بالمعلومات عن العالم العربي الا انها مكتوبة من وجهة نظر الدول التي اصدرتها والتعامل معها يفترض الفحص والتمحيص. ولكن اتاحة الفرصة للاطلاع على الوثائق العربية سوف يصحح الصورة ويعطي الجانب الآخر من الحقيقة والتي بدونها لا تكتمل. وعلى سبيل المثال وثائق مصر منذ بداية القرن العشرين وحتى عصر السادات موجودة في ارشيف سرايا القبة لا يستطيع احد الاطلاع علىها بينما مكانها الطبيعي دار الوثائق القومية ليطلع عليها الباحثون وقس على ذلك كافة الدول العربية. وقال د. عباس قسمنا الموضوعات الى سبعة مجلدات يضم كل مجلد 25 فصلا ويكتب كل فصل باحث واحد اي حوالي 175 باحثا. اما البحوث السابقة التي تمت في المرحلة الاولى للمشروع قبل التوقف فسوف نستفيد منها. وعن تمويل المشروع قال ان ليبيا بادرت بالتبرع بمليون دولار تم ايداعها كوديعة ينفق من ريعها على المشروع ولم يستطع اعطاء مدة محددة لانهاء العمل. تحقيق ــ فتحي عامر