لا أذكر بالضبط ما الذي شعرت به يوم ان اشتريت العدد الأول من مجلة (العربي) الأنيقة, تلك التي دفعت فيها ثمانية قروش من مصروفي اليومي الذي بلغ عشرة قروش في ذلك الزمان , وكان يفترض في ذلك المصروف ان يغطي نفقات شطائر الافطار ووجبة الغداء معا, بالاضافة الى ما قد يحتاج اليه لهو الصبا البرىء. وما أذكره ان صفحة الغلاف كانت صورة فتاة جميلة تمسك بتمور العراق بيدين حانيتين. عيناها تتطلعان الى فضاء مفتوح, تنعكس وعوده على مشروع البسمة التي توشك ان تشرق على وجه الفتاة مؤكدة معنى الأمل. ترى ماذا حل بهذه الفتاة؟ وأين ذهبت؟ وإلى أين انتهى مشروع ابتسامتها, خصوصا بعد ان دارت الارض العربية دورتها, وحملتنا الشواديف من هدأة النهر البهيجة الى جداول ارض الغرابة الموحشة؟! كنت اظنها عراقية. ولكن قيل لي في الكويت, حين حضرت احتفال (العربي) بعيدها الأربعين, ان الفتاة كويتية, وانها اصبحت اما لشبان وشابات, وانها تتطلع الى المستقبل الواعد لأبنائها وأحفادها الذين ترجو ان يهلوا كالوعد. على كل حال, ما استدعيه, الآن, حين اضع هذا العدد بين يديّ, بعد مرور كل هذه السنوات الطويلة, هو ظهر الغلاف الذي كان يحمل صورة طفل باسم, ضاحك العينين, تمثل براءة الطفولة ووجه (كرنفال) . أما الصفحة الأولى, فكان في اعلى اليسار منها ثلاث صور لمناطق مختلفة من الوطن العربي الكبير, وإلى يمينها كلمات تقول: إن هذا العدد من مجلة (العربي) يطوف بك في معظم أجزاء الوطن العربي... فمن الجزائر غربا, الى البحرين شرقا, ومن العراق شمالا الى اليمن جنوبا, ولا ينسى ان يمر بك على القاهرة ومنها الى (معرة النعمان) . وربما كانت هذه هي المرة الاولى التي اسمع فيها عن (معرة النعمان) موطن الشاعر العظيم أبي العلاء المعري الذي لم أكن أعرفه في ذلك الزمان, ولم أكن قد طالعت كتاب طه حسين عنه, فلم أكن قرأت لطه حسين سوى كتابه (الأيام) الذي هو رحلة انتصار على شروط الضرورة وانتزاع للحرية بالارادة العفية. وكانت الامة العربية, في هذه السنوات, تنتزع حريتها من شروط الضرورة, وتؤسس وطنا جديدا, تضم صحوته القومية اطرافه المتناثرة كما ضمت ايزيس اجزاء أوزيريس المبعثرة. وكانت الكلمات المجاورة للصور الثلاث تقول ذلك بلغة لم أدركها في حينها, ولكني أدركها الآن في وضوح, خصوصا حين أتطلع الى هذه الكلمات التي كانت علامة على توجه المجلة القومي, وإشارة الى مغزاها الذي لا يزال صدى للأبيات التي كنا نتعلمها في المدارس في ذلك الوقت, والتي كان مطلعها: بلاد العرب أوطاني/ من الشام لبغدان ولا تزال الصفحة الأولى للعدد الأول من (العربي) تحمل الكلمات الرقيقة نفسها للمحرر الدكتور أحمد زكي, طيب الله ثراه, ذلك الرائد الحاني الذي أبى إلا ان يشرك القارىء بالرأي في تكوين ملامح المراحل الآتية من المجلة الوليدة, وفي ان يحثه على قراءة كل شيء في المجلة, وعلى ان يسأل ذلك القارىء نفسه, عند كل مقال, هل انتفع به في زيادة معرفة؟ في تحريك عاطفة؟ في ابتسامة تروح عنه؟ وهل انتفع به في نفسه؟ في جسمه؟ في أهله؟ في حاضره؟ في مستقبله؟ في أمل من آماله؟ وهل انتفع به مواطن عربي حيثما كان أو يكون من سطح الأرض؟ وكانت هذه الأسئلة تعني طموح المجلة التي اتجهت الى القارىء العادي, و تطلعت الى تغطية كل شيء في عالمه, ومن ثم تقديم نوع من الثقافة الذي يقرن زيادة المعرفة بتحريك العاطفة والابتسامة التي تقضي على السآمة, وذلك في الوقت الذي يصل الحاضر بالماضي الذي يدفع الى المستقبل الواعد. ولا شيء كان يمكن ان يضيفه المحرر الى ذلك سوى الوعد بأن العدد الثاني من المجلة الوليدة سيكون أجود, والعدد الثالث سيكون أكثر جودة, وذلك في كلمات تبدو, الآن, كما لو كانت ترهص بمسيرة مجيدة, لم تتخل فيها هذه المجلة القومية بحق عن وعد رئيس تحريرها في الاضافة المتزايدة الى انجازاتها. وتؤكد افتتاحية أحمد زكي هدف (العربي) الأول بكلمات صريحة واضحة, خصوصا حين تفتتح خطابها الى القارىء باسم الله وباسم العروبة خالصة, بحتة محضة, وتبرر تسميتها بأنه ما كان اسم يفي بتحقيق ما يجول في رؤوس رجال الوطن العربي كله ورؤوس نسائه من معان, وما تستدفىء به قلوبهم من آمال وأمان, كاسم (العربي) في حسمه وايجازه. وتمضي الافتتاحية قائلة انه كان يجوز لمجلة (العربي) ان تتخذ لها منزلا اي قطر من اقطار العروبة, ولكن شاءت الاقدار ان يكون منزل العربي هو الكويت, وخير ما شاءت الاقدار, فالكويت معروفة بايمانها بعروبتها, والعاطفة العربية تعمر قلوب ابنائها اجمعين, والوعي العربي يشرئب بأعناقهم, تطلعا للأمل الضاحك في الغد المشرق, وهم وهن لا يحسبونه الا قريبا. تلك كانت كلمات أحمد زكي بنصها, اعلانا قوميا واضحا عن صدور مجلة الوطن العربي كله, من الخليج شرقا الى المحيط غربا, ومن حلب شمالا الى المكلا وجوبا جنوبا, مجلة خالصة للفكرة العربية, ولكل ما يتمخض عن الفكرة العربية من معان. اهل الوطن العربي الكبير عندها سواء, لأنها لا تصل العروبة بمعنى الأرومة والدماء, بعد ان وعت اختلاط الوشائج فوق سطح الارض بين مد الحياة وجزرها واختلاط انسابها. هذا الأفق المفتوح لمعنى العروبة التي لا تنغلق على العرق هو الأفق الذي أكده العدد الأول الذي أغواني بمتابعة هذه المجلة والاقبال عليها, منذ ان طالعت فيه الاستطلاعات المصورة التي حملها عن جيش التحرير الجزائري, وعن تمور العراق بوصفها احدى دعائم الثروة العربية, وعن البحرين التي انصهرت في حضارتها العربية ثلاث حضارات, وعن القاهرة التي لا تنام الليل, وعن اليمن والقات الذي هو شيطان في صورة شجرة, وأخيرا عن معرة النعمان موطن أبي العلاء وموضع قبره. وكانت استطلاعات هذا العدد بداية البساط السحري الذي قدمته المجلة الى قرائها, فحملتهم الى كل ركن من اركان وطننا العربي, استعدادا لأن تنطلق بهم الى ارجاء المعمورة التي لا تزال تطوفها الاستطلاعات المصورة الى اليوم. وظني ان هذه الاستطلاعات وحدها موسوعة غير مسبوقة من المعرفة البصرية المكثفة والمعرفة العقلية الثرية. وكانت نقطة البداية, وهدفها القريب, تعميق الوعي القومي بواسطة تجاوب الباصرة والبصيرة في تلقي الكتابة والصورة. وكان ذلك الهدف الوجه الآخر من المعنى القومي نفسه الذي أبرزه تنوع كتاب العدد الأول المنتسبين إلى سوريا ولبنان ومصر واليمن والعراق وغيرها من الأقطار, الأمر الذي أصبح قاعدة في مجلة (العربي) التي يكتبها كل العرب. واكتمل الأفق المفتوح للعدد الأول بالتأصيل الذي استهله المرحوم الدكتور محمد أحمد خلف الله المصري لمعنى (القومية العربية كما ينبغي ان نفهمها) حيث أوضح ماهية القومية ومضمونها, وأبرز علاقات الحركات الثورية بالقومية في الوطن العربي, والفارق بين القومية العربية والوحدة العربية, طارحا السؤال الحاسم عن أيهما أقرب منالا: القومية العربية أم الوحدة الاسلامية؟ وقد اكتمل هذا التأصيل بمقالات موازية, من مثل مقالة (التطور والثورة) التي كتبها كامل عياد السوري, و(صلاح الدين) التي كتبها عباس محمود العقاد, وحوار فيليب حتى الذي أعلن على صفحات العدد انه آن للعرب ان يستردوا أمجادهم. أضف الى ذلك القسم الذي خصص للاذاعة بوصفها أقوى سلاح للوحدة في ذلك الوقت, فضلا عن المسرح العربي الذي أكدت المجلة دوره. وكانت مقالة (تبادل الثقافة بين الشرق والغرب) التي كتبها جميل صليبا تضيف الى أبعاد الأفق المفتوح لمعنى العروبة, خصوصا في دلالتها التي تصل ما بين الشرق والغرب بما يؤكد مسيرة الحضارة الانسانية التي