في مثل هذا الشهر وبالتحديد في 30 مايو 1967, صدرت الطبعة الأولى من روايات لكاتب مغمور ــ آنئذ ــ, وكانت هناك لنفس الكاتب اعمال اخرى قبل هذه الرواية لم تثر انتباه احد. وبعد اكثر من عشرين عاما على صدورها , وزع من هذه الرواية اكثر من اربعين مليون نسخة, وترجمت لكل لغات العالم تقريبا, كما ان الكاتب نال عنها جائزة نوبل عام 1982. الرواية هي (مائة عام من العزلة) , والكاتب هو (جابرييل جارسيا ماركيز) . لم اشعر بمدى الظلم الفادح الذي لحق بهذا العمل الادبي العظيم في ترجمته العربية الا عندما قرأته في لغته الاصلية (الاسبانية) ان الكثير من السحر الكامن في هذا العمل مفقود في نسخة الترجمة العربية التي قرأتها منذ سنوات, وقد يعود السبب في ذلك الى تلك الترجمة الميكانيكية (القاموسية) , أو لعدم تعرف المترجم على الاجواء التي تحركت فيها شخصيات ذلك العمل, أو لأسباب اخرى تتعلق (بأكل العيش) و(الاسترزاق) و(استثمار) بريق (نوبل) في الاسواق والمزادات التي يعدها (وراقون) محترفون! قبل ان ينال جارسيا شهرته العالمية, التقى به احد الصحفيين عام 1981, ووصف حياته البائسة التي كان يحياها في احد الفنادق المتواضعة بالحي اللاتيني في باريس, ينتظر كل شهر ان يصله شيك بأجره من صحيفة (الاسبكتادور) التي يعمل لها, تماما مثلما كان ينتظر ذلك الكولونيل البائس وصول شيك المعاش في روايته الشهيرة (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) ذلك الشيك الذي لم يصل ابدا. وأخيرا, كان كل ما وصله هو تلغراف من تلك الصحيفة يقول بالنص: اذهب الى روما الى تغطية خبر وفاة البابا. بعد ذلك, اغلقت هذه الصحيفة في عهد الحكم العسكري الذي رأسه روخاس بنيليا, وهكذا تعين على جارسيا ان ينام في حدائق باريس, ودائما امام المسلة الفرعونية كان يحلم بالتمساح المقدس, اسم الشهرة الذي اطلقه على حبيبته الدائمة ميرسيدس بارتشا. عندما ظهرت روايته (مائة عام من العزلة) اختلف قراؤها في امريكا اللاتينية حول معنى كلمة (ماكوندو) فقال البعض انها اسم نبات يلئم الجراح, وقال آخرون انها شجرة لا فائدة منها توجد في بعض المناطق الاستوائية في القارة, ولم يدركوا مؤخرا سوى انها الشجرة التي افرعت منها كل امريكا اللاتينية. ومن واقع معايشتي للحياة في العديد من اقطار امريكا اللاتينية, على مدى اربعة اعوام, واقترابي بعض الشيء من تاريخها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها, استطيع ان أؤكد ان الواقع في هذه القارة يفوق اي خيال, وهو اكثر غرابة من الاحلام. وقد اكد جارسيا ماركيز قائلا: انه لم يفعل في قصصه ورواياته سوى انه نقل لصفحاته مارواه له جده وجدته, ويحكي كيف روت له قصة ولادته في (أراكاتا) والفترة الذهبية عند وصول الشركة المتحدة للفواكه, وكيف عانت قريته من امطار غزيرة, وكذلك مذبحة العمال في منشآت الموز حين اعلنوا الاضراب. كل ذلك احتفظ به جارسيا لكتاباته القادمة, بل انه صرح ايضا ذات مرة بأن اسلوبه هو اسلوب جدته, ولا نستطيع ان نغفل تأثير جده الذي كان عسكريا متقاعدا بعد ان شارك في الثورات والحروب المتتالية في كولومبيا. لقد روى الجد لذلك الطفل ــ جابرييل ــ عن المغامرات العسكرية, والمواقع التاريخية التي شهدها وشارك فيها. ان شخصية الجد ستظل دائما في ذاكرة جارسيا ماركيز, وستطفو بشكل مستمر, فالجد مثلا هو ذلك الكولونيل العجوز المتقاعد في (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) وهو خوسيه اركاديو بوينديا, مؤسس (ماكوندو) , وهو في الوقت نفسه الكولونيل اوريليانو بوينديا ــ الذي حرك 32 انتفاضة عسكرية وخسرها جميعا, والجد هو ايضا ــ وبنفس اللقب ــ الكولونيل جيرنيلدو ماركيز. لا يمكن ان تكون هناك روابط بين حياة مؤلف وروايته مثلما توجد بين واقع جارسيا