لا يعد سوق (تحت الربع) من الأسواق العشوائية بالقاهرة القديمة, بل من الأسواق الاساسية التي اعتمد عليها سكان القاهرة منذ مئات السنين وتعد المنطقة التي يوجد فيها السوق متحفاً حياً لما تحتويه من آثار قديمة سواء منازل أو مساجد أو بوابات أو حوانيت . ويرجع الفضل في انشاء هذا السوق الى الظاهر بيبرس الذي أنشأ مربعاً يحوي على 150 منزلاً وكل منزل يحتوى على دكان. وتم انشاء المكان على شكل مربع واطلق عليه في ذلك الوقت (تحت الرُبع) وتحول فيما بعد الى ما عرف عليه الان (تحت الرَبع) لتسهيل النطق. وتزداد أهمية هذا السوق نظراً للجذب السياحي الهائل لهذا المكان الذي يحرص السائحون على وضعه ضمن برنامجهم السياحي سواء كانت الزيارة لمشاهدة المعالم الأثرية الرائعة أو للتسوق في هذا السوق الذي يعمل تجاره في كل شيء وأي شيء.. نحاس ورخام وخيامية ومعادن ومستلزمات مصايف وغيرها من شتى أنواع التجارة. ويضم هذا السوق العديد من الآثار السياحية الهامة التي يحرص الزوار على مشاهدتها والتمتع بها مثل مسجد السلطان حسن ومسجد السيدة فاطمة شقراء الاثري.. وحتى المنازل التي يسكنها التجار وتعد تحفة تاريخية رائعة تحوى سراديب عديدة أصبحت مخازن لهذه الأعمال الفنية التقليدية والصناعات اليدوية. باب زويلة.. وحي الخيامية اما الأثر الهام بهذا المكان فهو (باب زويلة) أو (باب المتولي والذي يعد من أهم معالم سوق (تحت الربع) والمدخل الرئيسي (لحي الخيامية) المشهور بتجارة الخيامية والذي يعود إنشاؤه الى 1060 هــ.. حيث كان يعمل سكانه من قبل في صناعة المراكيب اليدوية (الأحدية اليدوية).. وهو حي مسقوف بالخشب وعرض شارعه ثلاثة أمتار ومازال محتفظاً بطابعه التاريخي.. ومنافس لسوق الحامدية بسوريا من حيث الشكل والمضمون في تجارة الأعمال اليدوية. وجميع العاملين في سوق الخيامية ينتمون لاسر عريقة لها تاريخ وأصول.. ولكن صناعة الخيامية أصبحت مهددة بالانقراض كما يقول (الحاج محمد كمال عبدالتواب) أحد أشهر تجار السوق الذي أكد أن كل العاملين في المهنة يتوارثونها أباً عن جد. وتكاد تكون الرسومات والنقوش الإسلامية هي السائدة بجانب النقوش الفرعونية.. وأدخلت حديثاً المناظر الطبيعية وتستخدم عادة الألوان الهادئة التي تجذب العديد من السياح الأجانب والعرب.. وقد ادخل المصريون (الخيامية) مؤخراً في مجال الديكور, ولذلك فهناك العديد من مهندسي الديكور على اتصال دائم بأهل المهنة للاتفاق على أشكال أو تابلوهات خاصة بالقرى السياحية أو الفنادق وحتى الفيلات والقصور والنوادي. مهنة مهددة بالانقراض ويضيف الحاج (مدبولي عبدالرحمن) ان اللوحة الصغيرة تستغرق في عملها يومان, ويعد القماش الأبيض هو الأساس وتدخل بعدها الألوان الأخرى الجذابة. ويؤكد الحاج مدبولي ان مصانع النسيج تهدد المهنة بالانقراض بعد انتشار الأشكال المطبوعة والتي تستخدم في سرادقات الأفراح والمآتم والموالد أو كسوة الأولياء.. ولذلك فإن العمل يقل خلال شهر رمضان الذي يفضل فيه الزبائن شراء الأعمال المطبوعة للشوادر وموائد الرحمن وغيرها.. ولذلك لابد ومن حل لانقاذ هذا التراث للحفاظ على ارزاقنا وارزاق أولادنا والحفاظ على تراث هذا البلد الذي يصدر للعديد من دول العالم. وتوجد هذه الصناعة منذ أيام (توت عنخ آمون) وتناولتها الدراسات القديمة. وقد وجد بعض علماء الآثار بعض اللوحات في مقبرتي (توت غنخ امون) و(رمسيس الثاني) . ومع