رحم الله السيد هاشم الهاشمي.. ومن منا لا يعرف السيد هاشم, شبابا كنا أو شيبا.. كان مكتبه ــ المطبعة العمانية ــ منتدى يرتاده ويجتمع فيه الناس من مشارب شتى . كنت تستغرب, كيف يستقطب السيد هاشم هذا الجمع (الكوكتيل) الذين لا يربطهم في أحيان كثيرة, شيء من رباط الفكر أو الثقافة, أو حتى السلوك والمرام!. كنت تدخل مكتبه, فتجده وقد غاص مسترخيا في الكرسي خلف طاولة مكتبه, ولا يظهر منه غير رقبته ورأسه, واضعا رجليه بنعليهما على الطاولة أمامه, وزائروه محاطين بهذه الطاولة.. ويحدث أن يكون موضعك أو مجلسك في مجابهة رجليه والنعلين!. ولكن مع كل هذا المنظر الغريب, لا يداخلك أي امتعاض, بل على العكس, فأنت وغيرك, في غاية السرور.. السرور والضحك مما تسمعه من السيد هاشم, ومن الجالسين, من الطرائف والنكت والتعليقات اللاذعة على كل شيء, في الحدود الجائز والمشروع من الكلام, أو المحظور الممنوع منه!. هذا مجلس السيد هاشم الهاشمي, مجلس أبي مروان, رحمة الله عليه, مجلس الأدب والثقافة والطرائف.. وليس هناك في هذه البلاد, من نعرف ومن لا نعرف, لم يرتد هذا المجلس, ولم يتعرف على هذه الشخصية المحبوبة, وأصبحنا نحن محبي السيد هاشم وتلاميذه ومريديه, أكثر الناس افتقادا لهذا الإنسان الفذ, الإنسان الذي يذكره كل من عرفه دون ملل. لقد كان عبدالله بن صالح بن حنظل, رحمة الله عليه, أحد هؤلاء الذين يرتادون مجلس السيد هاشم, وكنت تراه قاعدا, أو يأتي فيجلس هادئا قليل الكلام, وإذا تكلم شعرت بأنك أمام رجل من أهل المعرفة, لا يقول من الكلام إلا المفيد والنافع.. وكان السيد هاشم يجله ويحترمه كعادته في احترام من يتوسم فيهم المعرفة.. وكنت أحس ان هذا الاحترام شيء خاص, مع ان السيد رحمه الله, كان يحترم كل الناس وعلى اختلاف طبقاتها, حتى الذين كان يتبادل معهم على سجيته المرحة, شيئا من المزاح أو الكلام المسلي!. كنت أعرف الأستاذ عبدالله, انه مدرس بالمدرسة الأحمدية, أو مطوع أو شيخ, كما كان الطلبة ينادون مدرسيهم أيام زمان, في المدرسة الأحمدية التي نذكرها كثيرا كلما جاء على لساننا ذكر للعلم والتعليم في دبي خلال النصف الأول من هذا القرن, لانه لم تكن هناك مدرسة غيرها أو في مستواها.. والذين هم من جيل النصف الأول من هذا القرن, في هذه البلاد, ويبدو عليهم شيء من سمات المعرفة, تجدهم جميعا أو جلهم من خريجي هذه المدرسة, أو تعلموا فيها ما شاء الله لهم أن يتعلموا. لكن السيد هاشم, كان يعرف عبدالله بن حنظل أكثر منا, يعرف فيه الخلفية الثقافية من أدب وشعر, وكان يخبرني عنه إن غاب أو حضر, وكان السيد لا يمل من تكرار سجايا أصدقائه أو الذين كان يحبهم. فحبب إلي شخصية الأستاذ عبدالله, وكنت آنس إلى مجالسته.. وكنت أطلب منه أن ينشدنا شيئا من شعره, فينشدنا أحيانا ويمتنع استحياء أحيانا أخرى.. وكنت أعرف انه قال في السيد هاشم شعرا, فطلبت منه أن ينشدني شيئا مما قاله.. فقال منشدا: كم يسر بهاشم, التعريف سيد عنده يطيب المضيف كل يوم يغدو إليه لفيف أو يروح من الكرام لفيف خلق طيب وبر لديه وفق ما نصه الكتاب الشريف قد آنسنا بقربه واقتبسنا من معاليه والكريم أليف والظاهر ان القصيدة طويلة, ولكني لم أقف على غير هذه الأبيات. والحقيقة ان عبدالله حنظل, لم يكن من تلكم الشعراء في الامارات, الذين يشير إليهم الناس بسبب شهرة أسمائهم, والذين كانوا وما زال بعضهم يقول الشعر في أي مناسبة, ويجدون الألفاظ الشعرية تأتيهم هكذا بحكم الممارسة والتعود. ولذلك تجد عبدالله وأمثاله لم يشتهروا كثيرا. وليس أمامي من شعر عبدالله كم أستطيع أن أوازن بينه وبين غيره من شعرائنا, ولا أعرف إن كان له من الشعر أكثر مما أعرفه, ولا بد أن له من الشعر ومن الرسائل الأدبية أكثر مما بين يدي, لان زملاءه كانوا يقولون انه شاعر وكاتب رسائل متميز. مدح عبدالله صديقا له ووجيها من الوجهاء وصاحب فضل, وأعرف ان هذا الفاضل لا يحب أن أذكر اسمه, وكان هذا الوجيه يكرمه ويعرف فضله, بقصيدة فيها الجيد من الكلام, نقتبس بعض أبياتها بين ناس سلامهم (أهلا بويه)

