تبدو مادلين اولبرايت, التي نجت من الاضطهاد النازي والستاليني, اكثر من اي وزير آخر في الحكومة الامريكية , متأثرة الى اقصى الدرجات بماضيها, وهذا ما تؤكده بالفعل سيرة جديدة لأول امرأة وزيرة للخارجية في الولايات المتحدة تعتبر اليوم رأس حربة الحملة الاطلسية على يوغسلافيا. ففي كتابه "مادلين اولبرايت, ملحمة من القرن العشرين" يروي مايكل دوبس, الصحافي في "واشنطن بوست" الذي كشف الاصول اليهودية لوزيرة الخارجية, فصول حياتها من براغ الى واشنطن التي يمكن قراءتها ايضا وكأنها رواية شخصية تختصر وتجسد القرن العشرين. ولدت ماريا يانا كوربيلوفا في براغ عشية الحرب العالمية الثانية, وهجرت مرتين اذ هربت اولا من تشيكوسولوفاكيا اثناء الاحتلال النازي ثم بعد الاجتياح السوفييتي. وكتب مايكل دوبس ان عائلتها عاشت في خضم الاحداث الكبرى للعصر: الثورة الصناعية وانهيار الامبراطورية النمساوية-المجرية وصعود النازية والشيوعية وهبوطهما والمحرقة والحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى. وعلى الصعيد الشخصي, فالتلميذة الصغيرة التي لجأت الى لندن ومنها الى سويسرا ثم هاجرت الى الولايات المتحدة في الحادية عشرة من عمرها, امضت بعد ذلك القسم الاكبر من حياتها في التشبع من القيم الامريكية لتصبح مواطنة امريكية نموذجية كما كتب دوبس. وبعد ان احدث طلاقها المفاجىء صدمة كبيرة لها سرعان ما تبين انه حررها, مطلقا العنان لطموحاتها السياسية المتأثرة اصلا بشبكة متينة من علاقات الصداقة مع نساء اخريات دخلن المعترك السياسي واعضاء في الكونجرس امثال جيرالدين فيرارو وبربارا كينيللي وبربارا ميكولسكي وجميعهن بنات مهاجرين. (لولا الطلاق لما كنت اليوم هنا لقد كان منعطفا كبيرا في حياتي, كما قالت) . والازمة الاولى التي تعين عليها مواجهتها بعد ايام من تعيينها وزيرة للخارجية, كانت ازمة شخصية فقد كان كشف مايكل دوبس في العام 1997 عن اصولها اليهودية بمثابة قنبلة, لا سيما ان الكثير من المنظمات اليهودية اتهمتها صراحة بانها ارادت التكتم عليها. وعلى هذا الصعيد, اعتبر مايكل دوبس الذي اجرى تحقيقا معمقا حول جميع افراد عائلة مادلين اولبرايت الذين لقوا حتفهم في المحرقة اليهودية, ان دراسة تفسيراتها المتعلقة بعدم معرفتها بأصولها تبدو معقولة اذا ما اخذ كل منها على حدة لكن دراستها مجتمعة تجعل من الصعب تصديقها.