اصيبت (سنة بيروت عاصمة ثقافية لعام 1999) بالمزيد من النكسات والخيبات وبتطورات ثقافية سلبية ابرزها, مؤخرا اعلان صاحب (المعرض الدائم للكتاب) مالك صيداوي اغلاق ابواب معرضه كذلك تحويل صالة (ستاسيون دي زار للفنون التشيكلية) الى صالة لعرض المفروشات المنزلية وبيعها اضافة الى القرار باغلاق (مسرح المدينة) في بيروت, والذي تديره الفنانة نضال الاشقر, لمدة شهر واعلان بعض دور النشر عن تجميد اعمالها مثل دار (الوحدة) , (ابن خلدون) و(التنوير) مع الاشارة الى ان عددا من دور النشر تعاني من اوضاع تمنعها من تقديم اصدارات جديدة. نتيجة تلك الظواهر السلبية على المستوى الثقافي بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية وغياب اي نوع من الحماية والرعاية للمؤسسات الثقافية وتحديدا البعيدة عن الربح بالمعنى المادي. وخاصة المؤسسات المسرحية منها وان كانت بعض المؤسسات لاتزال على (قيد الحياة) فأن حياتها مرهونة بالامصال السياسية التي تمدها بها بعض المرجعيات في السلطة وخارجها ومهما يكن الرأي في هذه المؤسسات يبقى الاهم ان بيروت كعاصمة ثقافية باتت في موقع محرج للغاية فإعلان اية عاصمة ثقافية, يبشر بافتتاح مؤسسات او منابر ثقافية ويستفاد من سنتها لتمويل نشاطات مؤسسات أو لتكريس مؤسسات قائمة. وفي هذا الصدد يعبر مالك صيداوي عن الاسف الشديد لاضطراره تحت وطأة تراكم الخسائر كما يقول الى التوقيت السيىء الذي تزامن مع بداية نشاطات بيروت كعاصمة ثقافية. ويضيف: حاولت جاهدا فعل شيء لتأجيل اعلان الاقفال لكن اللامبالاة من الجميع حالت دون ذلك. ففي السابق قمنا بمبادرة مع اتحاد الناشرين واتحاد الكتاب من اجل اعلان يوم وطني للكتاب, وبعد ان رتبنا كل ما يلزم لانجاحه فوجئنا بأن التركيبة التنظيمية لا تتوافق مع التركيبة الطائفية للبلد, وفشلنا في اتمام ذلك اليوم. وسبق ان قدمنا تقارير الى المراجع المختصة عن الصعوبات التي نواجهها وعن الخسائر التي نمنى بها, وللأسف, لم يزرنا احد ولم نسمع كلمة تشجيعية تدفعنا للتمسك بمبادرتنا الفردية مع العلم ان المعرض فتح قاعاته للنشاطات المختلفة, الثقافية منها والفكرية والأدبية مجانا. ورغم هذا تحملنا التكاليف ومضينا مع تراكم الخسائر على امتداد سبع سنوات الى ان ضغطت علينا ولم يعد باستطاعتنا دفع اجور العمال وفواتير الكهرباء والهاتف والتكاليف المباشرة وغير المباشرة. ويشير صيداوي الى ان الوزارات المختصة والادارات الرسمية لا تسهل بقوانينها وبرسومها وضرائبها وصول الكتاب الى القراء وتحديدا الكتاب الوافد الينا من الدول العربية والعالمية, فتكلفة اي كتاب تزداد عبئا مضاعفا مع الرسوم والضرائب كذلك ارسال الكتاب المحلي الى القارىء العربي والاجنبي. فمعرضنا كان يضم ثمانية وثلاثين الف عنوان صادر عن اكثر من مائة وعشرة دور للنشر محلية وعربية واجنبية منظمة داخل اجهزة الكمبيوتر التي تسهل على القارىء الحصول على أي عنوان. وتوصل صيداوي الى وجود عقلية في هذا البلد لا تريد ان يتم الحصول على الكتاب بسرعة انما تريد تسهيل افتتاح مرقص أو محل للمواد الاستهلاكية أو مطعم.. وهي مظاهر تدل على محاولة إفراغ البلاد من محتواها الحضاري.. لأنني سمعت كلاما (خطيرا) تساءل عن حاجة بيروت الى معرض دائم للكتاب طالما هناك معارض تقام في العاصمة. ويتابع صيداوي قائلاً: (ان الخطير من هذا الأمر, احتكار الكتاب في معرض لايستمر لأكثر من خمسة عشر يوماً وهو أشبه ما يكون بذريبة للكتاب وليس معرضاً) . والملفت الضجة الاعلامية التي رافقت افتتاح معرض صيداوي على عكس ما حصل حين الاغلاق. ومن جوله قمنا بها على عدد من العارضين بمثل هذه الأمور استنتجنا ان اتصالات خاصة من مراجع عليا تمت مع صيداوي طالبة منه اقفال المعرض بهدوء, وبالهدوء ذاته أغلقت وأقفلت دور نشر وصالات عرض حتى أن منابر ثقافية بدأ دورها وحضورها يتراجع بهدوء. ويبدو ان اغلاق مسرح بيروت يشبه حركة مسرحية إيمائية خالصة على خلاف السنوات الست, أي منذ اعادة تشغيله بعد توقف بسبب الحرب, فقد حفلت تلك السنوات بالنشاط والحيوية حتى حولت قاعته في أحيان كثيرة الى منبر للمعارضة من لبنان, وربما ساهم هذا السبب في إضافة الصعوبات على أصحاب المسرح بل مالكيه. عن تجربة (مسرح بيروت) وقرار إقفاله يقول الكاتب والروائي الياس خوري وهو من الناشطين في الاشراف عليه وادارته: (كانت الصعوبات لاتحصى, ففي مطلع كل موسم كنا نجد أنفسنا أمام هاوية شبه الفراغ, وكنا نقفز فوقها, ولكن وبعد ستة أعوام, كان علينا ان نتخذ القرار الصعب, أي اغلاق المسرح بسبب ضرورة عدم التكرار والغرق في روتين العمل البيروقراطي. حتى التجديد قد يصبح تكراراً كما ان المسرح لم يستطع أن يتحول الى مؤسسة راسخة في المجتمع اللبناني, بل بقي أشبه بطفرة سنوية, أو صرخة موسمية تضعها الادارة وحدها, وقد نبسط الأمور ونرمي المسؤولية على عجز وزارة الثقافة عن التحول الى وزارة حقيقية, وغياب الهم الثقافي عن السلطة السياسية, والسؤال اليوم مطروح على المثقفين اللبنانيين وحدهم, وعلى المجتمع الاصلي الذي لم يستطع ان يخرج من صدمة الحرب وصدمات هذا السلام الأعرج, والقمع المباشر وغير المباشر, والسؤال هل نستطيع بناء مؤسساتنا الثقافية؟ ان اغلاق مسرح بيروت لا يقدم جواباً سلبياً على سؤالنا, واليوم وبعد نهاية التجربة, لا نجد أمامنا سوى ضرورة ان نبدأ من جديد. ولا يبدو حتى الان ان المظاهر والمعطيات كافية لتأكيد ان بيروت تستأهل هذا التكريم الذي كانته قبل ان تمنحها إياه منظمة اليونيسكو.