قيام الدولة الفاطمية شهدت هذه الصناعة تطوراً كبيرا وفي عهد السلطان قلاوون تضاعف الاهتمام بهذا الفن الراقي. ولذلك يجب الاهتمام بهذه المهنة التي كادت تنقرض فبعد ان كان هناك 500 محل يعملون في هذه المهنة اصبحوا 25 محلاً فقط حالياً. ومع ذلك فان أصحاب الدكاكين الصغيرة وحتى التجار الكبار في هذا السوق متفائلون وايضاً العاملون في مجال السياحة, حيث تسعى الدولة للحفاظ على آثار أسواق القاهرة الفاطمية خاصة بعد الخطر الذي يهدد المنطقة من ارتفاع منسوب المياه الجوفية والصرف الصحي. وقامت لجنة من هيئة الأوقاف وأخرى من الشؤون الاجتماعية واتحاد الصناعات الحرفية بحصر الأنشطة وتصنيفها. وشاركت (اليونسكو) في حماية هذه المنطقة التاريخية, وقامت بأعمال ترميم وتطوير وتنيمة وتقرر ان تدخل ضمن المزارات والاسواق السياحية على المستوى العالمي. وبدأت بالفعل كلية الهندسة بجامعة القاهرة بالاشتراك مع معهد جوته وبالجهود الذاتية في ترميم مداخل السوق, وخاصة (باب زويلة) وتنظيم سوق الخيامية وبعض المنازل التي تحتوي على دكاكين لحرف نادرة. كما أعرب أصحاب الحرف اليدوية التقليدية عن تفاؤلهم بتطوير المنطقة.. ويؤكد الحاج (سيد محروس) وهو صانع للسجاد اليدوي الذي توارثه من الأجداد ويقوم بتصدير معظم صناعته للخارج وبعض الدول العربية, ان التطوير وجعل السوق مزاراً سياحياً على المستوى العالمي, سيزيد حركة البيع والشراء وتستطيع بعدها منافسة مصانع السجاد الحديثة التي انتشرت مؤخراً. سوق.. لكل شىء أما الحاج (حمودة سليمان) وهو يعمل في تجارة رائجة في هذا السوق ونادرة للغاية ومطلوبة وان كان معظم زبائنه من القطط والكلاب والخيول, فهو يعمل في تصنيع السرج الخاص بالخيول وأطواق وسلاسل القطط والكلاب والحزام الجلد واللجام والمساند الخاصة بالخيول بخلاف الحليات وأدواته بسيطه تشمل جلود الماعز أو البقر والقماش القطيفة لصناعة السروج.. وأغلب زبائنه من السياح الأجانب والعرب اما المصريون فأغلبهم ممن يعملون في تجارة الخيول وتربيتها من سكان منطقة نزلة السمان أو محافظة الشرقية, وأصحاب هواية تربية القطط والكلاب ويضيف: انها تجارة رائجة ومربحة, وتطور السوق سيزيد من تجارته. والمثير ان أصحاب المزاج الخاص والفن والذوق الرفيع يلتقون مع الجزارين في مكان واحد والذي يعمل في تجارة الأخشاب المقطوعة من الأشجار.. حيث يقوم الجزار بشراء أدواته من سكاكين بأيد خشبية أو (القورمة) التي تستخدم لتقطيع وتوضيب اللحوم.. اما الفنانون فيشترون جزوع الأشجار لعمل نافورات للمياه بشكل طبيعي أو وضع فازات وزهور وتوضع في مداخل الشقق أو المحلات أو في أحد الأركان. ولا يجد الباحث عن نسمة صيف متاعب في شراء مستلزمات المصايف.. فهذا السوق العجيب يحوى العديد من دكاكين وورش تجارة وصناعة الشماسي وكراسي البحر والترابيزات الخاصة بها, وبجميع الألوان والأشكال والأحجام. يقول (حمدي مرزوقان) أقدم صانع في هذه المهنة بهذا السوق, انه هو السوق الرئيسي لهذه الصنعة ويتم توزيع منتجاته على جميع المحافظات ويتراوح سعر الشمسية في هذا السوق مابين 35 جنيهاً وحتى 100 جنيه في نفس الوقت تباع خارج السوق بأسعار لا تقل عن 250 جنيها ولذلك يحرص الزبائن على شراء احتياجاتهم من سوق تحت الربع. ولا تتعجب اذا علمت ان بائع الفول واصحاب محلات الكباب يلتقون امام دكان واحد يعمل في تجارة (الصاج) والذي يتم تشكيله حسب