الطريق من دبي إلى أبوظبي ..السيارة راسخة رغم السرعة, السماء المفتوحة في الامارات, دائما ينتابني هذا الاحساس بشفافية الفضاء, يلتقي الخلاء الصحراوي بلا نهائية البحر, يجمع هذا بذاك شفافية الناس, ورقتهم, إذا ما ذكر أهل الامارات في مصر, يقول المصريون (انهم ناس طيبون) . ولفظ (طيب) في العامية المصرية يعني, الدماثة, الخلق القويم, الاستقامة . تذكرت حديثا جرى ليلة أمس في اتحاد الشباب بالشارقة بين مجموعة من أدباء العالم العربي, وتطرق الحديث إلى الموسيقى, قال صاحبي الشاعر الصعيدي حسين القباحي (نزيل الامارات الآن) انه يطلب مني الاستماع إلى محطة صوت الموسيقى. اذاعة جديدة تبث ارسالها على موجة الـ(اف. ام) على امتداد الأربع وعشرين ساعة, مخصصة للأغاني القديمة, منها يمكن الاستماع إلى محمد عبدالوهاب, وتسجيلات نادرة لأم كلثوم, ومحمد عبدالمطلب, وأحلام, ونجاح سلام, ومحمد الكحلاوي وغيرهم. طلبت من السائق ضبط مؤشر الراديو, إذا لم تخني الذاكرة. موجة رقم تسعة وتسعين, فاصل, تسعة. فوجئت بالسائق السوري يبتسم قائلا: (أنا لا أستمع إلا لتلك المحطة) . ولحسن حظي انساب صوت ليلى مراد التي أتفاءل بها, وأعشق نبراتها السلسبيلية, الفضية المصهورة. توالت أغنيات الزمن الجميل, تسجيلات نادرة لا نسمعها في الاذاعات العربية الأخرى, بدأت أتمنى ألا تنقضي المسافة, سوف أصل إلى أبوظبي, وأفارق السيارة, سأنزل الفندق الأوروبي, وربما لن أجد مذياعا يستقبل هذه المحطة ذات الفكرة البسيطة الجميلة. الغناء عموما أحد محاور تكويني الروحي, به أحدد قسمات عمري ومراحله وصباباته وما مر بي, بل أحدد من خلاله الأماكن واللحظات والعبور من شعور إلى آخر, بل إن هناك أغنيات أعتبرها علامات على حقب كاملة. والغناء جزء من احساسي بالزمن وعلاقتي به, لذلك أنا قديم المزاج. أعشق أغاني النصف الأول من هذا القرن. أم كلثوم على سبيل المثال لها عندي مراحل, العشرينات والتي وصلتنا عبر ألحان أحمد الجزيري والشيخ أبو العلا محمد وفيما بعد زكريا أحمد ومحمد القصبجي الذي لحن لها احدى الذرا العالية في الفن العربي. أعني (رق الحبيب) , التي أنشدتها لأول مرة عام خمسة وأربعين, أي السنة التي ولدت فيها. وكانت آخر أغنية لحنها محمد القصبجي. بعدها صمت هذا العبقري ولزم مقعده خلف أم كلثوم, محتضنا عوده, وهذا ما لم تفسره لنا تفاصيل التاريخ. إن سكوت مبدع بهذا العمق والجمال لمما يستغرب أمره! ثم تأتي فترة الأربعينات, حيث روائع رياض السنباطي, (دليلي احتار) و(جددت حبك ليه) و(هجرتك) و(الأمل) وغير ذلك من الأدوار الرائعة, والأغاني الوطنية التي بطل اذاعة معظمها. في الستينات حدث ما أطلق عليه الاعلام (لقاء السحاب) , عندما لحن عبدالوهاب لأم كلثوم وبدأ بـ (انت عمري) وبدأت مرحلة لا أفضلها كثيرا وكانت نذر الحداثة في الغناء العربي تلوح حتى طغت وعمت فيما يسمى الآن بالأغنية الشبابية, حيث أصوات لا جمال فيها على امتداد الوطن العربي, متشابهة, ضعيفة, وامتثال لتقاليد الغناء الغربي, حيث الحركة بالجسد أهم من الصوت ومقاماته, بدأ الغناء العربي يختفي. ولو تتبعنا الفضائيات العربية سنجد ان الوباء الغنائي الحديث ممتد من المشرق إلى المغرب. بدأت أتتبع فرق الموسيقى العربية منذ أواخر الستينات, فرقة أمية في سوريا, وفرق المالوف في أقطار المغرب العربي, والغناء العربي الأصيل, تعلقت بصباح فخري الذي نعرف صوته من الستينات, واستمعت إليه مباشرة عندما جاء إلى مصر في نهايتها وشدا في معهد الموسيقى العربية, واكتشفت خلال أسفاري محمد القبانجي العراقي ويوسف عمر وصديقة الملاية وزهور حسين وناظم الغزالي وسائر قراء المقام العراقي, وما زلت أذكر معرضا للتسجيلات الموسيقية في شارع الرشيد يمتلكه شاب اسمه سمير الخالدي, اقتنيت منه مجموعة كبيرة من التسجيلات النادرة لمطربي العالم العربي, عرفني صاحبي الحميم الروائي الجميل عبدالرحمن منيف على صبري مدلل, الذي استمع إليه باستمرار خلال الشهور الأخيرة, أما محمد باجدوب فهو قطب الغناء الاندلسي الرائع في أقصى المغرب, والمغرب مصدر عريق, قديم, أصيل للموسيقى العربية الأندلسية, ولا