في بغداد هناك مركز واحد لكل شيء ,مرجل تغلي فيه الأسعار أو تتجمد, فيه كل ما كان يحمله تجار السند والهند, وكل ما يمكن ان تتصور ألا تجده في أي مكان آخر , فيه مرت أصابع الدهر ومرت أقدام الثوار.. واختفت في أعطافه نساء الجان, وعطاريات المرجان. اسمه غريب بعض الشيء, لكنه معروف حتى للاجنبي الوافد أو الخارج الى ومن العراق.. الشورجة.. درجة حرارة سوق بغداد أو العراق بدون مبالغة, ورغم ان سوق الاوراق المالية قد ظهر للوجود, الا انه مازال يكافح ليمحو على وجه بغداد القديمة والحديثة شورجتها.. بناه اليهود وقبلهم عثمانيون وقبلهم عباسيون.. كان مجمعا للخانات وسوقا للتجار والتجارة.. وتطور الى سوق للعطاريات والتوابل.. وكل شيئا يزدحم في كل المناسبات خاصة في الأعياد.. واليوم هو مزدحم في كل يوم.. قديمه يوشك ان يرحل وجديده يوشك ان يحوله الى شيء آخر.. لنا فيه رحلة طعمها مر وحلو. ذاكرة .. وذاكرة أكبر قطبين من أقطاب الشورجة وأقدمهما هما الحسني وشبر.. وكلاهما ورث موقعه فيها من أجداده.. ارث تناقلوه.. لكن ذاكرة الشيخين الحاضرين لا تعود الا الى 1920 عندما كان السوق شيئا آخر, وبين الذاكرتين صور مختلفة. يقول محمد قاسم الحسيني وهو ابن الحسيني الكبير: لي في هذا السوق أكثر من سبعين عاما.. كان السوق محض محلات صغيرة تشبه كهوفا صغيرة وكان هناك طاقة..كان اليهود هم السائدون في السوق وكان ثلاثة أرباع المحلات تعمل ببيع القرطاسية والعطور والشاي والسكر والصابون, وكانت العربات تجر من قبل دواب وتسمى (مجارّية) , اما هذه البناية التي على اليمين فكانت تسمى (خان جني مراد) وهناك كان سوق القشطيني وفيه مخازن كانت تخزن فيها بضاعة التجار. ما هو خان جني مراد؟ ــ يقال ان ساكنه كان (مخاوي) جان, وهناك كانت تباع أنواع البخور التي تستخدم ويقال ان منها ما يستخدم لأعمال السحر الطيبة أو الشريرة, كان الشمع يباع هناك ولا أدري من أين أو متى تم تسميته بذلك الاسم. هل هذه الشورجة هي نفسها القديمة؟ ــ كلا, ان الشورجة القديمة كانت للبصل والخضروات, اما اليوم فهي مركز مالي, وهي مركز صعود الدولار وانخفاضه, وهي اليوم مركز تحديد الاسعار. ومن هو الذي يحدد الأسعار؟ ــ التجار.. كبار التجار. أليست الحكومة؟ ــ بالتأكيد انا لا أعرف عن هذا الأمر.. أنا مجرد عطار. هل كانت الأسعار ارخص من قبل؟ ــ مقارنة بالآن.. قد تبدو الاسعار أرخص لكن الدينار العراقي قديما كان السويسري الذي كانت قيمته تعني ثلاث دولارات, أما اليوم فإن الدينار العراقي لا يعني شيئا, وبذلك لا يمكن المقارنة. هل مازلتم تستوردون عطارياتكم من دول آسيا.. أم ان هناك بدائل بسبب الحصار؟ ــ مازلنا نستورد العطاريات من دول الشرق.. لم نتوقف يوميا فمازال الفلفل الاسود الفيتنامي والهندي والدراسين الصيني والكبابة المكسيكية والزنجبيل الهندي والصيني وكذلك الكركم وفلفل أحمر الهند الشهي, وغيرها مازالت تفد الينا بالبحر والبر مثلما كانت قبلا.. انها تفد الينا منذ أقدم العصور بنفس الطرق, ويقال انها مازالت ــ في بعضها ــ تسلك طريق الحرير التجاري القديم للوصول الينا. وماذا تبيع من العراق.. أعني ما الذي يشتهر به العراق من عطاريات؟ ــ الكزبرة, حبة الحلوة, البابونج, شاي الجرات (الشاي الاحمر), الحبة السوداء, الحرمل... وغيرها. اما الشيخ حسين شبر الذي ترك لأولاده ارثا عريقا في العطارة فقد كان آخر عائلته في ادارة محلاته, إذ ترك أولاده العطارة واكتفوا بالاشراف على محلاته وتسليمها لاحسان عبدالامير.. لكن أحد أولاده الذي يحلو له الجلوس على باب المحلات يقول لنا: ــ جاء جدي شبر من النجف, وكان السوق عامرا بالعطارين وكان اليهود معظم الباعة في السوق, منهم من بنى وعمّر جزءا من محلاته ومنهم من استأجر بعضها الآخر, وحسب ما يقول جدي حاولوا الاستحواذ على السوق, لكن تجار بغداد لم يتركوا الامر يستفحل وسيطروا عليه.. في السوق تجدى خان مرجان وتجدين اسواق اخرى ملحقه.. ومن هنا, كما يقول ابي رحمه الله مرت اقدام ثوار 14 رمضان والذين ضربوا عبدالكريم قاسم.. يومها ــ كما قال والدي ــ اقفل السوق بعجالة وسكن كل في بيته حتى انتهى منع التجول وانتهت المواجهة بين الثوار والحكومة.. يقال ان محلاتكم تبيع اعشابا للعلاج.. اي ما يشبه الادوية الشعبية! ـ نعم.. ومنذ القديم, كان هذا العلاج موجودا فمثلا هناك البابونج (البيبون) للكحة والانفلونزا, وهناك حبة الحلوه وحبه السوداء التي هي دواء لكل داء وزيت الحبه السوداء شهير, وهناك خل التفاح لعلاج امراض المعده ويستخدمه البعض للريجيم.. وهناك اعشاب مخلوطة للمفاصل والوردماوي للدوخة (الدوار) والاعصاب.. وهناك زيت الزيتون وزيت الحبة السوداء وزيت الثوم, وزيت البصل وهذه جميعا تستخدم كمنشطات ومعالجات للشعر, التساقط, القشرة, التقصف, الجفاف.. وكثير غيرها.. هناك اعشاب مخلوطة للسيدة حديثة الولادة وهناك اعشاب للعلاجات الجنسية وهي موصوفة واكيدة وهناك للربو والعيون ان هذا العالم عالم مدهش ومليء بالغرائب. هل تحدثني عن زبائنك؟ ـ للمحل سمعه معروفه وزبائن يفدون من خارج العراق ومن داخله هناك عملاء لي من المانيا والولايات المتحدة والخليج, معظم الزبائن المحليين هم من سكان العراق والمسيحيون يأخذون حصن الاسد, لديهم طلبات خاصة بوصفات خاصة تختلف عن وصفات المسلمين. بم تختلف؟ ـ المسيحيون لديهم ذوق خاص في توابل الطعام ولديهم نسب معينة لخلطات التوابل فهناك وخلطة الكاثوليك وخلطة الارمن, كلها بهارات وتوابل ولكن بنسبة الفلفل أو الكبابه أو القرنفل او الهيل تختلف من وصفه لاخرى وهناك من يضيف الكزبرة وهناك من يزيد الفلفل الاحمر أو الاسود.. المهم ان الخلطات تختلف بنسب معينه, وهم اكثر الناس شراء للبهارات انهم يشترون بالكيلوات واحيانا يبلع حجم الشراء 25 كيلوجراما وهو حجم كبير.. وخاصة في المناسبات.. السوق.. الذي يحمل عطر الشرق وعطر القديم... يوشك ان يتحول الى ذكرى.. فاصحاب المحلات يريدون هدمها وبناء عمارات جديدة وهم في معظمهم من تجار سوق الاوراق المالية..و المصلحة تتطلب ان يتم القضاء على الشورجي.. على امتداد الشارع الذي تبدأ معالمه من نهاية ساحة الميدان الشهيرة ولا تنتهي امتداداته الا عند ساحة السنك المعروفة.. تجد البسطات والعربات والناس.. ازدحام لم تجد له حتى الان, بغداد, اي حل.. انه عالم يوشك ان ينتهي مثل كل شيء ايل للسقوط والانتهاء. بغداد ـ لهيب عبدالخالق