ولان الناس تعشق العبقرية, وتشغف بموهبة الابداع.. فقد ترك لنا تراثنا الادبي في القديم وفي الحديث مأثورات من الفنون المبدعة, التي نقلت عن هذه الفئة الصفوة من الموهوبين والمبدعين حتى ولو كان منهم المتشطرون (بمعنى المحتالين) او كان منهم المكدون (بالدال المجرورة) وهم الذين يصل بهم الامر الى حد استجداء الناس, ومنهم العيارون الذين انخلعوا من مجتمعاتهم وخرجوا عن تقاليدها وعصوا اعرافها.. فانطلقوا الى برية سكنوها او الى مغارة احتموا بها ارض او حتى الى طريق قطعوها على السابلة.. المبدعون منهم كان الناس يغتفرون لهم معظم ما كانوا يصنعون شريطة الا تصل افاعيلهم الى حد الحرابة بمعنى تخريب المصالح القومية وقطع ارزاق العباد والا تنبىء عن نذالة في السلوك ولؤم وخسة في التعامل مع (الضحايا) من عباد الله المسروقين او المسلوبين. الا ترى اذن ان الفن والموهبة والابداع.. يكون عذرا يستميحه الناس واذا بهم يتجاوزون عن هذا النمط او ذاك من انماط السلوك, ربما يفسر هذا تجاوز اهل الجيل الماضي في مصر.. عن طول لسان الشاعر البائس عبدالحميد الديب وهو يواجه مواطنيه بهجاء مقذع ممرور في مثل قوله: براقلة وليس لهم رشيد وأقيال وكلهم عبيد مدحتهم فما شرفوا بشعرى لخستهم, وما شرف القصيد وصغت هجاءهم, فاذا الاهاجى على الافواه لحن او نشيد كأن معاصريه كانوا يسمعون شتيمتهم هذه فيقول لسان حالهم: ولو.. الرجل معذور لانه موهوب.. ومعذور ايضا لانه مضرور ومعذور اخيرا لانه ارتضى البؤس رفيقا.. ونحن الكاسبون من ندى عبقريته في كل حال. وكأن عبدالحميد الديب قد اصاخ السمع ــ وهو سمع شاعر في الاساس, الى لسان الحال هذا.. فكان ان ارسل نشيده الذي جار اقرب الى النشيج يقول في قصيدة اخرى. يقولون: موهوب على عبقرية فهل عبقري من يعيش بجوعي ولم أدر ما حظ الألى يهدمونني سوى انهم يبغون ذبح صريع واسمعت ابراج السماء شكايتي وللأرض لم أظفر بأي سميع اذا رمت عيشي عاملا فكأنني رجوت يهوذا رحمة بيسوع فأقدمت للعيش الكفاف مجنّدا مواهب لم تخلق لغير رفيع ومات الشاعر المصري الديب في الاربعينات من هذا القرن.. وعاش مشردا بائسا يجند موهبته لمجرد الخبز الحاف أو هو العيش الكفاف كما يقول.. ويستقبل ضيوفه في غرفته الحقيرة وقوفا ـ كما يقول معاصروه ــ ببساطة لأنها لم تكن تحوي أي متاع أو بضع من متاع يجلس عليه الزائرون. مع ذلك, فقد كان الشاعر الديب يصدر عن نفسية محطمة بل مدمرة.. استنامت الى التشرد والفقر المدقع ورضيت به, بل هامت به على نحو ما يقول الشاعر نفسه في قصيدته يشوبها قدر غير محسور من البذاءة ومطلعها المعروف هو: وهام بي الأسى والبؤس حتى كأني عبلة والبؤس عنتر ولو قيض للشاعر عبدالحميد الديب ان يخلع من مجتمعه ويتحول من شاعر صعلوك الى فارس صعلوك يقطع الطريق ويعيش عيشة أصحابنا العيارين والسراق والشطار فربما اتخذت حياته المظلمة سبيلا آخر. وبمناسبة السراق, دعني اقاسمك ذلك التصنيف اللغوي الطريف والدقيق الذي أودعه عمنا أبي منصور الثعالبي صاحبة (يتيمة الدهر) في كتابه بعنوان (فقه اللغة والتصنيف) دال من عنوانه وهو فصل في تفصيل أحوال السارق وأوصافه والثعالبي اذن يعتبر اللصوص فئة اجتماعية معترف بها ولو من الجانب الآخر من القانون. وهو لذلك يدخل