تزال تقاليدها حية هناك. ومن فضائل المحطات الفضائية انها تعرض على المشاهد فنونا تخص الأقطار التي تنطلق منها, ولكن ظهور الفنون الأصيلة محدود تماما, لقد اكتشفت جمال الموسيقى التقليدية الخليجية من الفضائيات, خاصة تقاليدها, وتذكرت أغنية جميلة أنشدها عبدالحليم حافظ عقب زيارته للكويت في أواخر الستينات (يا هلا) . أما مليحة التونسية, وخميس ترنان والمالوف التونسي أو الليبي فمما يثري وجداني. ان الغناء العربي مثل لغتنا, وملامحنا, وان تبث اذاعة صوت الموسيقى من دبي ارسالها محملا بهذا الجمال الذي نفتقده في المحطات الأخرى, وللغناء العربي تفصيل يطول أمره. من دفاتر العشق ألف ... احتواها بصري عندما قصدت جزيرة البحرين يوم الجمعة بعد ظهر يوم شتوي سنة سبع وثمانين.. منفردا جلست في الصالة التي تسبق دخول الممر المؤدي إلى الطائرة, أتأمل المسافرين, جنسياتهم البادية من الملامح, كيف يتصرف كل منهم؟ أخمن الهويات المجهولة والغاية من الرحيل ودرجة الصلة بين كل اثنين يصلهما حوار. هذا دأبي عند قطع المسافات, غير انني في لحظة توقفت, أدركني وجودها قبل دخولها مجال بصري, كثيرا مما أتفق لي ذلك مع الاناث الحاضرات, المشعات, النافثات فيضهن لم أتلفت, إنما كنت شاحذا كافة حواسي, حتى أصغيت إلى ذبذبات صوتها إلى تضويه وتلألئه, مرت من أمامي فأدركت انني على شفا من جوهر الحرف. الألف قوامها متوحد بذاته, ليس بحاجة إلى ما يسبقه أو يليه, سياق جسدي خلو من أي ميل,و حال مستمر لا ينقطع ولا يكف سامق. لكن في غير افراط, لا نهائي ولا محدود في الوقت عينه, صاعد أبدا, يحدد ما فوق وما تحت. شمخة ملكية, إنسانية, قوام جلي, ناصع, رغم انبساطه الا انه يلمح بشرفتي صدرا ناهدا. كل امرأة كوكب بذاتها, والنجوم دائرية التكوين والمسار هكذا كل امرأة دائرية, لا تكتمل الا بتكوكبها مع غيرها الا ان سموق تلك طاغ مهيمن عم واحتوى. ألف هي, تبدأ مثل الحرف من نقطة وتنتهي في نقطة, منها تتوالد كافة الأشكال المستقيمة والمنحنية, الناقصة والمكتملة, هكذا يكون الألف, فلنتمعن. انه وحيد, مكتمل بفرديته, كل الحروف تتشكل منه, لكنه لا يأخذ منها ولا يحتاج, هكذا بدت, في خطوها المتلأ النزيه, في ارتجافات قدها المئتد, في تطلعاتها العلوية, حتى بعد جلوسها, كأنها لم تنثن, ألف في قعدتها. في انحنائها, كلها طلع ومناوءة وتحد. عبر التحليق صرت في مجالها البصري, أتقدمها بصفين من المقاعد. إذا تطلعت بطرف عيني ألمحها, إذا التفت لا أقدر على الاستمرار فأنثني, عيناها خضراوان بشرتها سمراء, وجهها متسق مع قوامها المبدئي, تنفذ مويجات صوتها إلى صميم سمعي, تلغي هدير الأغاني, كل ما عداها, تتحدث إلى طفل صغير, بين التاسعة والعاشرة, تحاوره كندّ, لم يصلني صوته قط, ربما لشمولها ما عداها. حقا.. لم ألمح طوال الرحلة غيرها, الآخرون أطياف ولا قسمات واضحة بعد انقضاء المدة لا أقدر الا على استعادتها هي, خطواتها, شروعها عند المشي كالراية, اختزلت السوابق واللواحق, وكلما استعدت أو رأيت أو جالست أو أصغيت أو خلوت بأنثى أطالع عندها قبسا, غير انني لم أرصد ملمحا منها عند الأخريات. خرجنا.. ممر طويل مؤد إلى صالة فارقة, اما المضي إلى مكاتب الجوازات لدخول الجزيرة, أو الاستمرار إلى صالة العابرين المتجهين إلى نقاط أخرى من المعمورة. أبطأت حتى تتقدمني, أن أسعى في أثرها, التابع يرى ما لا يطلع عليه المتقدم, ثم كيف يمكن سبق أول الأبجدية؟ هل قبل البداية بداية؟ تهادت ولم أضل عنها, حتى بلغنا تلك النقطة, افترقت خطانا, هذا حتمي قدرت أنها متجهة شرقا, من هنا يبدأ عبور المحيط الهندي ثم الهادي.. لم أفكر في القارات, غير انني رأيت مياه المحيطات والطيران فوقها ساعات طوال, ستحلق عبر الفضاءات الكلي مودعة أثرا خفيا لا يبدو إلا لمن أدرك واستوعب! آخر ما لمحته منها الهامة المؤطرة بشعر غزير ناعم, ترى.. أي مدينة؟ أي فراش يتمدد فوقه هذا القوام المبدئي, الفاره, الناعم؟ كيف لم أقدم؟ كيف لم افتعل الحجة للوقوف على الحد الأدنى؟ تركتها للفضاءات التي تحتوي المحيطات, غير انها وفدت علي من حيث لا أتوقع, بعد زمن غير قصير. جلال الغيطاني