.. واتى الليل علينا في الصومال, ولانها اول ليلة, كانت بألف ليلة, حاولنا ان نعاند اجسامنا المتعبة ونزيدها ارهاقا بمقاومة النعاس, خيوط الظلام اوهمتنا ان النوم قريب وما علينا الا الاستسلام الا ان النوم لايأتي لك هناك, وكيف ينام الخائف, ومن لايخاف في ليل الصومال ؟! تخاف من كل شيء, السماء وما قد يتحرك فيها, الارض التي من تحتك, حتى ظلك اذا انعكس تحت ضوء كاشف, يخيل لك انه شر متربص بك. قررنا النوم لان الجميع نام, مطمئنين او هكذا نحاول, بأن خيمتنا في الوسط تحرسها خيام المعسكر من كل جانب, وان أعين جنود الحراسة واسلحتهم ستكون مستيقظة طوال الليل, فلا داعي للخوف. اول الليل, شعرنا برؤوسنا تتناطح عند الوتد القائم بمنتصف الخيمة, فجأة قمنا مذعورين على اصوات مدافع واطلاق نار متواصل. ماهذا وماذاحدث؟ نور المصباح الذي اشعلنا فتيله جلب مجموعة من عساكر الخيام المجاورة واجابونا انه امر يتكرر في معظم الليالي, لاتقلقوا كثيرا, انه اشتباك بين مجموعة من الفصائل المتحاربة بعضهم البعض, او مع مجموعة من القوات الدولية, المعسكرة بالقرب من الميناء. وعدنا للنوم, نحاول ان نقترب منه, وبعد تردد جاء لنا, فنام بعضنا, وتظاهر البعض انه كذلك. الصدمة الثانية جاءت بعد منتصف الليل, وكان دويها قريبا منا هذا المرة, ولم نشعل فتيل المصباح كالمرة الماضية, بل خرجنا مهرولين هاربين من الخيمة, وكانت خيام اخرى على اطراف المعسكر اشعلت ضوءها تلك اللحظة, فشعرنا ان معسكرنا في خطر. ظنونا كانت واسعة ايضا هذه المرة, والخوف الذي حل فينا مبالغ فيه. احد الضباط ابلغنا ان صوت الرصاص الذي سمعناه كان عبارة عن طلقات تحذيرية لمجموعة حاولت التسلل الى داخل المعسكر, اما الصراخ والضوضاء فلانهم اقتربوا اكثر, وحاولوا الدخول, وبالفعل تم القبض عليهم, انهم مجرد صبيان صغار لايتعدى عددهم ثلاثة او اربعة. لعنا في دواخلنا الشيطان ووساوسه, والخوف وما يفعله بالانسان, وتعجبنا من هذا البلد الذي لم يسلم فيه حتى اطفاله الصغار! في صباح اليوم التالي, وقفنا على البوابة الرئيسية للمعسكر, شاهدنا جموعا غفيرة من اهالي الصومال, يبحثون عن غذاء او دواء او الاثنين معا, ووقف ابناء بعثة الامارات يؤدون واجب هذه الرسالة العظيمة, مبتسمين, مشفقين على حال المرضى منهم. وجاء موعد الغداء اراد المسؤول عن شؤون التغذية ان يعوضنا عن حال البارحة, وان يغدينا وجبة دسمة, خيرنا بين الدجاج واللحم والسمك, وصنف آخر اسمه لحم غزال, اخترنا الاخير, فهذا سمعنا عنه كثيرا, وقرأناه اشعارا وغزليات. ان تأكله طازجا وليس مجمدا او مغشوشا, هذه رغبة لم تخطر على البال, واين, في الصومال الجائعة... ياللعجب! وجاء موعد الغداء, واكلنا لحم الغزال, لاشيء فيه مختلف, غير اسمه والنشوة التي تسكننا بتذوق هذا اللحم المرسوم دائما بالغزل والجمال والتمني. وعرفنا بعدها ان ثمن الغزال قد يساوي سعر الدجاجة, وقد يكون الخروف اغلى منه, وغزال الصومال في ارتفاعه وحجمه مثل التيس الصغير, ولان سعره وحجمه يغريان بالاقتناء, فإن حلمنا تركز ان نعود من الصومال بقطيع غزلان, وحدث في رحلة العودة ان تأبط كل واحد منا غزالين انثى وذكرها, بهدف التوالد والتكاثر طبعا, احداهما على يمناه والثانية في شماله ويجر خلفه شوال بطيخ احمر, ومن ذاق بطيخ الصومال لايظن انه توجد ارض في هذا العالم تثمر اطيب واحلى من هذا البطيخ. فرحة الغزلان لم تدم طويلا, مجرد رفقة سفر ففي المطار تمت مصادرتها حماية للثروة الحيوانية بالدولة, خوفا من ان تكون غزلان الصومال موبوءة. ولم تنفع محاولاتنا, وودعنا غزلاننا ومعها احلامنا بمزرعة ضخمة وقطيع وفير, وحببت في الناس ان فلانا صاحب غزلان غريبة عجيبة! في اليوم الثاني من وجودنا في الصومال, تقرر ان نخرج من محيط المعسكر, ونشاهد البلد وما فيه على الطبيعة رأينا كيف يجوع الناس وقربهم البحر, يرمي اسماكه على الساحل دون جهد. كيف تعمل المرأة ويجلس الرجل في (المقيل) وكيف يهرب موز الصومال, لايطعمه اهله ولايشاهدونه الا محملا يتحرك بعيدا عنهم في عرض المحيط. في الاستراحة المقبلة نكمل الرحلة.