نيكوس كازانتزاكي - الكاتب اليوناني الذي قرأنا له: زوربا, المسيح يصلب من جديد, الحرية أو الموت, الأخواة الأعداء, الاغواء الأخير, تقرير إلى غريكو, الزنبقة والثعبان.. وسواها, كاتب سجل حضوره الأثير في ذاكرتنا, وحفر الكثير من الأبعاد والرؤى في نفوسنا . من هنا وجدنا ضرورة في معرفة تفاصيل حياته وذلك من خلال زوجته الثانية ايليني كازانتزاكي, التي كان قد تعرف عليها عام 1924 وتنبه إلى كتاباتها الصحفية وكتابها عن غاندي. وكازانتزاكي - المنشق, كما تدعوه ايليني, وتقدم سيرة حياته ولد عام 1883 في كاندي, وتوفي في ألمانيا عام ,1957 وقد عرف عنه تأثره بفلسفة هنري برجسون ونيتشه.. كما شكلت الرحلات العديدة والمطولة جزءا كبيرا من حياته, اضافة إلى توجهاته الفكرية المتفتحة وعمله في اليونسكو وتوليه منصبا وزاريا في بلاده. لكن الأكثر من ذلك كله هو اصرار كازانتزاكي على أن يفعل شيئا, أن يتقدم بأعمال يتفرد بها عن سواه. يقول: (قلت لنفسي: سوف أذل رغبات الجسد, وأقلصها قدر المستطاع, فإذا أراد النوم, أسهر. وإذا أراد الجلوس, أقف وأتسلق الجبل. وإذا أحس بالبرد, أخلع ثيابي وأمشي على البلاط.. وعندما أهزم الجسد, التفت إلى الروح وأقسمها هي الأخرى, معسكرين: أسمى وأدنى, إنساني وإلهي, وسوف أقاتل الأهواء, الذهنية الصغيرة. القراءة والذكرى والابتهاج بالنصر والعدالة والصداقة والحنان والفرح والحزن) . كل هذا من أجل أن يكون سيد ذاته, ويجيب عن سؤال ظل يلح عليه طوال حياته وهو: (كيف يصير الإنسان خالدا) وهو السؤال الأزلي منذ الخليقة الأولى مرورة بـ (جلجامش) وصولا إلى كل الأعمال الابداعية التي لم تكتب إلا من أجل فتح أفق في عالم الخلود. ولان كازانتزاكي دخل دورة الابداع بهذا السؤال, فإنه سعى إلى أن يهزم عدوين: (المؤقت والتافه).. إذ ينبغي (أن يتحول كل مفهوم من المفاهيم إلى صورة فنية. سوف أنتصر على كل شيء بالتقشف) . وعنده يكون الإنسان الأحمق, ذلك القريب من (فتاة تزينها الزهور, بينما العالم ينهار مطالبا بالنجدة) . كذلك كان كازانتزاكي يدعو إلى أن يكون الإنسان: (صورة كاملة عن ذاته, ويحاول دائما أن يشبهها) وتقول ايليني ان هذه الفكرة (هاجس كان يضعها على لسان كل أبطاله تقريبا, ويمارسها بدوره من دون انقطاع) . كما ان كازانتزاكي يرى: (ان الكفاح والاتصال بالناس يريحانني جدا, وكما تتقوى أنت بالسباحة في البحر, أتقوى من جانبي بمصارعة بني البشر. أعمل كثيرا.. وفي أعماقي يلمع وجه الإله) . وقوة الروح عند كازانتزاكي.. (لا يتمثل في اكمال الطبيعة بل في التغلب عليها) والصمت خلق لغة حية عنده.. يقول: (لألسا مقدرة فائقة على خلق الصمت, صمت أحلام, وأعماق بحرية, ثري وساحر... تحني رأسها وتسعى للتعبير عن فكرتك الحميمة, أو اكمالها, فتشعر وكأنك تناجي روحك) . وفق ذلك, نتبين ان كازانتزاكي يتنبه إلى الأشياء جميعا, الجامد منها والمتحرك, بقصد استنطاقها ومعرفة خصائصها وبلاغة وجودها, وهو أمر لا يقف عنده الإنسان العابر, إنما هو موضع مراجعة وتأمل عندما يكون موقعه تحت نظرة ثاقبة, كنظرة كازانتزاكي هذه.. إنه يتمثل المثل الصيني القائل: (إذا كان لك قميصان, بع واحدا واشتر وردة) , مثلما يتمثل تجربة لينين الذي كان: (عندما يريد الاستراحة كان يترجم قواميس أو يتعلم لغة جديدة) . وتشير ايليني إلى ان كازانتزاكي كان ينصحها قائلا: (اختاري روحا عظيمة وكرسي نفسك لها بالكامل, أنظري مدى الفرح الذي يتملكك وأنت تؤلفين كتابك عن غاندي. عندما تنتهي منه سوف أساعدك على اكتشاف روح اخرى عظيمة. ان كازانتزاكي وفق ذلك لايجعل الاشياء والمواقف والتجارب تمر بشكل عابر في حياته ان يتغلغل الى اعماقها, مستنهضا من خلالها القيم والرؤى والابعاد.. والكلمات التي يطلق عليها تسمية (الكلمات الخائنة) هي تلك الكلمات التي (تفرط في تبسيط كل شيء) . اذن هو يبحث عن كلمات معمقة ودالة وتمتلك جديتها. وتصف ايليني زوجها كازانتزاكي بصراحة (لا اسعى الى تجميل زوجي, كما انني لا اسوده, ولم يكن من السهل دائما استنشاق الهواء المضطرم حوله لكنه لم يكن ليفرض رأيه على الاخرين, وعندما وجد نفسه امام خيار التنازل المريح او الكرامة لم يتردد فرفض الكراسي المريحة بكل كبرياء.. احببت ذلك الرجل الفاتن الحكيم, واعتقد انني اينعت تحت فيء شجرته المعرفية, بمقدار ما سمحت لي طبيعتي, وتضيف قائلة: احببت ذلك الرجل لانه لم يسع قط الى اثبات تفوقه وترفعه, ولم يلح على تحويلي الى (متفلسفة) كنت بسيطة, فتركني كذلك, محترما طبيعتي غير انه حررني من عقد زرعها فيّ اوصياء عاثرون, علمني الا اخجل من ضعفي. بهذا الوعي تعامل كازانتزاكي مع المرأة التي احبها, احترم خصوصيتها ومحدودية عالمها.. ويكفيه منها انها قد حققت له الفرح.. وجعلت من لحظات وجودها مسرات في نفسه وقلبه.. الامر الذي جمله في اعماقها وجعلها تدرك مع اي رجل تحيا وتحب. ان: المنشق ــ كازانتزاكي , والذي لم يتآلف مع عصره, وانما تمرد عليه كان يختزن عوالم وطاقات وتجارب بشرية عديدة, وكانت بمجموعها تشكل وجود كازانتزاكي الانسان الكبير, والمبدع الاصيل الذي ينتمي الى (كريت) ذلك المكان الأثير الذي استثمره في سائر اعماله, وجعله المكان الامثل في الوجود جنته ومنتهاه ومن هذا العشق انجز الق كتابة حية, وفجر في الانسان طاقة الابداع الاصيل واليقظ والمتواصل. بقلم : حسب الله يحيى نيكوس كازانتزاكي