المكتبة الوطنية الفرنسية كيان معماري وثقافي لا يكشف أسراره بسهولة, على الرغم من كل ما يحيط بها من الجدل والاحتجاج وحتى أعمال العنف التي استمرت الى ما بعد افتتاحها في شهر اكتوبر من العام الماضي . تصل اليها عن طريق معبر الخمسين درجة من درجات السلم التذكاري, تدفع بنفسك في مهب الريح القوية خطوة فأخرى وعندما تريد ان تتجاوزها تتعثر, وربما لا تنجو أيضا من الانزلاق على أرضية متلألئة معرقة بالذهب ومخادعة من الخشب الاستوائي اذا كان الجو ماطرا, هذا اذا استطعت ان تصل الى نهاية المعبر وفوجئت بمنظر رائع لمدينة باريس وأنت تقف على المسطح اللامع. وربما تبينت كذلك بعد العناء وبعد المغامرة ان الفلسفة التي يقوم عليها كل ذلك هي انه لا شيء يأتي بسهولة, خاصة في عالم المعرفة, وهي فلسفة تجسدها عمليا قلة اعمدة الدرابزين وغياب المصاعد وتعليمات الطريق, (من يناضل من اجل الوصول الى القمة لابد وان يمتلك حاسة شبيهة بحاسة جهاز الرادار) يتلمس من خلالها الطريق الموصلة الى المكان الذي يتلهف الى الوصول اليه مهما كانت ذلك شاقا. أحدهم وكان رجلا ملتحيا اخذ يبحث عن الطريق محدقا كالنسر, بعد ان خلع نظارته, كان ينتعل صندلا خفيفا ويحمل حافظة جلدية مربعة أشارت الى انه عامل, لكنه صار يقود رواد المكتبة من دون ان يعمل حتى بذلك, الى ان توقف ورشق المدخل الذي يصل الجميع اليه بنظرة سريعة فاحصة وغاضبة ثم اختفى في الوقت الذي ظهرت فيه المرأة, هي الاخرى كانت عاملة في البرج الاول, واحد من أربعة اركان صممها المهندس المعماري دومينيك بيرو لتأخد شكل (كتب مفتوحة) . المرأة كانت ضجرة وكانت تقول للذين يسألونها عن الطريق للمرة المائة في ذلك اليوم (استمروا في سيركم, انعطفوا الى ما وراء البرج, ستجدون سلما متحركا, لكن حاذروا السقوط!) . يقودك السلم الى المبنى لتشعر بأنك قد وصلت في حقيقة الامر الى داخله. هناك يستوقفك رجل أمن مرتجف ويطلب ان تفتح حقائبك, وبعدها تكتشف أنك تطل على الحديقة الرئيسية للمكتبة حيث توجد في الطابق السفلي الموازي لها تماما قاعة الــ (أو دو جاردان) التي وضعت في خدمة القراء المتمرسين الذين كانوا قبل ذلك كثيري التردد على المبنى القديم للمكتبة ذاتها, والقاعة مكان ضخم ذو جدران من الصلب وقاعة استقبال وقراءة مفتوحتان للعامة, تفتح ابوابها التي تذكر بأبواب الكهوف بواسطة وسائل تكنولوجية حديثة, تكنولوجيا المعلومات, ترى رجلا متقدما في السن يندب الأساليب القديمة التي كانت تعتمد على استخدام تعليمات الطريق. تضغط احد الازرار فتتراءى لك اشارة تقول (توجيه القراء) , كان ذلك يقود الى مكان يشبه مكاتب الامن, تنتظر ثم ينادي عليك حسب ترتيبك, لتسأل عن مهنتك وسبب زيارتك ولن تحصل بعد الاستجواب على بطاقة تؤهلك للدخول حتى تنتظر في طابور طويل. البطاقة تجعلهم يرصدونك بعناية تامة, وهي تفتح امامك باب غرفة المطالعة دون ان تمكنك