ماذا يفعل السفير عبدالله حسن مندوب الصومال لدى الجامعة العربية؟ وكيف يمثل دولة لا وجود لها ؟! حالة غريبة وصفها تقرير قرأته قبل أسابيع عن حكاية السفير الصومالي انه: ربما كانت الحالة الأولى من نوعها على مستوى الدبلوماسية الدولية, ان تنهار الحكومة وتتلاشى الدولة, فيما سفيرها مازال يواظب بانتظام دقيق على ممارسة مهام عمله (الشعبي). يذكر التقرير الذي نشرته جريدة (الشرق الأوسط) ان السفير الصومالي يمضي وقته في قراءة الصحف ومطالعة جدول أعمال الجامعة العربية, وأكثر من ذلك انه يترأس ومنذ مارس الماضي رئاسة الدورة رقم (111) لمجلس الجامعة العربية! وانه لا يشغل نفسه بفكرة مراجعة وزارة خارجيته أو رؤسائه, فهؤلاء جميعا غير موجودين واقعيا ومنذ تسع سنوات. يقول عبدالله حسن في التقرير (انني أمثل الشعب الصومالي ولا أمثل الحكومة لأنها انهارت منذ فترة, وان حالة الصومال ميئوس منها ولا أمل في الخروج من (أباطرة) الحرب) . ويتساءل (كيف يتسع مقعد رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء في الصومال لحوالي 20 امبراطورا؟! صورة الصومال حاضرة دائما في ذاكرتي, ففيها عشت أياما معدودة هي في سوادها تساوي سنوات طويلة, ذكريات عن أوجاع الجهل والفقر والمرض والتعصب, اذا اجتمعت هذه المصائب معا في مكان واحد. كانت تلك الأيام في بدايات الحرب, عندما جاءت الدعوة لتغطية أحداث هذا البلد والاطلاع على الدور الذي تقوم به قوة الامارات المشاركة ضمن قوات دولية متعددة لحفظ الأمن (المفقود). وبدأت الرحلة مع الزملاء من الصحف الأخرى, وكانت تجربة فيها من الخوف والاثارة, فلأول مرة أركب طائرة من ذيلها الاسفل, طائرة عسكرية تشعرك أصوات مراوحها ان لسانك لا فائدة له, فلا صوت لك وان سمعك قد يتحول الى نقمة عندما لا تسمع سوى هذا الهدير والضجيج المتواصل, صاحبك الذي يجاورك تتحاور معه بالاشارة اذا مللت من الصمت, واذا حاولت النوم لن تجده, فصراخ الطائرة سيكون معك لحظة النعاس. تزداد درجة الخوف عن مؤشرها المعتاد عندما تشعر بأنك تقفز وتتمايل, وان المطبات الهوائية فعلها أسوأ وأشد في مثل هذه الطائرات, وتحسد العسكري لأن جسمه أقوى منك, فلا يتحرك مثلك, وكذلك ملامحه ثابتة لا تلمس فيها الخوف الذي يسكنك أنت وأصحابك. ماذا تعمل لتنسى قلقك, وتقتل عقارب الساعات الطويلة للرحلة. اتفقنا على لعبة (الورق) لكنني لا أعرف اللعب, وكانت فرصة ان أتعلم, وتعلمت بسرعة من فرط الحاجة, ولأن زميلي الذي علمني (لص) كبير في فنون هذه اللعبة, اتقنت التحايل, بعد ان غلبني والزملاء مرات ومرات, واستطاع ان يضحك علينا ويسجل أرقاما كبيرة بأسلوب الغش, فجازيناه, عندما توحدنا واسقيناه بالتذاكي كأس الهزيمة, وكررنا انتصارنا عليه طوال فترة اقامتنا حتى وصل به الحال في الأيام الاخيرة الى اعلان الخصومة علينا, وكره الزميل الغشاش اللعب بعدها, وقرر مقاطعة ورق اللعبة, أظنه للأبد. وقبل ان تهبط الطائرة طلب منا ان نلبس السترة الواقية من الرصاص, ارتفعت درجة الخوف عندما شعرنا باقتراب الخطر, وايقنا انها رحلة اخترناها بارادتنا نحو الموت. هبطت الطائرة بعد ان دارت أكثر من دورة في الجو, لنستقر في خرابة هي كل ما تبقى من المطار. تخيل نفسك تسافر الى دولة, وتدخل مطارها مشيا على الأقدام, ولا تجد أمامك أو خلفك لوحات ترشدك, ولا أثر لمبنى القادمين أو المغادرين, ولا طائرات, ولا مسافرين ولا تلمح موظف الأمن يطلب جواز سفرك, ويمهره بختم الدخول. كيف تتصرف اذا لم تجد هذه (الضروريات)؟ لم يكن هناك متسع من الوقت لنفكر في مثل حدوث هذه الحالة, فنحن نعيشها في الواقع. كانت السيارة المخصصة لنا تنتظرنا, يسبقها وتتبعها عدة سيارات لنسير في موكب واحد, وكانت التعليمات: ستشاهدون أفواجا من البشر على يمنة الطريق ويساره, أحذروا ان تخرجوا أيديكم أو رؤوسكم, ومطلوب ان تخلعوا نظاراتكم وساعاتكم وأي شيء يمكن سحبه منكم, وتذكروا ان تكونوا حذرين دائما. وتحرك الموكب, غابت عنا رهبة الخوف, عندما عاد لنا فضول الصحفي, وطوال الطريق من المطار الى معسكر الوحدة, طوابير مصطفة تنتظر من يرمي لها بالطعام, أي أكل تقذفه ستتصارع عشرات الأيادي للحصول عليه, وقد تحدث معركة فيها جرحى وقتلى على كيس خبز أو حبة بسكويت طائرة! في الطوابير عجائز وأطفال, خليط لا تفرق بين المرأة والرجل, لا يميز بينهم زي, فبعضهم من شدة فقره يغطي نصفه السفلي ازار مثقوب الجوانب, وبعضهم لا يملك حتى هذا الازار المثقوب واقفا دون خجل من غير شيء يستره. وجه المدينة تتعرف عليه من بشر يمشون على أخشاب تسندهم, منهم من طارت احدى يديه أو الاثنتان معا, ومنهم من يتحرك بلا رجلين. أشلاء مقطعة, لا أمل في علاجها, وفي الصومال لا علاج للأصحاء, فكيف حال هؤلاء, وقود هذه النار المشتعلة نعمة, انهم مازالوا احياء وسط هذا الجحيم. وصلنا المعسكر, وشعرنا بالالفة عندما شاهدنا وجوه أهلنا, انتشرنا معهم في المعسكر لنسمع ونكتب عنهم بعض قصص الحياة هنا. وجاء الاختبار الأصعب لنا, عندما حلّ ظلام الليلة الأولى, كيف ننام في ليل الصومال..؟! هذا ما سنتحدث عنه في الاستراحة المقبلة.