على كثرة كتب الاستاذ العقاد, وقد اوفت على السبعين كتابا وزيادة بكل ما كانت تحتويه من صراحة المنطق وعمق الفكرة وجدية الاسلوب الى حد الارهاق في بعض الاحيان, الا ان العقاد له كتابات مازالا يثيران في النفس قدرا كبيرا من المتعة الفكرية الممزوجة بنوع فريد من الشجن . ان الكتاب الاول عنوانه (ابو الشهداء: الحسين بن علي) ويتناول كما يتضح ان العنوان حياة سبط الرسول عليه الصلاة والسلام وتكوينه الفكري ونهجه الايماني ومن ثم كفاحه الذي اختتم في ساحة الشهادة في كربلاء: يأخذك العقاد في دقته التاريخية وصرامته الاسلوبية عبر الفصول الاولى من الكتاب... يحقق الروايات ويوازن بين الاقوال والشهادات ويملك نوازع الشخصيات... الى ان يفضي به وبك الحديث عن كربلاء: مقدماتها وحوادثها ثم المشاهد التي اعقبتها ومنها مشهد احفاد النبي الذي ساد بعد مقتل الحسين عبر الصحراء مساقا او مسوقا الى حيث ينظر يزيد بن معاوية في ارض الشام اعلام الموكب حراب معلقة من فوقها رؤوس الشهداء. سباياه حفيدات الرسول وقد استبد بهن فزع الهول الاكبر, ولما يكن قد انقضى قرن واحد من الزمن على رحيل هذا الرسول التي اعادت دعوته تشكيل نفس الجماعة العربية لتنقلها من ظلام القبلية وظلمها الى حيث اصبحت لها شوكة وقدرة وحضارة وامبراطورية وكيان. قرأت كتاب العقاد عن الحسين رضي الله عنه وانا في فتى صغير الروضة النفس على قراءة ما كتبه الاعلام الكبار... وكان الكتاب من اوائل ما طالعته لعباس العقاد ولانني مثل عامة اهل مصر اعد نفسي حتى الآن من محاسيب الحسين بن علي, ولان حكاية هذا الفتى النبوي تعد ملحمة بطوله ونموذج تضحية يشغف به الشباب في التحليل الاخير, فقد عكفت على كتاب العقاد اطالعه في نهم شغوف ولكن حين وصلت الى عباراته وهو يضف الموكب الحزين الذي اعقب مأساة كربلاء... اذا بي انشج باكيا وبصوت مسموع ... هاهو العقاد ــ المفكر ... الفيلسوف... وقد اكتست عباراته عطفا والتهبت عاطفة ومحبة واشفاقا وكانت تلك من المرات النوادر ــ كما اتصور ــ التي اثارت فيها كلمات العقاد كل هذا الفيض من شجن اليفاعة كما قد نقول. الكتاب الفريد الثاني الذي قدمه العقاد وجاء بعيدا بدوره عن صرامة التحليل وقسوة الاسلوب كان عنوانه (في بيتي) : كتاب صغير دقيق الحجم شديد الطلاوة اقرب ما يكون الى نفس القارىء وربما الى نفس الكاتب ايضا... صدر الكتاب بالطبع منذ سنوات طويلة طويلة, وفي سلسلة (اقرأ) العتيدة التي جاء حتى تصدرها (دار المعارف) القاهرية وتسبغ به ايادي بيضاء على قارئي العربية عبر اقطار الوطن الكبير. وتقول ان الكتاب جاء قريبا من نفس كاتبه اذ اتاح للعقاد فرصة الحديث عن البيت الذي اتخذه في ضاحية مصر الجديدة سكنا له ربما منذ بداية الثلاثينات من القرن وحتى رحيل الاستاذ عن دنيا الاحياء في ربيع عام 1964 كتاب (في بيتي) يبدأ من حيث موقع البيت والحي والجيرة في سجل التاريخ... ولا علامة تعجب هنا فالذي يتحدث هو العقاد الذي تعود ان يحدد لكل شيء موضعه من سياق الزمن ونواميس الاكوان. كتابه الصغير الجميل يحدثك عن حبه للنور... يعشقه بازغا عفيا في مشرق الشمس, وقد يعشقه مشربا بحمرة الشفق مودعا نهار الحياة عن الغروب... ولان العقاد يعشق النار فقد آثر ــ كما يقول في كتابه ـ ان يسكن هليوبوليس وهي في اصل اشتقاقها اليوناني (مدينة النور) رغم ان القوم خلعوا عليها الاسم الاداري المعروف وهو: (مصر الجديدة) وكأنهم يميزونها بمنطق المخالفة كما تتصور عن (القاهرات) القدامى: قاهرة المعز عند الازهر, وقاهرة دبي السباع ــ الخديوي اسماعيل في احياء العتبة الخضراء وحول قصر عابدين والازبكية ناهيك عن منطقة الفسطاط حيث وضع اول مسجد للناس في مصر بناه فاتحها الصحابي عمرو بن العاص, وسبق في ذلك بناء القاهرة نفسها, وهنا يلجأ المصريون بدورهم الى منطق المخالفة نفسه فيطلقون على منطقة الفسطاط وما حولها اسم حي (مصر القديمة) وهو اسم حكومي ــ بيروقراطي اين هو من بلاغة التسمية العامية الدارجة