على الرغم من فقر تاريخ القصيدة الاردنية ــ مقارنة بالتجارب العربية في العراق ولبنان وسوريا ومصر ــ فإن هناك مؤشرات تحمل دلالة على ان ريادة قصيدة النثر كانت اردنية . ففي رأي احمد ابو ردن ان مصطفى وهبي التل (عرار) رائد الشعر الاردني هو ايضا رائد الشعر الحر, ويشير في مقال له في مجلة الاقلام ــ 1986 ـ العدد التاسع الى ان نازك الملائكة اعترفت بان عرار نظم القصيدة الحرة قبل قصيدتها الرائدة ــ الكوليرا ــ بخمسة اعوام الا ان الناقد حاتم الصكر لا يرى في هذه المحاولة الا ملامسة استكشاف عابرة اذ ان عرار لم يكن واعيا لمحاولة التجديد تلك عندما كتب قصائده الحرة الثلاث عام 1942, اذ كتبها دون قصد ولم يتابعها كنموذج. قد يكون للصكر بعض الحق في مثل هذا الحكم الحاد ولكننا ومن خلال قراءة (عرار) نستكشف ايضا ان الرجل كان يبحث عن آفاق جديدة, ونستطيع ان نقول انه كان مستكشفا رائدا الا ان غنى تجربته اضاعه الانقطاع بعد ذلك, فلم يتابع اقرانه التجربة ولم يتحملوا فكرة التجريب حتى وقت قريب, فمن قائل انه بدعة استحدثها امين الريحاني متأثرا بالامريكي والت وايتمان الى آخرين يستشهدون بالتاريخ العربي القديم على ان قصيدة النثر من حيث الجوهر ليست غريبة عن الشعر العربي وان كانت من حيث المصطلح جاءت عبر ترجمة المصطلح الغربي الفرنسي... انهم يذكرون بتعبير ورد عند الفارابي وابن رشد وهو ما يسمى (القول الشعري) ومع ذلك تظل المغامرة الاردنية بهذا الصدد قلقة مترددة. الشاعر محمد القيسي صاحب تجربة غنية تجاوزت الحدود الاردنية الى انتشار عربي, الا انه وفي مقدمة لاعماله الشعرية منذ 64 ــ 84 يقول انه استبعد العشرات من قصائد النثر التي تعوزها نغمة الموسيقى والغناء ويدافع عن ذلك بانه لا يريد الانتساب مجددا الى شىء ذابل او ميت!!! هذا الموقف الذي يتنكر فيه القيسي لقصيدة النثر ربما كان موقفا مؤقتا, اذ ان مجموعات اخرى جاءت بعد ذلك تضمنت قصائد غير موزونة له في (كتاب حمدة) . لعل أكثر مايضير قصيدة النثر انها تبدو سهلة القياد وتسمح للمدعين باقتحامها, فيختلط الفج بالناضج, ونعود الى رأي الناقد طراد الكبيسي اذ يقول (لا يصح محاكمة الشعر مهما كان جنسه او شكله او اسمه بالنماذج الضعيفة من النوع او الشكل نفسه) . من هذا المنطلق هناك من يملكون الجلد على متابعة المشوار ويظل امر التفريق بين كلام الثرثرة العادي وبين القصيدة النثرية امرا يخضع للتذوق وان كانت سوزان برنارد في كتابها قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا قد وضعت شروطا تميز بها القصيدة وهي الايجاز والتوهج والمجانية... ووفق هذه الشروط سننظر الى الساحة الاردنية لنجد ان شاعرا مثل (علي العامري) قادر على البوح بقول تتوافر فيه الشروط الثلاثة... ولكننا لو افترضنا ان هذه هي المعادلة الوحيدة للعثور على قصيدة النثر فاننا نكون قد قصقصنا اجنحة القصيدة وحبسناها في قمقم يحولها الى مسخ, وفي حقيقة الامر انها تتجاوز هذا التصنيف. وكما يقول الناقد السوفييتي بريوسوف (ان النثر الصافي المتألق في توتره, عندما يترجم الى جوهره يعطينا شعرا) هذا التصنيف ارحب في سعته ونظرته ويمكننا ان ندرج اسم الشاعر خالد محادين ضمن كتاب قصيدة النثر, فالكلمات التي تبدو عادية فيها من الق التوتر ما يترجم الى شعر. يرى جبرا ابراهيم جبرا رؤية مغايرة ايضا في قصيدة النثر, انه لا يحبسها ضمن شروط حاسمة بل وان (تداخل المرجعيات الغربية والمحلية اغنت بعضها بعضا في مرحلة تحرر الشعر من قوالبه التقليدية) . نستطيع ان نلمح هذه المتغيرات جنبا