أتصور أن البعد التنويري من مجلة (العربي) في زمن تأسيسها ـ كان الدافع وراء مقالة أحمد زكي رئيس تحريرها الاول , في العدد الأول تحت عنوان (الزيت أم الذرة) . وهي احدى المقالات الرائدة في النظرة المستقبلية, خصوصا من حيث السؤال الذي طرحته (سنة 1958) والذي يقول: (كان الزيت, في ادارة عجلات الصناعة العالمية, وحده تقريبا, المنافس في الميدان, وبغتة ظهرت الذرة منافسا قويا, فهل تلحق به عام 1970 كما يقدر الخبراء؟) . صحيح ان تقدير الخبراء لم يتحقق سنة 1970, ولا حتى سنة 1998, بعد أربعين سنة من صدور العربي, ولكن استخدام الذرة في مجالات العلم قد أدى الى كشوف هائلة, حتى في مجال مرض السرطان الذي ذكرت المجلة ما قاله الطب فيه سنة 1958, في موازاة احتفالها بمرور مائة سنة على مولد مكتشف الفيتامينات, فضلا عن اخبار العلم والعلماء وهي اخبار أرادت (العربي) بها أن تتسع بأفق القارىء, وتدخل العلم في ثقافته على اساس ان العلم مكون اساسي من مكونات ثقافة الاستنارة, وعلامة بارزة من علامات الوعي القومي الذي يتزود بالعلم للحصول على استقلاله, ويتسلح بحرية العقل لكي يؤكد اشكال تحرره. وكان ذلك كله متسقا مع مناخ سنة 1958 بشعاراتها التي امتلأنا بها, والتي دفعنا الايمان الحماسي بها الى الحديث ـ ليل نهار ـ عن معاني الحرية التي أخذت شكل العداء للاستعمار وأعوان الاستعمار, وعن معاني الوحدة التي تعيد المجد العربي الى ماكان وعن معاني الاشتراكية التي تحقق العدل الاجتماعي في صوره الانسانية. وكانت العربي تؤكد معاني الوحدة والحرية القومية منذ عددها الأول, ذلك العدد الذي تضمن استطلاعا حماسيا مصورا بعنوان (يوم مع جيش التحرير الجزائري) . وأحسبني تعرفت من هذا الاستطلاع على ما لم أكن اعرفه عن اخواننا المجاهدين في الجزائر من أجل الحرية والاستقلال. وكان الاستطلاع كله تحت عنوان (تحية الى جيش التحرير الجزائري) . وتستهله كلمات تقول: (ستستقل الجزائر أرادت فرنسا أم لم ترد! إن معركة الجزائر هي معركة العرب الذين يسيرون اليوم على طريق التحرر, ولن يبلغوا حريتهم الكاملة إلا اذا تحرر الجزائر وكل قطر عربي يرزح تحت اثقال الاستعمار) . ومقابل هذه الكلمات كانت صورة لامرأتين من الجزائر, ترتديان لباس المقاتلين, سافرتين دون حجاب لا يغطي رأس كلتيهما سوى (كاب) المقاتلين من اجل غد افضل, وكانت هناك صورة لفتاة مقاتلة صبيحة الوجه, ما كان يمكن لوجهها الصبوح ان تفلته عيناي المراهقتان في ذلك الزمان البعيد, حتى لو كانت الفتاة تحمل مدفعا رشاشا. وكان تحت الصورة كلمات تقول: (حيا الله المرأة الجزائرية, لقد تركت التوليت والمانيكير, واخذت مكانها في الاحراش. وبين يديها المدفع الرشاش) . وبدت الصورة في معناها السياقي, خصوصا حين اتطلع اليها,الان, من حيث هي علامة. كما لو كانت اجابة عن سؤال مبسوط على صفحتين, تقول كلماته: لماذا فشل نصف مليون جندي فرنسي في اخماد الثورة الجزائرية؟ وما أذكره انه بقدر ما أثار التوحد مع الثورة الجزائرية حماستي الحارة, مع بقية ابناء جيلي, للارتباط وجدانيا بأبطالها, ومن ثم التغني ببطلاتها من النساء المناضلات امثال جميلة بوحريد التي كانت رمزا للمرأة العربية الطالعة من زبد المد القومي. اثار هذاالتوحد ترابطاته العاطفية والحماسية عن تلازم الحرية والوحدة والاشتراكية, خصوصا حين كانت الاشتراكية تعني العدل الاجتماعي, وتومىء الى البلدان الصديقة التي اعانتنا على التحرر من الاستعمار. وما كان لمجلة (العربي) ان تغفل معاني العدل الاجتماعي الشائعة على الألسنة, وهي المجلة التي ارتبط وجودها بتجسيد معنى عدالة توزيع الثقافة القومية في السياق التاريخي لشروط تولدها. ولذلك تحدث احمد زكي في افتتاحية العدد الاول عن معنى الاشتراكية موصولة بالفكرة العربية كما تفهمها (العربي) وقال بصراحة حاسمة إن العربي تتوسط بين المذاهب, ولا تتورط في اشتراكية