علاقة الناس مختلفة بالكتاب, وانا من الذين يشترون الكتب ليقرأوها. وبالطبع تفلت كتب كثيرة من هذا القصد. كأن تشتري الكتاب ثم تكتشف ان عنوانه قد خدعك, او ان الكتاب نفسه ثقيل الظل او غير ذلك من الاسباب . ولان المكتبة ضاقت بما فيها من كتب, فلقد بدأت انقل معظمها الى شقة نائية في مدينة 6 اكتوبر التي تعتبر ضاحية للقاهرة, وبالطبع انقل اليها الكتب التي لا احتاج اليها او اتخيل انني لا احتاج اليها. اريد من ذلك كله ان اقول لك ان هذا الكتاب الذي احدثك عنه اليوم كان امامي وبين يدي منذ سنوات لا ادري عددها. وان كان قد صدر منذ عام 1971 ومع ذلك فانا لا اذكر انني رأيته. وبالطبع لم اقرأه, وخيل الي في لحظة ان احدهم دسه علي, وان كنت اعرف ان الناس لا تدس على الآخرين كتبا وبالطبع لم اكن قرأت الكتاب وقت صدوره او بعد ذلك, فأنا اعود وأؤكد انني لا اذكر الكتاب رغم انه في مكتبتي. والكتاب يتناول موضوعا غريبا وهو تحضير الارواح, ولذلك لا اذكر انني اشتريته, فأنا لا أؤمن بهذا. وليس من الممتع بالنسبة لي القراءة في مثل هذه الموضوعات. ومؤلف هذا الكتاب هو الدكتور رؤوف عبيد, وانا لم التق ولا مرة واحدة بالدكتور رؤوف, لكنني اعرف عنه الكثير فلقد كان استاذا للقانون في كلية الحقوق ـ جامعة عين شمس, ورغم انني كنت انتمي الى جامعة القاهرة, إلا انني كنت كثير التردد على كلية الحقوق لما كان فيها من نشاط مسرحي خاصة عندما كان من طلبتها كرم مطاوع ثم محمود ياسين, وسمعت من الطلبة لاول مرة عن رؤوف عبيد وكيف انه استاذ متمكن. وبعد سنوات بدأ اسمه يرتبط بعالم الارواح, ولم اصدق ذلك في البداية. وظننت ان بعضهم زج باسم الدكتور فيما لا يهتم به, ليقيني ان الدكتور رؤوف رجل علم, وان تحضير الارواح خيال في خيال, وهذا ما ظننته ومازلت اظنه حتى الآن. والكتاب بعنوان (عروس فرعون) وعروس فرعون هي مسرحية كتبها احمد شوقي بعد وفاته! ولهذا احدثك هذا الحديث.. واحمد شوقي هو اكبر الشعراء العرب في العصر الحديث واكثرهم تعرضا للهجوم حتى انه يعتبر محكا للادباء فإما انك معه او انك ضده. ومن اضافات احمد شوقي المسرح الشعري الذي ارتبط به سنوات طويلة (مجنون ليلى) و(مصرع كليوباترة) و(قمبيز) و(عنترة) و(الست هدى) وغيرها. ولقد سار على دربه عزيز اباظة وغيره من الشعراء فلم يبلغوا شأوه حتى كان المسرح الشعري الحديث متمثلا في عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور وغيرهم. مات احمد شوقي في عام 1932 ثم رغب في ان يستمر في قول الشعر ـ حتى بعد ان شبع موتا ـ فعاد في عام 1949 يلقي الشعر على وسيطة روحية هي زوجة الدكتور سلامة سعد, ولا نعرف عنها الكثير, بل لا نعرف اسمها واخذ احمد شوقي يهمس بالشعر للوسيطة سنوات ثم اختصها بهذه المسرحية (عروس فرعون) في عام 1965. ولقد قرأت المسرحية واؤجل ابداء رأيي فيها الى نهاية هذا الحديث, وما يشغلني اكثر آراء آخرين بالتأكيد هم اكثر خبرة مني في هذا الموضوع, ويبدو ان المؤلف قد عرض شعر شوقي بعد موته ومعه عروس فرعون, على عدد من الثقاة ليقولوا رأيهم فيه. الدكتور ابراهيم انيس كان عميدا لكلية دار العلوم وكان متخصصا في الصوتيات واللغويات قال انه يجد في شعر ما بعد الموت, ما يؤكد انه من شعر شوقي ثم تهرب وقال انه يترك الامر للمختصين. الدكتور احمد الحوفي الذي كان استاذ الادب العربي في دار العلوم حصر اوجه الشبه بين شعر شوقي في حياته وبين شعره في مماته, وقال ان هناك تشابها كبيرا ثم قال اسجل في صراحة وجلاء ان وراء هذا سرا لا اعلمه. الدكتور احمد الشايب استاذ الادب العربي في كلية الاداب ثم في دار العلوم اكد التشابه الكبير بين شعر شوقي في حياته وبين شعره في مماته. والشاعر الصوفي الوكيل أكد التشابه لكنه اشار الى عيوب في النظم ما كان يقع فيها شوقي في حياته, كما المح الى ان موسيقى الشعر بعد الرحيل اقل مستوى من موسيقى الشعر قبل الرحيل. ونعبر بعض الشهادات لنصل الى شهادة الدكتور شوقي ضيف, ولعل هذه الشهادة هي دافعي للاهتمام بهذا الكتاب, وطرح