قال لي بمزيج من الدهشة والاستغراب: (تصور ماذا حدث لنا اليوم في المطار؟!) تصورت ــ وقد كان حوارنا أثناء مهرجان دبي للتسوق ــ أن يكون قد شاهد مفاجأة من مفاجآت المهرجان أو فاز بجائزة من جوائزه المتناثرة هنا وهناك . قال محدثي وهو مسؤول بمؤسسة ثقافية ومهموم بالثقافة التي هي بالفعل هم لا يسمن ولا يغني من جوع في زمننا هذا: كنت مساء هذا اليوم في المطار لاستقبال ضيف قادم بدعوة من المؤسسة الثقافية لالقاء محاضرة, وهو استاذ جامعي وكاتب ومفكر قضى جلَّ عمره في البحث والدراسة ونال شهرة عريضة في عالم الثقافة والفكر. وقد جرت العادة ان تقوم ادارة المطار بفتح قاعة كبار الزوار لضيوفنا تقديراً لمكانتهم العلمية والادبية وللفكر الذي يحملونه ويساهمون به في نهضة الأمة وحضارتها وتقدمها.. إلى آخر هذه الاسطوانة التي نحفظها جميعاً.. المهم أن ادارة المطار ابلغتنا هذه المرة اعتذارها لعدم تمكنها من فتح القاعة لنا حيث تم حجزها لاستقبال شخصية هامة, وقد تقبلنا الأمر بصدر رحب ونفس راضية خاصة بعد أن تم أخذنا إلى قاعة الدرجة الأولى فوجدنا بها رئيسة وزراء دولة آسيوية سابقة يبدو أنها لم تكن أيضاً بأهمية الشخصية التي حجزت قاعة كبار الزوار لها فضمت إلى مجموعتنا ممن عليهم القبول والرضا طالما ان المصلحة العامة تقتضي ذلك. يقول محدثي ــ وقد بدأت حكايته تشدني وتأخذ طابع الاثارة: فجأة أضاءت المكان كشافات الكاميرات التلفزيونية وغمر صالة الوصول ضوء باهر ودارت الكاميرا فهيأنا أنفسنا لرؤية الضيف القادم والشخصية المهمة التي ازاحتنا عن قاعة كبار الزوار الى صالة الدرجة الاولى التي هي على كل حال حلم لكثير من المسافرين يكلفهم دفع فرق لا بأس به في تذكرة السفر, وهنا كانت المفاجأة, فقد ذهبت كل توقعاتنا أدراج الرياح, وفي الوقت الذي ضمن البعض فيه أن تكون الشخصية رئيس وزراء ــ ليس سابقاً بالطبع ــ أو وزيراً على الأقل إذا باحدى المطربات ــ لا أعرف من أي صف بعد أن ضاع التصنيف وتداخلت الصفوف ــ تقبل علينا محاطة بباقات الورود تتقدمها ثلة من موظفي العلاقات العامة وغير العامة وتتأخرها ثلة أخرى من حاملي أشياء كثيرة لم أستطع حصرها من الحقائب الصغيرة والهواتف النقالة التي تنتقل إلى يدها بين فينة وأخرى, بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة احترنا في تفسيرها, هل هي ابتسامة رضا أم اندهاش أم هي لزوم التصوير, ومضى الموكب يتهادى أمامنا حتى اختفى عن أنظارنا ونحن بين سعيد لرؤية صاحبة الطلعة البهية وبين غير مصدق لما يحدث أمامه وبين متميز غيظاً وضارب كف بكف. يقول صديقي الذي بدت عليه بعض علامات الارتياح بعد أن رأى بعضنا يشاركه الدهشة والاستغراب وقليلاً من الغيظ: تصور أن ضيفنا الدكتور المفكر العالم المثقف لم يجد في المطار من يتعرف على شخصه الكريم سواي وزميلي الذي جاء معي لاستقباله حتى بعد أن قدمنا جواز سفره لموظف الجوازات الذي ختمه دون أن تثير انتباهه شخصية صاحبه ولم يبد من الاهتمام سوى مطابقة المعلومات المدونة في الجواز بتلك المسجلة في تأشيرة الدخول, ومضينا إلى خارج المطار في صمت وسكون لم تبدده سوى عبارات المجاملة التقليدية التي يتم تبادلها عادة في مثل هذه المواقف من السؤال عن تعب الرحلة وحالة الطقس وما إلى ذلك, ودون أن يرف لنا جفن يكون المتسبب فيه فلاش كاميرا فوتوغرافية يلهو بها أحد الاطفال في طريق خروجنا. قلت لمحدثي المسكون بهم الثقافة: لا تعجب يا صديقي فقد ذكرتني هذه الحادثة بموقف مشابه كنت أحد شهوده منذ سنوات عدة في دولة البحرين الشقيقة, فقد كنت وبعض الزملاء من مسؤولي التلفزيون بدول مجلس التعاون وبعض الدول العربية نشارك في مهرجان الخليج للانتاج التلفزيوني الذي كان يعقد دورته سنتها في البحرين. وكان المهرجان يقام تحت رعاية وزير الاعلام البحريني السابق المرحوم طارق المؤيد الذي كان رحمه الله من وزراء الاعلام العرب المتميزين وقد فقد الاعلام العربي بموته شخصية