لو اراد احدنا ونحن نعيش الان عصر اللمسة السحرية والفضاء المفتوح وغمزة العين التي تفتح ابواب مغارة علي بابا, لو اراد احدنا ان يؤلف مثلا أو يسقط مثلا على امر ما من امور هذا العصر التكنولوجي فماذا يقول ؟ هل بامكاننا ان نضرب مثلا على (الماوس) الذي يحرك الاوامر على شاشة الكمبيوتر فنقول اذ غاب القط العب يا فار, يبدو أن المثل سيغدو سخيفا إن لم يكن كذلك فعلا, فالامثال ان كانت فصحى أو شعبية بدأت تنقص بشكل مثير, بل وتنقرض بأنقراض ورحيل رواتها من جيل الآباء والاجداد الذين تفننوا في توظيفها وايصالها بشكل ملفت, فلا تكاد تمر عبارة من العبارات الا وتراها مزينة بمثل من الامثال الدالة على اصل الشيء بشكل جميل ومعبر. ومن هنا فان المواقف والاحداث اليومية المعاشة تدفعنا إلى استلهام الامثال قديمها وجديدها فنجد السنتنا بتلقائية شديدة تنطق من خلال العقل الباطن بأمثلة استدراكية للمواقف المختلفة وهكذا, دون ان يحركنا الموقف إلى خلق امثلة جديدة لزمن جديد ومتغير, وكأن لسان حال اغلبنا يقول ما دامت الحصيلة اللغوية الموروثة قادرة على تلبية الموقف فلماذا الاجتهاد المتعب اذن. وحتى لا اخوض هكذا دون هدى في جدلية الممكن واللا ممكن اتساءل بصوت خفيض حتى لا أقلق مضجع البعض فأقول هل الامثلة الموروثة التي نتداولها في حياتنا اليومية ذات أهمية؟ قد تتفاوت اجابة السؤال من شخص لاخر حسب الثقافة والتطلعات والقيم والمعتقدات, فهناك من يرى ان الحياة مستمرة حتى ولو كانت خالية من الامثال, بينما يرى آخر ان المثل جزء من القيم يجب المحافظة عليه لأنه يأتي في اطار الحكمة التي اوجبتها التجربة, ومن هنا لا يمكن للمرء ان ينسلخ من تراثه وقيمه وعاداته وتقاليده. وتظل الامثال في مجملها مجموعة التجارب التي اسهمت في ترسيخ الحضارات وولدت منها شرارة التغيير والتطوير والتواصل, لانها تجارب انسانية صادقة وواضحة لا تدخل الشائبة في استنباطها ابدا, وغالبا ما يكون المثل الانساني عالميا لا تحده المسافات, فمثلا نقول نحن في عاميتنا (عمان كلها دروب) وهو نفس المثل الذي يتداول في اوروبا حيث يقال كل الطرق تؤدي إلى روما وهكذا. ومن يدقق في الامثال الشعبية المتداولة هنا يقف احيانا حائرا امام بعضها فمثلا يردد كبار السن مثلا شعبيا وقفت امامه كثيرا لاستوضح مصدره دون جدوى فهم يقولون ان ارادوا ان يؤدبوا احد الصغار المشاكسين (والله لأدبك ادب حمدوه وديايتها) اي دجاجتها, وحتى الان لا اعرف ولا يعرف كل من سألتهم من الشواب عن قصة حمدوه ودجاجتها, وكيف تم تأديبها, هل قامت حمدوه بذبحها وسلخها أم بنفيها أم ماذا؟ وفي باب الادب هناك مثلا اخر يقول (والله لأدبك ادب الخيل في بومباي) , ويبدو ان الهنود يجوعون الخيل ويضربونها حتى تسمع الكلام والا ما معنى الادب هنا. ولأن الاصل في المثل واحد وهو التجربة والموقف الانساني, نجد ان اغلب امثلتنا الشعبية تعتمد في مضمونها على التجربة والاصل العربي القديم خاصة اذا ما عرفنا ان العرب اصحاب بيان ولغة ساحرة, ومن يتمعن في المثل الشعبي (ما خاب من استشار) يكتشف رأسا اصله القديم عند جاهلية العرب فهم يقولون (ما هلك امرؤ عن مشورة) , ونقول في امثلتنا الشعبية كذلك (لا يفل الحديد الا الحديد) والاصل فيها الحديد بالحديد يفلح, ومن يعرف أصل المثل وحكايته ولماذا قيل يكتشف اسرار التجربة الانسانية فيه, فالعرب تقول في امثالها (رجع من سفره بخفي حنين) وحكاية المثل ان حنين هذا اسكافي من اهل الحيرة ساومه اعرابي بخفين فاختلفا, فاراد الاسكافي ان يغيظ الاعرابي, فلما ارتحل اخذ حنين الخف الواحد فألقاه في طريق الاعرابي, ثم القى الآخر في موضع آخر, فلما مر الاعرابي بأحدها قال: ما أشبه هذا بخف حنين ولو كان معه اخوه لاخذته, ومضى.. فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول فأراح ناقته عند الاخر ورجع إلى الخف الاول وقد كمن له حنين, فلما مضى الاعرابي عمد إلى راحلته وما عليها وذهب به, واقبل الاعرابي وليس معه غير الخفين, فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك؟ فقال: جئتكم بخفي حنين, فضربت مثلا.. وتقول العرب في امثالها ايضا عند توافق الاشياء (وافق شن طبقه) وحكاية المثل ان شن هذا رجل من دهاة العرب وقد الزم نفسه الا يتزوج الا بامرأة تلائمه, فأخذ يجوب البلاد في ارتياد طلبه, فرافق في بعض اسفاره رجلا, فقال له شن: اتحملني ام احملك؟ فاستجهله الرجل وكان شن يعني بذلك اتحدثني ام احدثك حتى نميط عنا كلال السفر, واردف وقد رأيا زرعا مستحصدا: أأكل هذا الزرع أم لا, واراد بذلك هل بيع فآكل ثمنه, ثم استقبلتهما جنازة فقال له شن: أحيّ من على هذا النعش أم ميت, وعنى بذلك هل له ولد يحيا به ذكره .. فلما بلغ الرجل وطنه وشن هذا معه, سألته بنت له اسمها طبقه عنه, فعرفها قصته وجهله عندها, فقالت: يا ابت ما هذا الا فطن داه, وفسرت له اغراض كلماته, فخرج إلى شن وحكى له قولها, فخطبها فزوجها اياه وحملها إلى اهله, فلما رأوها وعرفوا ما حوته من الدهاء والفطنه قالوا: وافق شن طبقه فذهب قولهم مثلا. والقصص والحكايات على امثال العرب متعددة وكثيرة ويكاد لا يخلو مثل من حكاية تروى أو بيت شعر يقال, والحال ينطبق على امثلتنا الشعبية التي تتوارثها الاجيال ايضا, اذ نكتشف ان وراء كل مثل رواية ووقفة وتجربة .. والسؤال لماذا لا تولد حكاياتنا ومواقفنا وتجاربنا اليومية المعاشة امثلة تتوارثها الاجيال؟