مفرطة, وسمّها ماتشاء. ولا في ديمقراطية مفرطة, واوضح ذلك بقوله: إن (العربي تؤمن بحرية الفرد في الحياة, وهي كذلك تؤمن بحرية المجموع, ولا ترضى بان تطغى عليها حرية الفرد فتذهب بها. انها موازنة دقيقة بين شيئين. وهي موازنة عسيرة في ظل الجهل والفقر والمرض, وهي على أصداء التاريخ مزعجة, ولكنها يسيرة أعظم اليسر, على الرزق الطيب عندما يغزو الفقر, وعلى الصحة عندما تغزو المرض, وعلى نشر الثقافة, تلك الثقافة التي تعتز العربي بأنها تشارك بنصيب في نشرها, وانها نصيبها الأكبر فيما تريد ان تسدي به من الخير الى أبناء الوطن العربي وبناته) . وعندما تعيد عيناي مصافحة هذه الكلمات, الآن, وانا أكتب هذه الخواطر المرسلة, اتذكر الوسطية الفكرية والاجتماعية التي سعى جيل طه حسين والعقاد الى تأصيلها والتعادلية التي حاول توفيق الحكيم صياغتها. ولم يكن احمد زكي بعيدا عن ذلك الجيل, بل كان ينتسب اليه بأكثر من معنى, وينظر صوره مع أبنائه في المجلة ــ خصوصا طه حسين والعقاد ــ تأكيدا لوحدة المنزع العقلي, وابرازا لخاصية الاعتدال الذي هو توسط سلمي بين النقائض والاضداد المتصارعة للتوفيق بينها. تلك كانت الأسس التي قامت عليها مجلة (العربي) , كلها تبدأ من تصاعد الوعي القومي الذي كان قد وصل الى ذروة حماسته وتفاؤله سنة 1958 بعد حرب السويس. وكلها تبين عن الشروط التاريخية التي ارتبطت بها المجلة. هدفا وخصائص وصفات, مؤكدة البعد الانساني للعروبة, والصفة العقلانية للوعي القومي, ونزوع الاستنارة الذي لا يعرف التمييز بين المعتقدات والديانات السماوية, ويسعى الى عدالة توزيع المعرفة المقترنة بمعنى من معاني العدل الاجتماعي في دلالاته الاصلاحية. وعندما استرجع هذه الأسس بعد أربعين سنة من علاقتي بهذه المجلة التي اعترف بدورها الكبير في تكويني الثقافي, وأتذكر المعاني التي حملها اليّ عددها الأول, واستعيد ذكريات هذا العدد باعادة قراءتي له بعد أربعين سنة, أجد ان هذه الأسس قد استقامت لمجلة (العربي) في مسيرتها الطويلة, وانها تحولت الى ثوابت لم تتزعزع جذورها عبر أربعين عاما, فقد تحولت هذه الأسس الى ما يشبه وثيقة شرف مضمرة التزم بها رؤساء تحرير العربي في عهودها الثلاثة التي بدأت بأحمد زكي الذي خلفه أحمد بهاء الدين, وتبعهما باحسان الصديق محمد الرميحي. وأتصور ان هذه الأسس قد دعمها حرص أحمد زكي على الفصل بين الثقافي والسياسي, ووضع الثقافي موضع الصدارة في المجلة التي لم يرد لها مؤسسوها ان تكون سياسية بحال من الأحوال, وإنما أرادوا لها أن تكون ثقافية في توجهاتها, كي تكون قادرة على تصويب السياسي إذا جرفته الحماسة الانفعالية بعيدا عن التعقل. وكان هذا الموقف من أحمد زكي منطويا على بصيرة نافذة, فما أكثر تجليات الثقافة التي أفسدتها السياسة, خصوصا عندما خضع الثقافي الى السياسي واستجاب الى تقلباته أو اندفع وراء شعاراته المتغيرة. ولم يكن أحمد زكي غافلا, في الوقت نفسه, عن الصلة غير المباشرة بين الثقافي والسياسي, ولكن في المستويات التي تبقي على التمايز بين الدوائر, ولا تؤدي الى الخلط أو التداخل أو الهيمنة والتسلط, فتبقي على الوعي الثقافي حياده الذي لابد منه لكي يتمكن من القيام بدوره النقدي. ولكن ما كان يمكن لأحمد زكي أن يمضي في حياده العقلاني حتى النهاية, ويصل الى الدرجة الحدية في الفصل بين السياسي والثقافي, وكيف كان يمكن أن يفعل ذلك وكل شيء في عالم الخمسينيات كان يتنفس سياسة, وكانت الأمة العربية كلها تخوض أعنف وأمجد معاركها في هذا القرن للحصول على استقلالها والتحرر من الاستعمار الى الأبد؟ ولذلك كان لابد للسياسة أن تقتحم (العربي) الوليدة, وأن تتجاور مع الثقافي الذي حاول أن يدافع عن استقلاله الذاتي في مواجهة السياسي, وكان ذلك بكثرة كاثرة من موضوعات الآداب والفنون والعلوم والمنوعات التي ظلت محافظة على موضع الصدارة من أعداد (العربي) .