مساء الاحد: في مكتبة القاهرة:بهجة لم تواتني منذ زمن طويل, اثق ان كل شخص من الحاضرين كان في وضع نفسي مماثل, لم ار قاعة مكتبة القاهرة مزدحمة كهذه الليلة, كل من الحاضرين, رمز في مجاله . على المنصة محمد حسنين هيكل, يدير الاحتفالية, أو الندوة, والكاتب الكبير من النادر ان يظهر في اجتماع عام, رأيته كمتحدث, لكنني لم اره كمدير لاجتماع عام بهذا الحجم, لقد جاء من اجل احمد بهاء الدين, وكل حاضر هنا جاء من اجل بهاء, ذلك الانسان النبيل, الجميل, الذي قدر لي ان اعرفه عن قرب لسنوات عديدة, وان اعرفه اكثر من خلال تلاميذه وزملائه. على المنصة المستشار طارق البشري, ويمكنني اعتباره من عقلاء الامة, عمل بالقضاء حتى تقاعده, لكنه مؤرخ رصين, ومؤلفاته من مكوناتي الروحية, إلى جوارهما زياد احمد بهاء الدين, وانني لأعجب حقا سمات الوراثة وخصائصها كأن الراحل الكبير يطل علينا من خلال ابنه, النظرة المتأملة, الهدوء, الدماثة, البساطة في التعبير, حقا, كما يقولون بالعامية (اللي خلف ما ماتش) , في القاعة ابرز وجوه المثقفين المصريين, كل منهم جاء بمبادرة ذاتية, لا حشد, ولا سماسرة, انما سعي شخصي لاحياء ذكرى عطرة لانسان كان بمنزلة الضمير للامة العربية كلها وليس لمصر فقط. اللقاء الذي جمع محبي احمد بهاء الدين, نظمته الجمعية التي تحمل اسمه, وتضم ابناء جيله, وتلاميذه, ومعظمهم من الشباب, في ذكرى رحيله تعلن نتيجة المنح التي تقدم لخمسة ابحاث في موضوعات عامة, اول الفائزين فنان وناقد تشكيلي عرفته عن قرب خلال عمله معنا في اخبار الادب, وكانت كتاباته مفاتيح هامة لآلاف القراء كي يدركوا اسرار الجمال في الكثير من اللوحات الفنية المنشورة, انه الفنان ناصر عواد الذي يعمل بالامارات الان, قامت السيدة قرينته وشرحت البحث الذي تقدم به زوجها عن فن الرسم الصحفي في مصر, شذى من فلسطين باحثة شابة قدمت بحثا عن القدس, وما يجري فيها من تحولات, أمينة النجار خريجة الجامعة الامريكية دار بحثها عن ابداع المرأة. نلاحظ ان الموضوعات الفائزة تدور حول محاور كانت تتمثل هموم احمد بهاء الدين, الصحافة, القدس, المرأة, الفن والمجتمع, قال الاستاذ هيكل ان كتابات أحمد بهاء الدين كانت عميقة التأثير رغم ان كتبه قليلة, وانه كان قادرا على توصيل اعقد الافكار بابسط الاساليب, اما طارق البشري فتحدث عن تأثير دراسة القانون على الراحل الكبير, خاصة دراسة الفقه, ودراسته للتاريخ المصري, كان يستوعب ويحلل ويصل إلى المواقف الثابتة, فقد يختلف البعض مع مرتكزاته الفكرية, ولكن الخلاف كان يبقى دائما على النطاق الذهني, دائما كان يشد المخالفين معه إلى اعلى, ولا ينزل معهم إلى ما يعد تدنيا لمستوى الحوار, قيمة الحوار الراقي اهم ما علمه بهاء للاجيال الجديدة, ركز الاستاذ هيكل ايضا على هذه النقطة وقال انها تتضح الان. بعد عرض الفائزين لمشروعاتهم, وتسلمهم الجوائز, كل منهم خمسة آلاف جنيه, طلب عدد كبير من الحضور الكلمة, وحدد