اقرب طريق موصلة الى قلب الانسان, أي انسان هي ان تجعله يحدثك عن نفسه.. ولعلي حدثتك من قبل عن ذلك الاهداء الذي كتبه الاديب المصري الراحل يوسف السباعي في اولى صفحات روايته (ارض النفاق)حين قال : الى اعز الناس الى نفسي, واقربهم الى قلبي, الى يوسف السباعي (!) ولو قلت غير انك لكنت رأس المنافقين في ارض النفاق. هنا تكمن امضى أسلحة المرأة, وهي ستنا وتاج راسنا كما لا يخفى عليك.. يأتيك الرجل وقد استبدت به اللواعج يقول: لقد بهرتني وسحرتني والمسألة ليس فيها سحر ولا يحزنون كل ما فعلته الذكية الاريبة هو انها القت اليه سمعها فيما طفق هو من جانبه يحكي ويحكي عن نفسه وطبعاً عن صولاته وفتوحاته.. ماذا فعل وكيف انجز واين انتصر ولماذا عنت له الاعناق والجباه.. لا يهم ان كان الحديث صدقا او كان هينا.. او حتى كان بين بين المهم انها سمحت له ان يتكلم عن نفسه واملت له حبال الاصغاء ولم تقاطعه اللهم الا بايماءة هنا او سؤال بلاغي هناك لزوم المواصلة والاسترسال. السؤال البلاغي ببساطة هو ذلك الذي نطرحه لا لكي نحصل على جواب ولكن لكي نؤكد للطرف الآخر اننا جد مهتمين بالحديث, هنالك ينبهر صاحبنا ويترجم اصغاءها الى اهتمام به وشغف بحديثه ويوقع نفسه بملء ارادته في الحبائل التاريخية اياها.. وعلم الله انه سوف يسدد كل هذه الفواتير لاحقاً فاذا بالمرأة المصغية في شغف او فيما يشبه الشغف تصبح زوجة لا تكف عن شؤون وشجون الكلام.. تتفنن فيه وتسهب وتطنب ويعبر اهل البلاغة عن هذا الموقف الاتصالي كما يقول اهل الاعلام بأن الكلمة صارت كلمتها.. وهم يقصدون بداهة الى انها اصبحت الربان الحقيقي, الجوهري لسفينة البيت وان كنا نفهم ان المقصود ايضاً انها اصبحت هي الطرف المرسل الذي يتكلم في غالب الاحيان, وان السيد السند كتب عليه ان يظل في موقع طرف التلقي والاستقبال والاصغاء لزوم تسديد الفواتير. في حالة عباد الله المثقفين, قد يختلف الامر اسعد شيء للاخ المثقف لا يرادف بالضرورة ان يحدثك عن نفسه او عن منجزاته او فتوحاته.. بالذمة هل سمعت عن منجزات لها قيمتها او فتوحات لها مغزاها قام بها مثقف نحرير؟ انه يسعد كثيراً لو اتحت له سيادتك فرصة الحديث عن اعز شيء الى نفسه كما قال صاحبنا يوسف السباعي, واقرب الاشياء الى قلبه.. عن مكتبته.. يا سلام! هنالك ينطلق لسانه.. وتتهلل أساريره وهو يتناول كلا من محتويات خزانته كتابا كتابا.. والويل لك ان كنت في حال من الاصغاء كل كتاب يا مولانا له قصة هذا جلبته..ــ علم الله ــ من الهند بعد ان قرأت عنه في المجلة الآسيوية التي تصدرها الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية فاسمع يا صاحبنا ولا تتململ هكذا شاءت مقاديرك ان تسمع وبالتفصيل اما هذا المخطوط فاكتم عني الحديث.. هو من احدى جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية كما لا بد ان نصفها السوفييتية السابقة كما يليق بنا ان نؤرخ لها.. واصل حكايته ان .. الخ ثم تعال الى الكتب المهداة من مؤلفيها الميامين وبعد الكتب يأتي دور الموسوعات والمعاجم والويل كل الويل اذا كان المثقف ممن يجيدون اكثر من لغة اجنبية بخلاف ديباجة عربيتنا الشريفة ان هي الا ساعات تلو ساعات يطوف بك من نسق ثقافي لاتيني الى آخر جرماني ــ سكسوني.. والغريب انه يتحدث فيما يشبه الوجد عن كل نسق ومطلوب منك ان تصغي ولا تسرح بعيداً.. فالاخوة المثقفون, ونحن منهم لهم طريقة أو هى آلية كما يقول التعبير المحدث المحفلط وتتمثل هذه الآلية في جملة يفجرونها خلال الأحاديث والحوارات وتأتي أشبه بالقنبلة الظريفة اللطيفة ــ سمارت بومب كما يزعم الأمريكيون ويقولون فيها وبراءة الاطفال في عيونهم: (و... هناك سؤال يطرح نفسه) هكذا لم يطرح أحد سؤالا, ولا قاطعهم أحد باستفسار وكأن المستمعين يريدون أن يفضوها سيرة وأن يفرغوا من اشتات الحديث ويمضى كل نفر منهم يشوف مصالحه وكفى الله المؤمنين لكن على من تنشد مزاميرك يا داوود؟ ان المستمع البرىء الطيب يود لو انتهى المثقف المتكلم من كل حديث ــ ولذلك يعتصم الناس بحبل الصمت لا يقاطعون ولا يعلقون.. لا ينبسون ببنت الشفة ولا حتى ببنت أختها.. والهدف ان يسود ذلك النوع البارد السقيم من الصمت.. قد تقطعه سعلة هنا أو نحنحه هناك.. وبعدها ينتهى الامر ــ فيما يأملون ــ الى خط نهاية الموقف والذهاب الى حال سبيل.. لولا.. لولا القنبلة الموقوتة التي تقول: و.. هناك سؤال يطرح نفسه بدعة اخترعها المثقفون.. فلم يطرح أحد سؤالا.. ولا ساورت السامعين الى خواطر تستثير الاستفسار.. لكن ها هو السؤال وتعد (الطرح) وهاهو الموضوع قد (انفتح) .. والفاعل كما ترى مجهول.. مجهول. وعيب على الناس من بعد ان يجدوا انفسهم ازاء سؤال مطروح أو بالادق منطرح ولا يخفون الى الاجابة.. بتأن واستزادة واسهاب, وكل ذلك على حساب المستمعين.. والمعنى.. لا تسألن مثقفا عن مكتبته ولا تسمحن له ان يتطرق في لباقة الى محتوياتها ولا تملين له في حبل الحديث عن الكتب التي يقتنيها.. ولا كان ذنبك ــ كما يقولون ــ على جنبك ولا تسمحن للأخ المثقف ان يدور حول حديث الكتب وشجونها.. فتلك آلية أخرى كي يدلف منها الى حكاية تبدأ بعبارة: انا مكتبتي.. مثلا (وهو مثل لن ينقطع حبله ولن ينتهى وصله هو بالضبط المثل السائر اميالا من الكلام والاسترسال, ناهيك أن تسمح خلال حواراتك مع زمرة المثقفين بان ينطرح فيما بينكم سؤال يبحث عن إجابة وهم ــ كتر الله خيرهم ــ على أهبة الاستعداد وللجواب جاهزون لا عجب ان ادرك أهل الفن الاعلامي هذا الجانب من الضعف اللذيد في شخصية أهل الفكر والكتابة والبحث والثقافة.. ومن ثم عمدت اذاعة القاهرة العتيدة الى تقديم برنامج شهير.. اتصور ان أوفى عمره المديد الان على نحو عقدين من الزمن وعنوانه هو: (زيارة الى مكتبة.. فلان) وقد استحدثته منذ عهدنا بالاذاعة زميلتنا السيدة (نادية صالح) .. وربما كان في وجدانها السؤال الشهير الذي طرحته راقية ابراهيم في أحد افلام عبدالوهاب مخاطبة بطل فيلم رصاصة في القلب وقالت: محسن.. اتكلمنا عن سامي كتير.. كلمني انت عن حياتك وعن أحوالك. هكذا ظلت مذيعة القاهرة تبادر المثقف الذي تختارة بنفس السؤال مع التحوير المطلوب: ــ استاذ فلان.. كلمنا عن كتبك وعن مكتبتك. وبعدها.. يتدفق النهر.. ويهطل المطر.. ويدور الكلام.. عبر ساعة كاملة من وقت الاذاعة. مشكلتنا ــ كاتب السطور ــ ان لم يستضفنا أحد في البرنامج المذكور, ومن ثم فلم تتح لنا ان نتكلم عن محتويات مكتبتنا العامرة.. ولا بأس.. نلجأ إذن الى الآلية اياها.. الى القنبلة الزمنية الموقوتة.. هناك سؤال يطرح نفسه حول ما تضمه مكتبتنا وقد بدأنا تكوينها من فترات البضاعة والطلب في القاهرة ثم ظللنا نفيها عبر المهاجر والمنافي ومواقع الظعن ومحطات الرزق ومدارج الشغف والفضول في القارات الاربع.. افريقيا وآسيا والامريكتان الى شمال وجنوب. لكن المساحة لم تعد تكفي.. واللقاء معقود ومأمول باذن الله.