اعلامية فذة, ورغم خروجه من الوزارة بعد ذلك إلا أنه لم يبتعد عن مجال الاعلام رغم انشغاله بأعماله الخاصة. كنا في اليوم الاول لوصولنا وقبل ان يبدأ المهرجان, وكان أبو أسامه رحمه الله يقيم حفل استقبال وتعارف لضيوف المهرجان الذي كان يحضره إلى جانب مسؤولي التلفزيون ــ من وكلاء مساعدين ومدراء ومستويات أخرى ــ عدد كبير من الفنانين العرب بينهم ممثلون وممثلات ونجوم غناء. يومها وقف الوزير يستقبل الضيوف في القاعة المخصصة لحفل الاستقبال ووقفت بجانبه الزميلة العزيزة الدكتورة هالة العمران الوكيلة المساعدة لهيئة الاذاعة والتلفزيون بالبحرين وقتها لتقديم المدعوين إليه وتعريفه بهم, وبعد دقائق من بدء وصول المدعوين سمعنا الوزير يقول للدكتورة هالة بصوت تعمد أن يكون مسموعاً: دكتوره.. أرجو أن تقدمي لي زملائك من الوكلاء المساعدين والمدراء فقط, أما الفنانون فأنا الذي سأقدمهم لك واحداً واحداً رغم انني ربما التقي ببعضهم على الطبيعة للمرة الأولى. وهنا ضجّت القاعة بالضحك بينما واصل أبو اسامه ــ رحمه الله ــ قائلاً: أرجو الا يزعل مني الأخوة المسؤولون فأنا متأكد أنهم هم أيضاً يعرفون الفنانين أكثر من وزراء الاعلام في الدول العربية, ثم انني أنا نفسي لو تصادف وجودي بمجمع الشيراتون التجاري أو باب البحرين مثلاِ مع وجود الفنانة نجلاء فتحي أو الفنان حسين فهمي ــ وكانا يحضران اللقاء ــ لتجاهلني الناس وما وجدت من يعيرني اهتماماً حتى لو كان من موظفي وزارتي, ولتجمعوا حول الفنانين في مظاهرة صاخبة بين راغب في التوقيع على اوتوجرافه وحريص على التقاط صورة فوتوغرافية تجمعه بالفنان وطامع في السلام فقط على النجم أو النجمة والحديث معهما. ربما تكون هذه الحكاية قد خففت قليلاً من حزن صديقي واندهاشه وربما تكون قد ضاعفت أحزانه, ولكنه انبرى قائلاً: لست معترضاً يا صديقي على الاهتمام بالفنانين وتكريمهم فهم أيضاً يقومون بدور نقدره ونحترمه, ومساهمات الجادين والملتزمين منهم نجلّها ونعلم أنها تقدم للمجتمع والانسانية خدمات جليلة لا تقل عن دور غيرهم من فئات المجتمع الاخرى, ولكن ذلك لا يعني ولا يجب ان يكون على حساب تجاهل العناصر الاخرى من العلماء والمفكرين والادباء ودفعهم إلى الصفوف الخلفية وهم بُناة الحضارة الذين يعطون عصارة فكرهم وخلاصة علمهم ليرقوا بالانسانية إلى مدارج النهضة والتقدم. قلت لصاحبي وفي حديثي من المواساة الشيء الكثير: يا عزيزي إن الواقع يقول إن ميزان الانجذاب والاعجاب والاهتمام لسنا نحن الذين نضع مقاييسه وشروطه ودرجاته حسب أهوائنا وقناعاتنا أفراداً أو مجموعات نوعية صغيرة, ولكنه ما اتفقت عليه مجاميع الناس وانساقت اليه دون وعي أو تفكير غالباً, ولذلك ستظل هذه الجماهير تنجذب طول الوقت إلى مطرب أو ممثل أو لاعب كرة قدم يملك (الكاريزما) المطلوبة.. وبعد ذلك ربما لفت نظرها وأعارت جزءاً من اهتمامها لعالم أو مفكر أو أديب أو كاتب بعض الوقت.. وليس في ذلك انتقاص من مكانة هؤلاء أو تقليل من شأنهم لا سمح الله. وكأني بصاحبي قد شعر بأن الحديث قد لامس الجرح فنكأه أكثر من اللازم فأراد أن يلطف الجو بهذه الحكاية: تقول الحكاية إنه من الطرائف التي تروى عن الروائي والاديب العربي الكبير نجيب محفوظ أنه كان ذات يوم متوقفاً عند إحدى اشارات المرور بالقاهرة في سيارته الصغيرة القديمة المتهالكة, وكانت تقف إلى جواره سيارة مرسيدس فخمة من أحدث طراز, وإذا بزجاج نافذة السيارة المرسيدس يفتح وتطل من خلفه إحدى نجمات السينما الشهيرات محيية وقائلة: ما هذه السيارة القديمة المتهالكة التي تركبها يا أديبنا الكبير؟! فرد عليها الأديب الكبير وهو ينظر إلى السيارة الفارهة التي تركبها: وماذا أفعل يا سيدتي؟ فهذا أقصى ما استطاع (الادب) أن يوفره لي! انتهت حكاية أديبنا الكبير, لكن الحوار سيظل متصلاً طالما ظلّ للصورة أكثر من جانب يراه الناس من مواقع مختلفة.. هكذا خلقت ولا عزاء للفكر والعلم والأدب يا صديقي العزيز.