ازدهرت بازدهار حرية العقل وتقدم العلم. والواقع ان حرية العقل ــ حجة الله على خلقه ــ كانت المعنى الملازم للنزعة القومية الانسانية التي انطوت عليها مجلة (العربي) وصدرت لتأكيدها منذ البداية. ولذلك كانت عقلانية (التنوير) الوجه الملازم لنزعة التحرر القومية للمجلة. وكان الوعي القومي المفتوح للمجلة مرادفا للوعي الديني السمح الذي انطوت عليه. ولم يكن غريبا على المجلة التي سعت الى تعريف (العربي) بوطنه الكبير, وتعريفه بما يقوم عليه هذا الوطن من تنوع في الاجناس والاعراق وتضاريس الجغرافيا والانظمة السياسية, ان تفتح وعي هذا القارىء على تعدد الأديان والمعتقدات في الوطن نفسه, وان تدعوه للنظر الى هذا التعدد من منظور عقلاني رحب, منظور يؤمن ان الوطن العربي لجميع مواطنيه, والاديان لله الخالق المتعالي في علاقته بخلقه الذين لا سلطان عليهم في أديانهم ومعتقداتهم الا له وحده سبحانه. ولم يتردد احمد زكي في ان يعلن بوضوح وحسم في افتتاحية العدد الأول, ان مجلة (العربي) مجلة (لا تصل معنى العروبة بدين فكل الناس عباد الله, وكل سالك اليه سبيلا. والسبل اختلفت والغاية واحدة, والحي يسعى لتأمين الحياة, وبالدين هو يسعى لتأمين ما بعد الحياة. والتجربة الانسانية الدامية, عبر القرون, دلت على ان الدين هو سبيل الناس لتأمين ما بعد الحياة, ذهب بأمن الحياة ذاتها. فلم يبق عاقل مفكر يستمسك بحرية الفكر التي هي هبة من هبات الله, الا يقول اليوم: دعو الناس تسلك الى الله أي طريق تشاء. وحتى غير السالك, عليه هو وحده تبعة انه لا يسلك, لا على الناس) . أغلب الظن انني لم أتوقف كثيرا سنة 1958 عند هذه الكلمات المكثفة المشحونة بدلالاتها, الكلمات التي خطها الدكتور احمد زكي بقلمه مؤكدا انتساب (العربي) الى المجتمع المدني وارتباطها به ارتباط العلة بالمعلول. وأتصور انني لم أر في هذه الكلمات ما يوقفني حين استرجع ذكرياتي البعيدة, ربما لأن عالم أواخر الخمسينات كان عالما غارقا في السياسة حتى أذنيه, ومهووسا بالانتصارات القومية التي عشناها, والتي دفعتنا الى الحلم بوحدة الوطن العربي الكبير الممتد من المحيط الى الخليج. ولم يكن ذلك الزمن العامر بالفرحة, المليء بالتفاؤل, يعرف تيارات التعصب الديني والاعتقادي التي عرفناها بعد ذلك بسنوات, خصوصا بعد هزيمة المشروع القومي, فقد كان المجتمع المدني على امتداد الوطن العربي الكبير مشغولا بتأكيد معنى الاستقلال الوطني, ولا يشعر بشيء يهدده من داخل معتقداته, ولا يعرف في احلامه عن مستقبله معاني التمييز الاعتقادي التي هبت عواصفها القاتلة مع الانكسارات القومية. ولكن ما أتذكره الآن وأنا أراجع العدد الأول من مجلة (العربي) وصفحاتها القديمة, هو جملة أحمد زكي الجميلة التي تقول ان (حرية الفكر.. هبة من هبات الله) فقد ظلت هذه الجملة ترن في داخلي طويلا دون ان أدري ويبدو انها تسربت الى اللاوعي, فأصبحت أرددها, وأكتبها, دون ان أتذكر الا اليوم مصدرها الأول الذي تعلمتها منه. المهم, ان تأسيس مجلة (العربي) لم يكن تأسيسا لأفق قومي رحب فحسب, وإنما كان في الوقت نفسه تأسيسا لأفق عقلاني مستنير هو الوجه الآخر من المعنى الانساني للعروبة التي لا تعرف التعصب أو العداء الأعمى للآخر ذلك على الرغم من حرص هذه العروبة على الدفاع عن حرية الاوطان العربية, وانتسابها الى حركات التحرر الوطني التي أصبحت حركة مد عالمي عظيم. وأتصور ان هذا الافق العقلاني المستنير هو الذي جعل من بابي (العلوم) و(الطب) عنصرا تكوينيا في العدد الأول, وجعل من قضيتي (العلم) و(التفكير العلمي) وتجليات (النزعة العقلانية) عناصر ثابتة في مجلة (العربي) عبر مسيرتها التي اقترنت بحركة التنوير العربية المعاصرة بأكثر من قران.