لي صديق له أفكار مثيرة وعجيبة, وغالبا ما تكون فريدة غير مسبوقة, وكثيرا ما أسأل نفسي عن سر تلك الموهبة وكيفية اكتسابها وتعلمها, خاصة وان توليد الأفكار وتدويرها علم قديم متجدد, عرفته العرب منذ أزمنة قديمة مثلما عرفته حضارات انسانية أخرى . وبعد بحث واستنطاق, ومجابهة واستغراق اكتشفت ان وراء تلك الأفكار الغرائبية العجيبة دارا صغيرة اسمتها العرب بيت الراحة, وهي كذلك حقا. ويبدو ان اكتشافي جاء متأخرا مئات السنين, فالحمّام بتشديد الميم كان أحد الاختراعات العربية الاسلامية التي عرفتها أوروبا عن طريق الصليبيين والمسافرين القادمين من اسبانيا وصقلية, فقد كان الأوروبيون لا يعرفون من معاني النظافة والاعتناء بالصحة أمرا حتى التصقوا بالثقافة العربية الاسلامية فتعلموا منها الكثير. أعود من حيث بدأت وأستشهد بجزء من تقرير قرأته مؤخرا يؤكد ان أغلب الاختراعات بدأت في الحمّام, وأجمل الروايات أشعل الحمّام فكرتها, وألطف القصائد وأروعها تسبب الحمّام في انطلاقها. ويشير هذا التقرير المثير الى ان التركيز الذهني أثناء دخول الانسان الى بيت الراحة ينصب على تفاصيل غير عادية, تبدأ بالظهور الى السطح بشكل تلقائي دون التفكير جديا بها, ومن هنا يأتي الابداع مثيرا لأنه يندفع هكذا دون أسئلة مشروطة أو عوائق تحدّه. وغالبا ما تبدو الأفكار والطروحات التي تنتهي بخروج الانسان من باب الحمام هامة وجديرة بالاعتناء لأنها تحمل أسئلتها الخاصة, وترسم حدودها بعناية فائقة. وبعيدا عن مدى صحة هذا التقرير وجديّته نشير الى ان الحياة المعاشة بتفاصيلها وفصولها تحمل بعضا من تلك الملامح التي يؤكد عليها التقرير, فمثلا يؤكد المقربون من الرئيس الروسي بوريس يلتسين ان أغلب قراراته المصيرية يطبخها في الحمّام فبين دخلة وأخرى تتغير أحوال وتتبدل مثلها. وبما ان الحمّام بيت الراحة فإن حكايته مع السياسيين لا تتغير, ومن تسعفه ذاكرته يرحل الى الوراء قليلا وبالتحديد في العام 1992 حيث كانت المعركة الانتخابية الأمريكية في أوجها بين الرئيسين بوش وكلينتون, وفجأة دخل على خط الانتخابات مرشح مستقل لا ينتمي إلى أي من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري, مرشح يدعى بيرو الذي اعتمد منهجا آخر في الترشيح هو الغموض لشد انتباه الناخب الأمريكي وعندما سئل بيرو وهو مليونير يملك كثيرا من الشركات والأعمال, عندما سئل عن سر اقدامه على الترشيح قال: إنه الحمّام, فقد اقتنعت قناعة تامة لا فكاك منها وأنا استحم انني الأصلح لرئاسة أكبر دولة في العالم, وهذا حق مشروع لي ولأي موطن أمريكي يجد الكفاءة في نفسه لتحمّل المتاعب والدفاع من أجلها. لقد كان الحمّام أحد الأسرار الخفية لدفع البعض نحو مغامرة ما حتى ولو كانت رئاسة دول عظمى, لذلك لا عجب ان يتحفني صاحبي بين فترة وأخرى بأفكاره المثيرة التي ترمي حجرا في المياه الراكدة فتحركها باسم الراحة. لهذا كان من الأهمية بمكان ان تتحرى الشركات التي تقوم بصناعة الأدوات الصحية عن منتجاتها وتأثيرها على المستهلك, فها هي احدى الشركات البريطانية تسأل في استفتاء بين 2500 بريطاني سؤالا واحدا: ماذا تفعلون أثناء الاستحمام أو دخولكم لبيت الراحة؟ وكانت نتيجة الاستفتاء كالتالي: ــ حوالي ثلثي الذين جرى استفتاؤهم قالوا انهم يشردون في أحلام يومية عن ماضيهم. ــ أكثر من النصف قالوا انهم يولدون أفكارا ومشاريع عما سيقومون به, أو يستغرقون في القراءة. ــ 14% منهم قالوا انهم يتحدثون هاتفيا, أو يدخنون السجائر. بعد هذه اللمحة السريعة أعود من حيث بدأت فاختار أسماء كان الحمّام سببا رئيسيا في تحديد شخصياتهم وأبدأ بستالين, فقد كانت أمنية والدته ان يصبح باحثا وليس سياسيا, وعندما بلغ ستالين عامه الرابع عشر نال منحة دراسية لمتابعة تحصيله العلمي في كلية موسكو, وبالفعل بدأ الدراسة, لكن خلال عام 1899 طردته الكلية لأنه كان يدعو للماركسية, ويؤكد المقربون منه ان ستالين كان يقضي أوقاتا طويلة في الحمّام وأثناء كل خروج تنساب أفكاره الغريبة عليهم انسيابا, وظل ان نعرف فقط ان اسم ستالين الأصلي هو جوزيف فيساريو نوفيتش دجو جاشفيلي. وعندما أصبح سياسيا اختار اسم ستالين الذي يعني الرجل الفولاذي وذلك بعد ان خرج ذات يوم من الحمّام طالبا من الجميع مناداته بهذا الاسم! وبين يديّ خبر آخر عن الألمعية التي يضفيها الحمّام, فها هو المخترع التايواني تشين ليانج آره الذي يبلغ من العمر خمسين عاما يعلن عن صنع صحون من طحين القمح الصالحة لسكب الطعام فيها ومن ثم أكلها, ويشير الى ان اختراعه هذا جاء لمصلحة البعض من الناس الذين يحلو لهم التلذذ لدى نهاية تناول أية وجبة من الطعام بلحس الصحون اذا كان الطعام شهيا. ويعكف تشين حاليا على صنع كؤوس وملاعق وفناجين يستطيع كل فرد ان يأكلها, وقال لحشد من الصحفيين انه فكر بهذا الاختراع في الحمّام عندما استخدم المناشف الورقية. واستطرد مداعبا الحضور... الذين لا يحبون أكل صحوني يستطيعون غليها وتحويلها الى وجبة غنية بالفيتامينات للحيوانات. لكنه حذر كل من يشتري صحنا من صحونه عدم غسلها أو استخدامها مرة ثانية. والقصص والحكايات عن الأفكار الحمّامية كثيرة ومتعددة ويبدو انها لم تستثن أحدا, فجميعنا مستهدفون بشكل أو بآخر, لهذا لا تستغربوا أيها الأعزاء اذا ما اكتشفتم ان الأفكار العظيمة والمثيرة خرجت من الحمّام!