الى جنب في آمال اثنين من الشعراء الاردنيين, اعمال على الفزاع تحفل بالمحلية سواء في تقصي الحالة او الاستعانة بالروح الشعبية. هذه المرجعية الشديدة المحلية في شعر الفزاع لا تعني عدم امكانية المرجعية الغربية او العالمية, انه نفسه على الفزاع الذي يخاطب نيرودا. نفس هذا الغنى في المرجعيات, المحلي منها والغربي يحرر عند الشاعر ابراهيم نصر الله القصيدة من قالبها التقليدي. فابراهيم معنى كثيرا بكل رموز المحلية يستعيدها ويبرزها ويبني بنيانه فوقها ويصل الامر الى حد الاحتفالية بالمكان وتكتيف وجوده ابراهيم نصر الله المعنى الى حد كبير بالرموز المحلية ولكنه من اكثر الشعراء افادة من الفن الغربي سواء من حيث الموضوع او الفكرة, ولكنه يعاملها بفنية عالية اذ تبدو نوعا من التناص الذكي, عندما يغيب النص وتبقى روحه مسخرة لخدمة النص الخاص بالشاعر كذلك نلاحظ ان نصر اله ورغم ميله الى رصد التفاصيل وحشدها في نفس قصصي ــ وهو روائي بالمقام الاول ــ الا انه احيانا يتمكن من تحقيق شروط سوزان برنارد بفنية عالية وتكثيف بديع. وتظل القصيدة المعاصرة مغامرة حقيقية في الساحة الاردنية محفوفة بالمخاطر, مختلطة بمحاولات تحديث في شعر التفعيلة وبين هذه وهذه يمضي الركب مجربا... انه مازال يستكشف رغم ان عرار بدأ المحاولة مبكرا, ولكن التجربة تبدو وكأنها مازالت في بدايتها ذلك انها تجربة روحية في معظمها او كما يقول د. محمد لطفي اليوسفي (القصيدة المعاصرة نداء الاقاصي واستكشاف الذات) . لهذا فإن اغلبية كتاب القصيدة المعاصرة يجدون فيها فضاء يحلقون فيه ومتسعا للصدى عند سماع نداء الاقاصي واكتشاف الذات, انها القصيدة التي تحرر المعنى من قبضة القصيدة العمودية ولكنها تحفل بالتوتر الذي يجعل منها شعرا. تتقاطع التجارب وتختلف ثراء وغنى وتتعدد الاسماء فإلى جانب من ورد ذكرهم لا يمكننا اغفال تجربة يوسف عبدالعزيز التي تصعد مرة وتبدو عادية مرة اخرى, كذلك تأتلق تجربة زهير ابو شايب الذي يصنع اوزانه ومقاماته الخاصة... وهؤلاء جميعا جيل وسط مازال يبحث عن صورة قصيدة النثر الحقيقية... الا اننا نتوقف كثيرا امام اكتمال التجربة عند الشاعر الشاب امجد ناصر... الذي يرغمنا على ان نلف اعناقنا مجددا نحو جرأة محاولة الاستكشاف التي ارتادها عرار معنى وشكلا والتي تبناها امجد ناصر موقفا كاملا, بدءاً من التمرد على اسمه البدوي واختيار هذا الاسم الشاعري الذي عرف به في العالم العربي, ويبدو امجد ناصر متأثرا بالقصيدة الغربية ولكنه قادر على اقامة معماره الشعري الخاص من التفاصيل الصغيرة ومن الوصف البصري لحدث عادي يتمكن من تحويله الى ذروة شعرية تصل حد الانقلاب احيانا. يرجع الناقد فخري صالح اكتمال تجربة امجد ناصر الى تأثره الشديد بالشاعر ريتسوس الذي ترجمه سعدي يوسف الى العربية وتـأثر به هو ومجموعة من الشعراء العرب الذين احتفوا بقصيدة التفاصيل والنبرة الخفيضة, يتضح اقتراب امجد ناصر من عالم ريتسوس منذ مجموعته (منذ جلعاد كان يصعد الجبل) , ولا يتردد امجد في اختيار قصيدة النثر دون مخاوف انه يختارها وحدها دون سواها ودون تردد, وهو ذو منحى خاص ومقدرة عالية في انجاز القصيدة واطلاق جناحيها في فضاء حر... انه يتلاعب بالكلمات وعناصر القصيدة كما يحلو له ليرسم عالما دقيقا لهواجسه. يمثل امجد ناصر والى جانبه يوسف ابو لوز اكثر تجربتين انتماء الى التحديث دون شروط, فيوسف ابو لوز ايضا يختار القصيدة النثرية ويطوع الوزن كي تتسع القصيدة لاندفاعاته ولتحمل تناقضات روحه الباحثه عن نداء الاقاصي... عمّان ــ سميحة خريس