يملك رصيدا من الانتاجات المتميزة على الساحة الابداعية المغربية, ذاع صيته في المجال المسرحي لكن لديه اسهامات ايضاً في السينما والتلفزيون , وليست تخلو آراؤه من مواقف واضحة وصريحة في الحاصل على المستويات الفنية وهو اساسا سعى لاكتساب النخبة في جمهوره, ها هو يتحدث عن هذه الآراء في لقاء اجريناه معه في الرباط. من خلال تتبعنا لأعمالك نعرف أن لك اسهامات في مجال السينما والمسرح , فهل يمكنك أن تقدم صورتك الفنية للقارئ العربي والخليجي..؟ ــ الصورة الفنية لعبد الحق الزروالي صورة بسيطة ومعقدة في نفس الوقت , ورحلة طويلة من حيث الزمن, مشحونة بكثير من الأعمال والمراحل. فأنا أول مرة تزلزلني دقات المسرح الثلاث كانت في سنة ,1961 في عرض مدته ساعة ونصف. ومارست مسرح الهواة بمدينة فاس, وفي عام 1976 اخترت المسرح الفردي أو المونودراما في الشرق العربي, لكن من حين لآخر أعمل في تقديم مسرحيات جماعية تصل أحيانا إلى ألف ممثل. لي أيضا مساهمات في مجال الكتابة , أما بالنسبة للبحوث الجامعية فهناك حصيلة أكثر من خمسة وعشرين بحثا لنيل الإجازة بكلية الآداب. كما ساهمت في السينما من خلال (أبناء الغد) الذي أنتجه المركز السينمائي المغربي, كما ساهمت كممثل في فيلم (أمينة) للمخرج محمد التازي, كما شاركت في كثير من المهرجانات المسرحية, ولدي تجربة مع مسرح الطفل. أما بالنسبة للتلفزيون والمسلسلات, فقد كنت أرفض التعامل مع الانتاجات الدرامية, لان تلك الانتاجات في تقديري أنا, لم تكن تتوفر على شروط اقناع الجمهور, ولذلك كنت اتحفظ لان الظهور في التلفزيون قد يحرق صاحبه أكثر مما يلمعه, وبالتالي يخسر كثيرا من الممثلين الذين يهتمون بهذا المجال عندما يبحثون عن الشهرة أو عن الظهور المستمر دون تساؤل مسبق حول كيفية هذا الظهور! جدوى هذا الظهور! لذلك نجدههم يمارسون نوى من تآكل لذات.. ولو فكرت في التلفزيون من الأول لكان لي جمهور قاعدة 80% ولكان سيصعب علي أن أكسب النخبة التي هي 20%, ولكني بما انني بدأت بالمجال الصعب الذي هو اقناع الطبقة الواعية التي تبحر في فهم العمل الابداعي في المسرح وتحاول أن تجد له الكثير من القراءات من أجل تفكيك واعادة بناء هذه النخبة, وأنا لا أرفض هذا الانفتاح على الثقافات الاخرى إذا ما كان على حساب طغي الرصيد الثقافي والفني للقدرات الابداعية داخل الوطن الذي أنتمي إليه وينتمي إلي!!! ومن هنا كانت لي مساهمة في بعض الانتاجات الدرامية رغبة في تحقيق هذا الطموح... وأعقد ان المتتبع لي, سيدرك ان خطواتي كانت مدروسة واختياري لأدواري ولأعمالي هو الذي أعطى التميز في حضوري لبعض الانتاجات الدرامية. من خلال أعمالك الفنية, نلاحظ احتراف الصدق في تشخيص الواقع, وفي بناء الشخصيات, فكيف تفسر هذا؟ ــ الصدق وعلاقته بالابداع وبالإنسان وبالمجتمع, هو قضية كما يترجمها شكسبير (نكون أولا نكون) . أفليس من حقك أن تكون صادقا وأنت تمارس الابداع!! شرط ممارسة الابداع أن تكون صادقا, فبمجرد ما يغيب هذا الشرط يسقط حقك في الابداع!! مثلما يسقط حقك في العيش والايمان بالله. ومن خلال هذا الصدق تكتسب قوة ومناعة وطموحا من أجل تخطي كل الصعوبات وترويض كل الأشياء الصعبة التي قد تعترض طريقك في المجال الابداعي.. وهذا هو الجانب من الصدق في تجربتي المسرحية أو في أدائي للأدوار في المسرح والتلفزة