الطلب فيقوم ببيع (الدماسات) التي يتم تدميس الفول فيها والغلايات وشوايات الكباب وخزانات المياه (الصهاريج) وحتى مصائد الفئران واقفاص, وغيرها من هذه الصنائع التي يمتلىء سوق تحت الربع بها. سوق النحاسين وما زال سوق النحاسين داخل سوق تحت الربع يحظى بشهرته الواسعة, خاصة انه يكمل سوق النحاسين الرئيسي بخان الخليلي... واتخذ اهميته منذ ان كانت اواني الطهي وتجهيز العروس تتم قديما من النحاس بأشكاله المختلفة... ولكن مع انتشار الالومنيوم والبلاستيك, تحول الانتاج والصنعة الى اعمال نحاسبة فنية والمشغولات المختلفة التي تجذب السائح وتستخدم فيها النقوش الاسلامية والفرعونية وتستخدم للزينة او للديكور كما يوجد بالسوق تجارة الخيش والحبال ولكنها لا تهدر تدر ربحا كبيرا لاصحابها. وهناك ايضا تجارة تحقق لاصحابها ومن يعملون بها الثراء وتعد اهم تجارة داخل سوق تحت التربع وهي تجارة الرخام بكل انواعه ويتوزع الزبائن ما بين مقاولين وشركات مقاولات وبنوك ومهندسي ديكور ومصانع مطابخ وغيرهم.. سمير عبدالسلام من كبار تجار الرخام في هذا السوق (حاصل على ليسانس حقوق) ولكنه ورث هذه المهنة ابا عن جد ووجد فيها الثراء والكسب المادي يوضح لنا اسرار هذه المهنة من حيث القيام بتقطيع الرخام ككتلة ضخمة من الجبال سواء بالقطامية او من وسط سيناء التي تحتوي جبالها على كنوز من الرخام من ارقى الانواع واجودها. وتحتاج هذه المنطقة لنظرة من المستثمرين للاستفادة من هذا الكنز الذي يساوي الكشف عن البترول على حد قوله. وذلك بعد ان زاد الاهتمام بالرخام في واجهات المنازل والبنوك والقرى السياحية وبصفة خاصة المنازل التي تقع على السواحل حيث يكون الرخام هو الحل الوحيد لحمايتها من العوامل الجوية. وبعد التقطيع حسب المقاس والشكل المطلوب يتم تلميع وصقل الرخام. ويضيف ان انواع الرخام عديدة واشهرها حلاليب, الرمادي, احمر اسوان, واسود اسوان وابلادور, وجلالة وسماحة, وافريقي, واخضر هندي والاسباني, والالباستر. وتتشكل الوانه مابين الوردي والابيض والاسود وابيض كرارة والبيج وهو مايميز الالباستر الذي يصنع منه الاباجورات ونافورات المياه المنزلية او بالميادين العامة. اما اغلى نوع في العالم من انواع الرخام فهو (البلتورو) ويمتاز لونه بالاسود ذو التموجات الذهبية ويعد (اوينكس) النوع الوحيد من الرخام الشفاف وعادة يستخدم في اعمال الديكور بالقصور والفيلات ويوضع خلفه اضاءة لتوحي برومانسية وعظمة المكان الموجود فيه والنوع الذي بدأ ينتشر مؤخرا هو (ماكوبا) ويمتاز باللون السماوي. وبطبيعة الحال يزداد الطلب على الجرانيت لاستخدامه في الارضيات والسلالم والمطابخ. ويشير الحاج (جمعة عبدالله الذي يملك مصنعا وورشة لتقطيع الرخام الى ان سوق تحت الربع من اهم اسواق الرخام في الشرق الاوسط ولكنه رغم انتشار التجارة فهو يعد فقط للتعاقد مع الشركات او المقاولين اما الورش والمصانع الضخمة التابعة لنا فتوجد بالقطامية والبساتين ومع ذلك يأتي الزبائن لسوق تحت الربع لشراء احتياجاتهم من الرخام ولايذهبون للمصانع او الورش الكبيرة. ولاتنتهي انواع التجارة في سوق (تحت الربع) عند تجارة الرخام فقط, بل تمتد الى انواع اخرى من التجارة التي تجعل هذا السوق يعمل ليل نهار ومع اهتمام الدولة به ستزداد انواع التجارة ويتم الحفاظ على تراث يجذب السائح ويخدم ابناء هذه الحرف. القاهرة ــ مكتب (البيان) ــ محمد عرفة