التي تشير الى نفس المنطقة فتقول: (مصر... العتيقة) او (مصر ــ عتيقة) كاد بيت العقاد وقد زرناه ونحن طلاب جامعة يحمل رقم 13 ويقع في شارع السلطان سليم في مصر الجديدة يحكي الاستاذ كيف بدأ يصعد سلامة درجتين مرة واحدة وكان ذلك في فترة عافيته في الثلاثينات كان عمر العقاد اربعين سنة او تزيد قليلا... ثم يحكي كيف تحول الي صعود درجة بدرجة حين زادت سنوات العمر فاقتضت ضريبتها من الصحة وقدرة الصعود والاحتمال الى ان اصبحنا ــ يقول العقاد ــ نصعدها نحن الثلاثة معا في وقت واحد... وضمير نحن هنا يعود الى قدمي الاستاذ ومعهما عصاه التي شرع يتوكأ عليها. بعد ذلك يجول بنا العقاد في انحاء الشقة الكبيرة التي اتخذها لنفسه سكنا ومستقرا لاشيء يغري في المكان سوى صاحبه الاثاث عتيق ولوحات الفنان صلاح طاهر ــ صفى العقاد ومريده تزين المكان ولعلها لمسة الجمال الوحيدة حيث الجفاف والتواضع والبساطة المتزهدة تسود كل شيء في مطبخ العقاد كان زادها في مخترعات العصر كم من بيوت في القاهرة بدأت وقتها تستخدم الغاز وافران البوتاجاز في مطابخها لكن مطبخ العقاد حتى في عقد الخمسينات وربما حتى الستينات ظل متمسكا بموقد الكيروسين العتيق ــ وابور الجاز ماركة بريموس كما كانوا يسمونه, يعالجه الحاج أحمد أو عم أحمد ــ خادم العقاد النوبي العجوز الذي صاحبه زمنا ليس بالقليل وأصبح من معالم (بيتي) منذ جاء مع الاستاذ من اسوان وكم كابد العم احمد من مقالب وابور البريموس ما بين انسداد الفونيا أو على الكبّاس او هزال ابرة التسليك. كان العقاد بهذا كله يمهد الأرضية للحديث الذي يستأثر بفؤاد كل مثقف وهو ان يحدثك عن مكتبته الحافلة الأثيرة.. ومن الطبيعي ان تكون مكتبة العقاد حافلة وأثيرة فهي التي جعلته واحدا من اعلام الثقافة العربية المعاصرة.. رغم انه دخل مضمار هذه الثقافة مجردا من كل الاسلحة التقليدية المعروفة ــ بغير جاه موروث ولا وظيفة مرموقة ولا حلقات اتصال أو واسطة من كبير أو عظيم يبسط عليه رعايته ويحميه بالمال وبالنفوذ من ويلات التبطّل وغدرات الزمان ــ دع عنك ان جاء العقاد من اسوان بغير لقب علمي أو حتى بغير شهادة مرموقة تفتح له بعض الأبواب.. اللهم الا شهادة الابتدائية وكانت في زمانه ــ فاتح هذا القرن ــ تزود صاحبها بقدر من المهارات الأساسية ولكن لا تفتح سوى كوة في باب توصل حاملها ــ ان اسورة زمانه ــ الى وظيفة كاتب في الأوقاف أو ساع موزع في مصلحة البريد أو مساعد كمساري متمرن في قطارات السكة الحديد, مكتبة العقاد هي التي صنعت عباس العقاد وكم كان فخورا بها ومعتزا بمحتوياتها.. ولهذا كانت هي محور الحديث في كتابه الصغير الجميل التي أشرنا اليه هو (في بيتي) وكانت تحوي عجبا: دراسات متخصصة في علم الحشرات وكم كان العقاد متمعنا في هذا الباب ربا لأنه كان شغوفا برصد ظاهرات الحياة سواء في مجتمع البشر أو في مجتمعات الهوام والحيوان. يضاف الى هذا موسوعات شتى.. وكتبا في مرتبة الأمهات كما يقول التعبير الكلاسيكي عند العرب.. في الإلهيات. وفي علم مقارنة الأديان وفي التواريخ حديثها وقديمها وفي التراجم والسير وفي الفقه والشرائع, فضلا عن كتب الفلسفة وعلم الجمال (الاسطاطيقا) كما ترجمها رواد النقل في بيت الحكم, أو أكاديميا الترجمة الحضارية الذي أنشأه الخليفة العباسي المثقف عبدالله المأمون. ذلك ملخص ما وعته ذاكرتنا من سطور كتاب (في بيتي) وقد مضى على قراءتها عقود لن أحصيها لك ــ خوف الحسد ــ من زماننا المعاصر وهكذا.. وعدنا منذ حديث سبق ان نحدثك عن مكتبتنا التي نظنها عامرة, فاذا بالقلم المشاغب يستدرجنا للحديث عن مكتبة العقاد وكانت عامرة غنية متنوعة بكل تأكيد. سألوا العقاد يوما وكان ذلك قبيل ثورة 52 في مصر: ــ ما أهم محتويات مكتبتك يا أستاذ؟ ــ كتب القانون وكتب التاريخ. ــ فلمن توصي بكتب القانون؟ ــ لصديقي (الصحفي ــ المحامي) فكري أباظة باشا. ــ وإلى من توصي بكتب التاريخ؟ ــ إلى ساسة مصر؟ ــ لماذا؟ ــ لأنهم لا يعرفون التاريخ!