الاستاذ هيكل عددا من المتحدثين لايضاح قضايا مطروحة على الضمير. الدكتور محمود عبدالفضيل استاذ الاقتصاد بالجامعة الامريكية, تحدث عن ظاهرة الفساد المصاحبة لعملية العولمة, ربط بين وظيفة الفساد وتشويه ملامح الاوطان ذات الخصوصية عن طريق تفكيك القيم والتقاليد التي تشكلها, وتحدث عن انواع الفساد ووظائفه. الكاتب السياسي محمد سيد أحمد تحدث عن الموضوع الذي يشغله باستمرار (الماء) وارتباطه بمستقبل الشرق الاوسط والعلاقات فيه, وحذر من التغاضي عنه حيث ان المنطقة تواجه شحا في مصادر المياه. الدكتور جلال امين تحدث عن البنك الدولي وتوجيهاته المستمرة التي لا تتغير وازمة الدولار, اما الدكتورة عائشة راتب فنبهت إلى التغير الخطير في سياسة حلف الناتو, والتي اصبحت الدفاع عن المصالح, وليس الامن الاوروبي فقط. كلمات موجزة لقمم فكرية وثقافية, كل منهم علم في مجاله, وكل منهم يحمل في ثناياه قبسا من روح بهاء وقيمه التي علمها لنا. منطق الطير هيامي بالطيور قديم, منذ ان فتحت عيني على سماء القاهرة التي يعتبر اليمام جزءا من وجودها, وحلية لا تنفصل عنها, ويعد هديل يمامة الظهيرة من علامات ذاكرتي وضوابطها, وقد كان مثيرا لشجني باستمرار, ولتأملي. ولو أنني وضعت كتابا يوما في الاصوات التي عرفتها واثرت فيّ لكان هديل تلك اليمامة المغتربة في طليعتها. كثيرا ما كنت اسأل نفسي: بأية لغة تشدو, وماذا تقول؟ لم اتصور يوما انني سألقى من يفهم لغة الطير, الى ان نزلت مراكش عام خمسة وتسعين وتسعمائة والف, واقمت فيها بضعة ايام بدعوة من بعض رجالها الصالحين, ومن بين الذين تعرفت عليهم ثلاثة رجال من اهالي مراكش القدامى, يفهمون لغة الطير وكان احدهم متقنا للغة الحسون بالذات. يحاوره فيرد عليه, ويزقزق له فيجاوبه, واخبرنى بأحواله, فللطائر حالاته, تماما كالبشر احيانا يكون فرحا, مسرورا واحيانا يكون راضيا, جزلا, وقد ينتابه الاسى. وقد عاينت ذلك بنفسي في بيت مولانا السمرقندي شيخ طائفة الصوفية الشاذلية وخادم ضريحها سيدي الجزولي, رأيت الرجل الاسمر الطويل, مرتديا النظارة الطبية, يجلس وسط الجمع, كان يتحاور مع طائر الحسون, كأنه يسأله ويجيبه, واذا اغمضت عيني لا اقدر على التفرقة بين الصوتين, واخبرني الرجل انه يكتسب رزقه من الوقوف بساحة الفناء, وعلاج الطيور الجريحة او العليلة, وانه لذلك معروف بطبيب الطيور, لكنه لم يفصح لي عن سره قط, ولم يعلمني لغة الطير. من دفتر العشق والغربة البلدة اكبر من قرية واصغر من مدينة, تقع الوحدة الانتاجية فوق موضع خارجها, بناء قديم تحول الى مقر, آخر ما يخطر على بال أي انسان مواجهتها في هذا المكان المتواضع, ان يواجه جلالا قائما مؤثرا, غير ان هذا ما جرى لي, حتى الآن لا ادري لماذا ااتجهت الى تلك الوحدة نسيت السبب المؤكد ان مصنع السجاد الذي اقصده في مكان آخر.. الوحدة تتبع الشؤون الاجتماعية, لا ادري ايضا.. من صحبني او صحبت من؟ غاب كل ما عداها.. وحتى الآن اذا ورد هذا البلد على خاطري او مررت به او سمعت فلا ارى غيرها, استعادة اللحظة الاولى من الاسباب! تتداعى عندي اوصاف مرمرية فيضها خميرتها الباقية اشعاعها الذهبي على ما عداها سوقها.. تلألأ ثغرها اذ تنفرج شفتاها الريانتان, المرتويتان, المتوردتان, المتأهبتان, الخفرتان, الداعبتان, الحافتان, المنذرتان ايضا, حضورها يؤنث المكان, معها لا يمكن النظر الى ارض او سماء او جدار او عتبة.. لشدة بثها لا يمكن الشخوص اليها.. انما يضطر الانسان الى الحيرة بعينيه, كيف الامر اذن مع الدنو وعند الشروع في لمسها. عيناها طازجتان, رأسها مشرع, جبهتها مرفوعة, اما صاريها فأشم, ورغم الهيبة وحيازتها سلطة الجمال الرادعة, إلا انها حانية, دافئة النطق كحليب النوق الفائر الخارج لتوه من تلافيف الضرع وامضيت سنوات متتالية لا استدعي نبره إلا ويستنفر القشعريرة داخل فقرات ظهري مع تقدمي عبر الزمن او تقدمه بي.. راحت ملامحه تنأى.. هذا عهدي.. بالاصوات, انها اول ما يغيب, اول ما يشحب من الملامح, هذا ما فصلته في كتاب التجليات فليرجع اليه من شاء فلم أقدم على تدوينه إلا اشهارا للقدرة الانسانية في مواجهة النسيان, راح مني صوتها غير ان فيضها مازال مدركي. بقدر ما كان وجودها حاضا.. آمرا.. محرضا على البقاء.. في الحياة الدنيا وليس في مدارها فقط.. بقدر ما كنت مضطرا الى الذهاب.. الى المغادرة.. ولم يكن ظرفي مساعدا على بقائي بحضرتها, ولزومي بلاطها. لحيظات دام اللقاء, خلالها عمق ايماني وثبت قلبي لكن احزاني المبكرة ملكت طرقا مستحدثة علي, لكم فاجأتني في اوقات انفرادي خاصة في اسفاري او عند جلوسي امام البحر. العجيب انني رغم استيعابي لاثارة جسدها إلا انني لم استدعها الي عارية قط.. رغم تعرفي على قسماتها مع حشمة الثوب, لم ارها إلا واقفة رغم انها كانت قاعدة دانية. بمجرد ظهورها انحنى ولو كنت في جمع, اطأطىء هامتي حتى لو ضمني حشد, اقوم باداء مراسمي عند ظهورها لي تماما رأيتها اول مرة وحديثي في ذلك يطول غير انني اقصر خشية الاملال. الاضداد وقد روي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه انه ناظر رجلا هنديا على رأي الثنوية, الى ان اضطره الى ترك مذهبه فكان مما قال له جعفر: هل تعلم شيئا لا مضرة فيه؟ , فقال الهندي: نعم نعلم هذه الاطعمة التي تشد العظام وتنبت اللحم, فقال له جعفر: افلست تعلم ان هذه الاطعمة هي التي تغير الوانهم وتهيج اسقامهم حتى يكون منها الجذام والبرص والسلال ونحوها. قال: بلى, قال افتعلم شيئا ضارا لا منفعة فيه, فقال: نعم هذه السهام القاتلة, فقال له جعفر: افلست تعلم تتصرف في الادوية التي يدفع بها الله الاوجاع والاسقام وان الترياق لا يصنع الا من لحوم الافاعي والحيات التي تزعم انها ليست من خلق الله تعالى, فقد فسد عليك قولك في استدلالك بما ذكرت ان للعالم خالقين وثبت ان خالق احد الضدين هو خالق الآخر, اذ لا تتم الحكمة إلا بخلقهما معا. شرح البطليوسي ـ لزوميات أبي العلاء