من الخروج قبل ارجاع الكتاب الذي كنت تقرأه وعليك بعد ذلك اخطارهم بموعد زيارتك التالية ليتسنى لك ذلك. أما غرفة المطالعة فتصل اليها بعد ان تودع مقتنياتك في غرفة الأمتعة. ثم تمر على باب ثقيل تدفعه بكلتا يديك ومنكبك ليفتح لك بتذمر شديد, ويزمجر بعده باب آخر, لتبدو في هذا الموقف وكأنك تمارس لعبة الكاميرا الخفية! تقتحم المكان عبر سلم بالدوار دون ان تقدر على تحديد وجهتك وكأنك تقتحم اجواء كاتدرائية ابت ابوابها ان تفتح لك قبل ان تحجز مكانك هناك. وحينما تنجح في الحصول عليه عن طريق الكمبيوتر يساورك الشعور بأن الحظ لم يحالفك, حيث انه ليس بالضرورة (عالم الأدب) وجهتك كانت هناك دراسات في القانون والاقتصاد والسياسة وكان شيء ما كصمت القبور يلف المكان, وعندما تسأل موظف الاستقبال: كيف أحصل على كتاب؟ يقول الرجل: استخدم نظام الكتالوج واحجز كتابا! ويبدو الامر في منتهى البساطة الى حين يأتيك الرد: انتظر عشرين ساعة! لا شيء في المكتبة الوطنية الفرنسية يأتي بسهولة او يأتيك في اليوم نفسه, عليك ان تنظم نفسك قبل ايام من اجل الحصول على كتاب, الاشياء كلها تعمل بالكمبيوتر وعليك ان تنظر اياما قبل ان يلبي الجهاز احتياجاتك, ولا شيء يهم بعد ذلك حتى المتذمرين من كثرة الاعطال التي يصاب بها هذا الاختراع ومن عدد المرات التي اخذوا يرتادون فيها المكان ثم يعودون خائبين خاليي الوفاض او حتى خاسرين (لم يتمكن احد اساتذة الادب من المشاركة في مؤتمر هام بسبب عطل في جهاز الكمبيوتر!). ولم يجد الباحث السينمائي ضالته من الكتب والافلام في جملة المصنفات الفنية والأدبية, وجدها تحت مسمى علوم! تجاوزات كثيرة, اجهزة تتعطل وأشخاص يقعطون أميالا طويلة ليصلوا الى المكتبة الوطنية عناء يتكبده الجميع. وتجد نفسك تكف عن البحث عن اي كتاب, وتتناول مجلة دورية وتجلس على كرسي أنيق يحيط بك الصمت وبرودة المكان. امرأة كانت قد منعت من الخروج والعودة الى المكان نفسه بسبب اجراءات الدخول والخروج تستوقفك تسألك وتنصحك: لا تغادر قبل ان تسلم ما بيدك! تمر بغرفة تصوير الوثائق المنفصلة مما يوفر جوا من الهدوء لأي قارىء هناك, بعيدا عن زوايا القراءة, لكنها تكون معطلة, فتنتظر ساعة كاملة للحصول على تسع نسخ مصورة, الطابور طويل ومحرج, ثم يصير أكثر صعوبة كلما أتى آخرون جدد. تدلف إلى المقهى, مقهى (كافيه دو تمب) فتصادف إلى جوارك استاذين عجوزين, يتذمران تسمعهما يشتكيان, الأبواب ثقيلة ومدوية, أسعار أكواب القهوة مرتفعة جدا, والمرافق الصحية غير نظيفة يعد ذلك أشياء مخزية منفرة! المكتبة الوطنية الفرنسية صرح معماري رائع, ساحر يتكشف جماله قليلا قليلا, لكنه يعمل بمستوى أقل من روعته, طوابير طويلة ومرهقة, استجوابات, أجهزة تصوير, صور ونظام أغرب من أي نظام آخر لاقتناء الكتب (لا شيء يأتي بسهولة ويسر خاصة عندما يتعلق الأمر بتحصيل المعرفة) . إعداد: مريم جمعة فرج