هذا الموضوع الذي اعتبره ابعد ما يكون عن اهتمامي. والسبب في اهمية شهادة شوقي ضيف انه رئيس المجمع اللغوي لسنوات طويلة, فضلا عن انه استاذ سابق للادب العربي في كلية الآداب, ولقد تلقيت على يديه محاضرات في الادب عندما كنت طالبا في الجامعة. ونقطة اخرى هامة وهي ان الدكتور شوقي ضيف من المهتمين بشعر احمد شوقي وله كتابات كثيرة في هذا الموضوع بينها كتاب بعنوان (شوقي شاعر العصر الحديث) فنحن ـ بالتالي ـ امام خبير لا يختلف عليه احد. وهنا سألتزم بنص الشهادة الدكتور شوقي ضيف لما قد يكون فيها من لمزات او ما اظنه لمزات. (اعجبت بما نظمت السيدة الجليلة حرم الدكتور سلامة سعد من اشعار تمثلت فيها روح شوقي الشاعر الكبير, وهي ـ لاريب ـ تمثل شعورا متدفقا بأن روح شوقي تتراءى لها وتملي عليها) . فهنا ورغم انحياز شوقي ضيف وحتى في سطور سبقت ما نشير اليه, إلا انه يعطينا انطباعا ـ وهو رجل اللغة بأنها قد تتمثل روح شوقي وتظن انها تملي عليها. ثم يقول: (وفي رأيي ان السيدة الفاضلة ذات بصيرة شعرية قوية اتاحت لها ان تتمثل في قوة روح شوقي تمثلا حيا نادرا..) هنا الاشارة واضحة الى انها تتمثل روح شوقي.. وبالتالي فهي ليست وسيطا يملي عليها احمد شوقي بنفسه. ثم يلاحظ ملاحظتين هامتين: الاولى (ان طائفة من الابيات تهبط عن مستوى شوقي لما يجري فيها من بعض هنات عروضية, ولما يشعر بها من ضعف في الصياغة والنسيج اللفظي) . وهي ملاحظة سبقت الاشارة اليها. اما الملاحظة الثانية فقد صاغها بشكل غامض ـ وهو رجل اللغة ـ ويريد ان يعبر بها عن دهشته باهتمامات شوقي الآنية, أي وهو في العالم الاخر. (كأن تكتب عن قصيدة في زفاف احدى حفيداته, ... او قصيدة بمناسبة الاحتفال بذكراه في سنة 1958) . والشهادات بعد ذلك لعدد كبير من العارفين بهذا الموضوع ومنه: عادل الغضبان وعزيز اباظة وعلي الجندي وطاهر الجبلاوي وعبدالمنعم خفاجي وغيرهم من اساتذة زمانهم. وقد يلفت نظرك هذا الحشد الذي جمعه مؤلف الكتاب ليدلل على ان احمد شوقي مازال يملي قصائده, وقد يلفت نظرك ـ كما حدث لي ـ هذا الحماس الشخصي الذي يضغط به لكي يرجوك ان تصدق ما يقول, ومن ذلك انه يفتتح كتابه بصورة لجلسة روحية كبيرة يقول انه تمت فيها اتصالات بأرواح ثم يعلق: (... ومتى تتراجع المكابرة لحساب الفهم الصحيح للامور ولمصلحة ازدهار العرفان, وسلام العقل والوجدان) . واغلق هذا الكتاب, لاقول لك رأيي, رغم يقيني انه لن يغير من رأيك في هذا الموضوع. انا أؤمن ببعض المسلمات اولها اننا نجهل الكثير, وان في الدنيا ظواهر من الصعب تفسيرها, وايضا أؤمن ان الروح استعصت على العلم لذلك يحاول وصفها وشرحها, لكنه لا يستطيع تفسيرها او مضاهاتها. واعتقد ان البعض يحتاجون الى المباهاة بأنهم يعرفون مالا يصدقه الاخرون وربما وصل الامر الى احساسهم انهم اصحاب رسالة. وكل الثقاة الذين قرأوا شعر شوقي بعد موته, وقالوا ان هناك تشابها كبيرا هم على حق. فلقد تمثل القائل ــ او القائلة ــ شعر شوقي وقلده وكان الكثيرون يفعلون ذلك ومنهم الشاعر محمد مصطفى حمام الذي قال عنه المؤلف انه قلد جميع الشعراء الا احمد شوقي, ولا ادري من اين اتى بهذا الاستثناء, فلقد حضرت بعض جلسات حمام في صباي وكان يروي قصائد ينسبها الى شوقي وخدع بها الجميع. وكان المقلد ــ او المقلدة ــ ليس في مستوى شوقي فلقد وقع في اخطاء عديدة بررها احد النقاد بأنها اخطاء النقل عن الروح. ولكن الذي لم ينتبه اليه كل هؤلاء الجهابذة هو نقطة بسيطة جدا, وهي ان مسرحية (عروس فرعون) وبقية شعر احمد شوقي, الذي املاه بعد وفاته, وان كان يتماثل مع شعر احمد شوقي في الفاظه وتراكيبه واوزانه الا انه يختلف معه في شيء هو أهم من ذلك كله هي (الروح) التي يتحدثون عنها كثيرا ليست هذه روح الشعر عند احمد شوقي, ولو كان احمد شوقي في حياته قدم هذا الشعر للناس لما اعتبروه اعظم شعراء العصر, ولما بايعوه بامارة الشعر في عام 1927, فالشعر المنقول عنه يفتقد الروح, والاحساس, والشخصية. وما اغرب ان تكون روح احمد شوقي بلا روح!