غير ما نصه الكتاب المجيد

بينهم يصبح الأديب غريبا

يتساءل, ما ذنبه المحدود

شغل القوم بالحطام ولكن

من تلهى بالباقيات, السعيد

وبعد هذا يأتي إلى ذكر صديقه, الوجيه, ثم يقول:

فاضل يحفظ الصديق ومنه

يبدأ الفضل, بل إليه يعود

وينتهي بأبيات جيدة المعنى واللفظ:

يسهل الشعر في رحابك عندي

فكأني أميره أو لبيد

وإذا ما حوى المكارم مرؤ

صار كل به بهيجا يشيد

ولعبدالله حنظل شعر غزلي, وجدت بعض الأبيات منه ضمن أوراقي, وشعره حسن وخفيف على اللسان, وتنم عن رومانسية ولكنها بنكهة (المطاوعة)! اقتبس هذين البيتين: أيهذا القمر

حار فيك النظر

عنك يا ريحانتي

ليس لي مصطبر

وكما قلنا, فإن عبدالله حنظل رحمه الله, كان مدرسا, وتتلمذ على يديه كثيرون في الستينات والسبعينات, وأحد هؤلاء التلاميذ, هو الباحث المعروف الأستاذ بلال البدور.. كما ان عبدالله هو أخ شقيق للمرحوم صالح حنظل, وكان صالح أحد الظرفاء, وصاحب نوادر ومعروف بالظرف وسرعة البديهة.. وكان من رواد كراسي سوق ديره, المشهورة, وكان يجالس علية القوم الذين كانوا يتخذون من هذه الكراسي مجلسا, وما زالت هذه الكراسي وحتى يومنا هذا منتدى يرتاده وجوه الناس من أدباء وشعراء ورجال أعمال وكبار الموظفين الرسميين. ويقول عن عبدالله حنظل تلميذه الأستاذ بلال البدور: (هو شاعر مقل, قضى عمره بالتدريس, فبعد أن تلقى تعليمه بالمدرسة الأحمدية, التحق بالتدريس بها, واستمر في مهنته حتى التعليم الحديث, فكان مدرسا للغة العربية, وبعدها مدرسا بمدرسة عمر بن الخطاب, إلى أن عين موجها بوزارة التربية والتعليم. يمتاز بدماثة الخلق والشفافية, والهدوء التام, قليل الاختلاط بالآخرين, صوته يكاد لا يسمعه إلا محدثه. لغته العربية جيدة, لم ينشر شعره في ديوان, ولم أجد له إلا قصيدة واحدة, منشورة بمجلة (أخبار دبي) , نشرت بالعدد الثاني والعشرين من السنة الخامسة لها, وهي مرثية في الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. شارك في أمسية شعرية أقيمت على هامش مهرجان الشعر والقصة لشباب مجلس التعاون, الذي استضافته دولة الامارات عام ,1985 وألقى بعضا من شعره) . وقال في رثاء الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله: نم يا جمال بجنة وهناء

وأخلد فإنك أنت في الأحياء

إن كنت مفقودا بجسمك لم تكن

مفقود اقدام وحسن وفاء

خلفت فينا عزة مرموقة

جلت مشاعلها عن الاطفاء

إلى أن يقول:

لا يوجع البسطاء مصرعهم كما

قد يوجعن تساقط العظماء

إنا نعاهدك الإله بأننا

لا ننثني عن دربك الوضاء