حين تمسك بالقلم لتسيل مداده على الورق فتحس بأن هذا المداد قد تجمد في جوفه كأن عاصفة ثلجية قد هبت عليه مع ان حبات العرق تلبد سماء جبينك وتبحث لها عن مجرى تتساقط من خلاله , تنتابك الدهشة وتتدافع الافكار في رأسك ثم تتشتت مرة اخرى كأن ريحاً شيطانية تأبى الا ان تبعثرها.. عندها فقط تدرك ان عليك ان تبدأ الرحلة من جديد.. وان هاتفاً ــ طالما تردد صدى صوته في أعماقك ــ يمنعك من ان تلعن هذا الزمن الرديء. وحينما تبدأ من جديد في تعليم هذا القلم ــ الذي كاد يعلوه الصدأ ــ كيف ينقل خطواته بين سطور الورق بعد ان كاد ينسى كل الدروس التي تلقاها في فن المشي ينزاح عن نفسك هم ثقيل اوشك ان يطبق عليك فيزهقها او يدفعها الى الانتحار.. وتتنسم ريحاً جديدة طالما افتقدتها تطرد من رئتيك كل الرياح الخبيثة التي تسللت اليها في غفلة منك ومن الزمن. وتبدأ في ضرب الحجر بالحجر فيكاد الشرر اليسير المتطاير من عملك البدائي هذا يحرق بقية من أوراق كادت تجف في نفسك لولا انك منهمك في هذه اللحظة بالذات في مدها بالماء محاولاً اعادة اللون الاخضر اليها بعد ان بدأ الشحوب يأخذ منه الكثير.. وفي شيء من محاولة خرق قوانين الطبيعة تحاول ان تمد جذورك الى أبعد مما تحتمه هذه القوانين خلال هذه الفترة الزمنية اليسيرة.. ولكنك تدرك لحظتها ان المارد قد خرج من قمقمه وان اعادته الى ذلك الحيز الضيق مرة اخرى ليست اكثر من محاولة (دونكيشوتية) لرفع سيف خشبي في وجه ريح شمالية مزقت كل الاشرعة وحطمت كل الصواري وبعثرت الواح سفينة كادت تمتص ملوحة البحر كلها لطول ما وقفت في ذلك المرفأ اللعين. وبعد ان تكون قد خرجت من كل هذه المعاناة الأليمة تجد نفسك وقد وقفت وحيداً في صحراء قاحلة وقد استنفد جسمك آخر قطرة من سوائله بينما انهار السراب تمتد امامك طويلة طويلة.. وفي ثوان معدودة تكون قد اخترقت هذه الصحراء من جهاتها الأربع بناظريك., وتحس وقتها بهول المأزق الذي اوقعت نفسك فيه فتبدأ في تضييق دائرة اهتماماتك.. وتضيق هذه الدائرة كثيراً كثيراً.. اكثر مما كنت تتصور في اي وقت مضى.. حتى توشك ان تطبق على مركزها.. وتتجمع كل المعاني القديمة والجديدة في نقطة واحدة .. (الهروب الى الماضي) . عندها فقط تبدأ رحلة طويلة.. ولكنك قد اعددت لها هذه المرة جيداً.. وتصبح كل المراكز التي ستمر بها محددة سلفاً.. ومعروفة لديك.. كأني بك تشاهد ــ هذه المرة ــ فيلما روائياً للمرة العاشرة. وعندما تبدأ رحلة الابحار في الذاكرة هذه.. عندها فقط تحس بأنك قد اقتربت من نفسك اكثر.. وانك قد وضعت قدميك على أول الطريق الصحيح بعد ان كادت تبتلعك تلك الكميات الهائلة من الرمال المتحركة فيتبدد الحزن من نفسك وتنزاح عن ناظريك صور سوداوية كثيرة كادت تفقدك الرؤية الصحيحة. وتفتح عينيك من جديد.. فإذا بالعاصفة وقد هدأت.. واذا بالرياح وقد انكسرت حدتها.. وانقشعت عن سماء نفسك تلك الكتل السحابية السوداء التي طالما حجبت عنك الرؤية فترسل ناظريك في فضاء رحب لا تحده حدود... وعندها تحزن لأن العاصفة قد تأخرت كثيراً عن موعدها.. ولكنك لا تملك الا ان تطوي صفحة لتسيل مداد قلمك على صفحة جديدة ربما تكون افضل من صفحات كثيرة بعثرتها رياح عابثة ذات يوم في غفلة منك ومن الزمن.