والسينما. السينما المغربية والمسرح المغربي صيغتان يدور حولهما النقاش منذ عدة سنوات, فهل لدينا سينما مغربية أم مجرد أفلام مغربية, وهل لدينا مسرح مغربي أو مجرد مسرحيات مغربية. ــ مع الأسف, رغم كل هذا الرصيد, ورغم كل هذه السنوات التي مضت في مجال السينما والمسرح, ما زلنا نحس وكأننا في بداية الطريق... صحيح عندنا تجارب وعندنا أسماء لها مكانتها ليس, لكن معظم هذه التجارب مقرونة بأسماء أصحابها وبفروقات زمنية محددة, ولم تستطع هذه التجارب أن تؤسس جسرا لما يسمى أو يمكن تسميته مسرحا مغربيا أو سينما مغربية تضمن أو تفتح المجال لكل الكفاءات ولكل الأسماء ان تعبرها من أجل تجاوز ذاتها, ولذلك عندما نتأمل واقع المسرح في المغرب نجد هناك خطا يتأرجح, مما يؤكد على ان هناك خللا في استراتيجية ثقافية وعالمية والتي تحدد الضوابط وترسم السكة التي يمكن لقطار الابداع أن يعبرها من أجل أن يتجاوز المحطات ويصل إلى مبتغاه, ولذلك وحتى الآن, ولا يمكن أن نتجرأ القول بكامل اليقين والاطمئنان ان عندنا مسرح مغربي بمعنى الكلمة وسينما مغربية بمعنى الكلمة أيضا... واللوم لا يرجع لا للمسرحيين ولا للسينمائيين! اللوم لان هناك طريقا غير معبدة!... البناء عشوائي... وبالتالي في ظل البناء العشوائي لا نستطيع أن نطبق اية نظرية هندسية تحترم شروط البيئة, وشروط التوازنات والتقاطعات في الألوان والأحجام والأصوات وفي كل شيء... فهذا البناء العشوائي هو الذي يعرقل تنامي التجربة السينمائية والمسرحية بالنسبة لنا في المغرب. نلاحظ في السنوات الأخيرة اقبال الجمهور المغربي على المسارح - أي يمكن أن تقول انتعاشة المسرح والسينما - فهل هذا كاف لتحس الفرق المحترفة بدورها الواعي في تقديم أعمال مسرحية وسينمائية تحقق للمشاهد ما ينشده من متعة فكرية ووجدانية وترفيهية ؟ ــ اقبال الجمهور المغربي على المسرح اقبال على نوع من المسرح وليس على المسرح كله, ولا يفهم من كلامي هذا أنني ضد بعض التجارب المسرحية التي هي استنكار وتدني الذوق عند القاعدة بالنسبة لبعض التجارب فهي ايجابية لانها اقنعت الجمهور ولكن ما نخشاه هو سيادة هذا النوع من المسرح وهيمنته على الذوق العام , ونحن نعرف مسبقا أنه ذوق أفسدته التربية الابداعية التي مورست على هذا الجمهور خلال اربعين سنة من التذليل والتعتيم والتجهيل على مفهوم الابداع. ولذلك كما يقول أثرياء حرب أو أثرياء الجهل أي أثرى على حساب جهل الآخرين , هذه لا يقبلها الممارس للإبداع .. وقد يقبلها السمسار الذي يهمه أن يكون لكل الناس مشاكل السكن, قد يريدها الطبيب الذي يتمنى أن يكون كل الناس مرضى كي يتزاحموا على عيادته , لكن المبدع لا يمكن ابدا أن يتمنى جمهورا متدنيا في ذوقه ليقبل على بضاعته الفاسدة .. ولأن الابداع إبداع .. وشروط الابداع أن نأخذه بالمقاييس الدولية , لكن مع الاسف المسرح تم تقسيمه إلى مأساة وملهاة , فكثير من المسرحيين في الوطن العربي لا يفهمون ما معنى المأساة أو ما معنى الملهاة ! يمارسون التهريج باسم الملهاة ويمارسون البؤس باسم المأساة , وهناك فرق كبير بين البؤس والمأساة وهناك فرق كبير بين التهريج والملهاة, اذن ما لم نفرق في ممارستنا المسرح بين هذه المستويات سنكون نغالط انفسنا ونغالط هذا الجمهور ونتآمر على قيم الابداع الذي حافظ عليها سنين طويلة... الرباط ــ فتيحة الادريسي