انطلق عدد من فرق الباحثين بتمويل من الحكومة الامريكية او مختبرات خاصة كبيرة منذ بضعة اشهر في سباق لفك رموز مجموعة العوامل الوراثية البشرية وتحقيق اكبر ثورة طبية في القرن الحادي والعشرين. وبقي (المشروع العام) لمجموعة العوامل الوراثية البشرية (المجين) الذي تتولاه معاهد الصحة الوطنية فترة طويلة بلا منافس. فقد ترددت الشركات الطبية الكبرى في العالم لدى اطلاق المشروع في العام 1993 في الخوض في مغامرة تنطوي على هذا القدر من المخاطرة. وكمشروع ارسال انسان الى سطح القمر, كان فك الرموز الدقيق والمنظم لثلاثة مليارات حرف كيميائي تشكل المجين عملا طويلا ومعقدا الى درجة ان وحدة مشروع عام من نوع (ابولو) بدا قادرا على اتمام المهمة. وكان المعهد الوطني للابحاث حول مجموعة العوامل الوراثية البشرية وفروعه الجامعية والخاصة الذي يتولى المشروع بمفرده يأمل الانتهاء من اعماله في العام 2005. وكان من المقرر ان يسمح (كتاب الحياة) بالتوصل الى علاجات مستقبلية جديدة. الا ان فكرة الارباح المادية الكبيرة شكلت حافزا كافيا لمشاركة القطاع الخاص في المشروع. وتحول فك رموز المجين الى سباق جنوني لاكتشاف بين ثمانين ومئة الف عامل وراثي (جينة) تسيطر على عمل جسم الانسان. وفي مايو ,1998 اعطى احد رائدي هذا المجال كريج فينتر الاشارة الفعلية ببدء السباق من خلال اعلانه ان شركته (سيليرا جينوميكس) ستكشف جميع اسرار المجين البشري بحلول نهاية العام 2001 وبكلفة تقل عن 300 مليون دولار. واعلن معهد (هيومان جينوم ساينسز) وشركتان منافستان له هما (انسايت فارماسوتيكالز) و(جينوم ثيرابيوتك) انها عزلت عددا لا يستهان به من هذه الجينات. وهناك براءات بمئات منها اعيد بيعها الى شركات الادوية لتصنيع بروتينات علاجية. وبعد فك رموز كل كلمة وجملة وفصل من (كتاب الحياة) الكبير, سيصبح بامكان العلماء الحصول على مجمل الخرائط التي تتحكم في عمل جسم الانسان. واذا اختلفت التقنيات المستخدمة فمبدأ فك الرموز يظل هو نفسه. والاساس هو الحمض الريبي النووي (دي ان ايه) الجزيئة الموجودة في كل خلايا الجسم والتي تحمل جميع المعلومات الضرورية لتصنيع الخلايا الاخرى. ومنذ الابحاث التي قام بها جون واتسون وفرانسيس كريك في ,1953 يدرك الباحثون ان جزيئة الـ (دي ان ايه) تتألف من شريطين طويلين ملتفين حول بعضهما البعض وكانهما درجان لولبيان. وتربط بين هذين الشريطين مجموعة من الصلات الصغيرة المؤلفة من اربعة احماض امينية يشار اليها بالاحرف التالية (ايه) لحمض ادينين و(سي) لحمض سيتوزين و(جي) لحمض جوانين و(تي) لحمض تيمين. وبحسب قواعد علم الاحياء تلتحم احرف (ايه) مع (تي) و (سي) مع (جي) لتشكل درجات سلم طويل. ويجري فك رموز التتابع بادخال جزيئات صغيرة من ال (دي ان ايه) في جهاز مخصص لقراءة تسلسلها, و(قراءة) الاحرف التي تؤلف درجات السلم الواحدة تلو الاخرى من الاعلى الى الاسفل . وبعد قراءة درجات السلم الكاملة التي يبلغ عددها ثلاثة مليارات, وفرزها وترتيبها من خلال اجهزة كمبيوتر كبيرة, يصبح مجمل المجين البشري بايدي العلماء. ويعد الخبراء بان لا يحتوي (كتاب الحياة) على اكثر من خطأ املائي واحد لكل مئة الف حرف.