معنا في طور استعراض ومباهاة بدقة توصيف اللغة لاوضاع اللصوص فإذا كان المذكور اياه يختلس المتاع من الاحراز اسموه سارقاً فإذا كان يقطع الطريق فهو قرضوب فاذا كان يسرق الابل فهو خارب وحرامي الغنم اسمه احمص (الميم مفتوحة) وسارق الدراهم بين اصابعه كما يؤكد الثعالبي اسمه في لغتنا الشريفة: قفاف وربما كان هذا هو الجد الاعلى لمصطلح نشال المتداول في زماننا, نقول ربما لان مولانا الثعالبي يدقق اكثر في تصنيف الحرامية ليورد كلمة طرار الذي يشق الجيوب وغيرها عن الدراهم والدنانير ومن ثم فهو النشال الاصلي.. ولكن اذا كان اللص يسرق ويفسق ويؤذي الناس فهو ــ عند الثعالبي ــ واعر فان كان من اخبث اللصوص فاسمه عمروط اما اذا كانت مهمته انه يدل اللصوص ويرشدهم الى ضحاياهم ويندس لهم ما يقول كتاب فقه اللغة فهو حينئذ شص (الشين المكسورة) الى ان يأتي ابو منصور الثعالبي الى آخر وربما اخف درجة في تصنيف العيارين والسراق وهي درجة لغيف وتصدق فقط على الشخص الذي يؤاكل اللصوص (المحترفين) ويخالطهم في معيشتهم ويحفظ متاعهم ولكنه لا يسرق معهم. والامر في كل حال ينم عن تسليم الناس, وامرهم الى الله, بأن اللصوصية هي جزء من حياة البشر قد تسف وتنحط الى حيث سلب الفقراء ونهب للأغنياء وتدير اقتصاد المجتمع والاخلال بالضبط والربط الذي يكفل امن البلاد وسكينة العباد وقد تعج احياناً مثاراً لاعجاب بشكل أو بآخر.. اذا ما ارتبطت بالفروسية او خالطها الابداع الادبي او جاءت تعبيراً عن تمرد الفرد على التقاليد او حتى عن رفض لاوضاع سلبت الفرد حقوقه او سدت عليه المسالك في هذا الاطار تختلف الرؤى وتتباين وجهات النظر, ادهم الشرقاوي مثلا في المواويل (وغنائيات) الفلكور المصرية في مستهل القرن العشرين كان بطلا لملحمة شعبية في ارياف دلتا النيل.. لانه تحدى الحكومة التي لم تفعل شيئا لمحاكمة قاتلي عمه.. أو هكذا قالت الحكايات.. ولكنه في حوليات الشرطة كان مجرد فتى خارج على القانون وانتهى خروجه هذا بمصرعه مقتولا برصاص البوليس.. محمود امين كان لصا خارجا على القانون في ستينات القرن في مصر.. وحمل لقب السفاح رأي الشرطة والناس, ولكنه تحول في رائعة نجيب محفوظ (اللص والكلاب) الى شخصية درامية ذات ابعاد غاية في التنوع والثراء حتى ليكاد القارىء يحار أو على الاقل يستغرق في السؤال الصعب:من سرق لكن؟ أو من ظلم الآخر.. الفرد أو المجتمع؟ وهكذا كان (روبن هود) في آداب الانجليزية لصا يسرق من الاثرياء ليعطي للفقراء وهكذا ايضا كان (ارسين لوبين بطل روايات الجيب الذي اصطنعه الكاتب الفرنسي (لويس لوبلان) وخلع عليه ايضا لقب اللص.. الشريف.. وكم استعمرت وجداننا حكاياته ومغامراته اذا كانوا يترجمونها لنا ونحن يافعون وينشرونها في سلسلة روايات الجيب الرخيصة الثمن. شريف أو غير شريف.. فهو لص في كل حال.. ومع ذلك فقد نضجنا, أو هكذا نتصور لنقرأ في ميثولوجيا اليونان انه حتى اللصوص كان لهم رمزهم في بانثيون المعبودين في اساطير الاغريق واذا كان (زيوس) هو كبير الالهة, وكانت (افردويت) هي ربة الجمال وكانت (أثنيا) بنت الكبير زيوس هي (هرميس) إلهة الحكم.. فقد كان السيد هرميس هو اله اللصوص وهو (ميركيوري) او الزئبق عند الرومان وهو ايضا عطارد عند اهلنا اليعاربة الميامين.