ماركيز والواقع الذي كتب عنه, وهو ما يتناقض مع كثير مما كتبه النقاد الذين تناولوا اعماله (وخاصة مائة عام من العزلة) ووصفوها بأنها اغراق في خيال محض تداعت احداثه في عقل الكاتب. لقد ذكر جارسيا ذات مرة ان جده مات, بينما كان جارسيا يبلغ من العمر ثمانية اعوام, وعلق على ذلك بقوله: منذ ذلك الحين, لم يحدث شيء هام في حياتي. ان طفلا في مثل عمره يأخذ حكايات الاجداد ويختزنها بوصفها اكثر قيم الواقع نقاء, وبهذا الشكل فإنه على اساس هذه الواقعية كان بناء (مائة عام من العزلة) . والحقيقة ان هناك الكثيرين من النقاد ــ في امريكا اللاتينية ــ يعتبرون ان هذه الرواية واقعية تماما, فهي وان كانت تعكس بيئة جغرافية لشعب غير موجود, الا انه حاضر بشكل صارخ في كولومبيا, بالانتفاضات والحروب المستمرة في هذا البلد, والصراع بين الليبراليين والمحافظين, وكذلك استغلال شركة اتحاد الفواكه... الخ. ان الامور التي تعتبر حقيقة نظرا لطبيعتها, مثل الحياة والموت, نجدها في (مائة عام من العزلة) خارجة عن الزمن, فهي امور مؤقتة وغير حقيقية, فالحياة هي عدم معرفة الضروري, بينما الموت هو الخطوة الاكثر يقينا في اتجاه المعرفة. داخل هذين القطبين تدور معظم عناصر الرواية, فمثلا يموت ميلكياديس الغجري ثم يعود للحياة اكثر من مرة لأنه ملّ العزلة التي يعيش فيها الميتون, باقي الشخصيات تنتظر الموت مثل: ريبيكا وأورسولا وخوسيه اركاديو, كذلك التوأمان اللذان لا يعرف احد كيف يفرق بينهما ويموتان في اللحظة نفسها. وفي ختام الرواية تنتهي سلالة بوينديا في تعبير عن الخضوع للقدر المكتوب, حيث ان كل احداث ماكوندو وأسرة بوينديا كانت مكتوبة في كتاب ميلكياديس, الا ان احدا لم يستطع حل الغازه, حتى يتفادى الاخطاء التي تتالت على مدى الرواية, فقط تمكن من ذلك آخر سلالة بوينديا في نفس اللحظة التي انتهى فيها كل شيء, وانمحت ماكوندو بفعل الرياح الشديدة, وولد آخر سلالة بوينديا وهو يحمل ذيلا في مؤخرته استجابة لما هو مكتوب. وقد اهتمت وسائل الاعلام في امريكا اللاتينية ببحث تأثير اعمال هذا الكاتب على باقي ادباء القارة, وهناك رأي يقول بأن احدا لم يفلت من ذلك التأثير, وخاصة رواية (مائة عام من العزلة) , فنجد مثلا ادباء مثل ايزابيل الليندي, وأوسلار بييتري, واليسير كارديناس, واليسيا يانيس, وغيرهم قد حملت اعمالهم بصمات واضحة من هذه الرواية, التي لا يمكن ان توصف بأنها خيال محض او تعقيد لبعض رموز وألغاز غير واضحة. وأخيرا, فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هي قيمة اعمال ذلك الاديب بعيدا عن روايته (مائة عام من العزلة) ؟ رأيي ان جارسيا ماركيز يكرر نفسه, اصبح اسيرا لنفس الموضوع والاسلوب, ففي روايته القصيرة (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) ظل ذلك الكولونيل يكابد الحياة كي يختتم الرواية بقوله: (براز!!) , وفي رواية أخرى (الحب في زمن الغضب) يختتمها بتلك العبارة (كنت املك الاجابة الجاهزة منذ ثلاثة وخمسين عاما وستة اشهر واحدى عشر يوما بلياليهم. هم كل حياتي) . أود ان اذكر ايضا ان تلك (الواقعية الساحرة) قد وجدت مكانها في العديد من كتابات بعض ادباء امريكا اللاتينية قبل رواية (مائة عام) بزمن بعيد, وقد قرأت نفس (الروح) في اعمال اثنين من اشهر ادباء الاكوادور اجيليرا مالتا, وخوسيه دي لاكوادرا, ومع ذلك فإنه من بين العديد من الروايات التي قرأتها, فإن (مائة عام من العزلة) قد احدثت اثرا خاصا سواء في خيالها غير المحدود أو في واقعها المحسوس بشدة في كثير من دول امريكا اللاتينية التي زرتها. وتبقى كلمة اخيرة وهي ان الادب كلما تعمق في جذوره الثقافية المحلية, كلما صعد الى ذروة العالمية, ذلك حقيقة جسدتها رواية (مائة عام من العزلة) . بقلم: معصوم مرزوق