(ديل ايكلمان) مستشرق وعالم انثربولوجي امريكي متخصص في دراسة العالم العربي والاسلام, قضى في ربوع العالم العربي سنوات طويلة من عمره سواء في المغرب, مصر, او سلطنة عمان التي يقيم بها الآن . (البيان) التقته واجرت معه هذا الحوار حيث قال عن بدايات اهتمامه بالعالم العربي والاسلام: كنت طالباً ادرس في جامعة دورت ثموت, عندما كنت اسكن مع زميل لي سوداني, وكان يشرح لي اشياء واموراً عديدة عن الاسلام والمسلمين, وكان والد زميلي السوداني هذا رجلاً متدنياً, كلما لقيني نصحني بأن اخبره عن اي انحراف في سلوك ابنه الاسلامي, وكان يطالبني في حالة اي مخالفة من زميلي لقيمه الاسلامية ان اضربه, اما ابنه زميلي فكان ينذرني بأنني اذا لم اعتنق الاسلام فإن مصيري جهنم وكان يتحداني بأن اتكلم اللغة العربية وان اجيدها, وكان لي صديق فرنسي يتعامل مع الافكار الدينية المختلفة بشكل متعمق, من هنا بدأت معرفتي بالعربية, ومعرفتي بالاسلام تشكل بالنسبة لي تحدياً كبيراً, فسعيت للحصول على منحة لتعلم العربية في الجامعة الامريكية بميجيل بكندا, حيث درست اللغة العربية وحصلت على الماجستير في الدراسات الاسلامية, ثم ذهبت لاستكمال دراساتي العربية في القاهرة بعد ان عدت الى كندا وواصلت الدراسة بجامعة شيكاغو. في القاهرة عشت عامين من 1966 الى ,1968 بعد ذلك رغبت ان اقوم بدراسات انثربولوجية في جنوب العراق ــ في النجف ــ تحديداً, وحصلت على تصريح بهذا من الرئيس العراقي الراحل عبدالرحمن عارف, وكان هذا في ابريل 1968 وفي يونيو 1968 قامت حركة تصحيحية ضده, ولهذا تعقدت مسألة دراساتي بالعراق, فقررت ان اجري دراسات انثربولوجية عن الاسلام بالمغرب, وبالفعل ذهبت الى المغرب واقمت في مدينة ابي جعد, هذه المدينة الثرية بالتقاليد المغربية, وعشت في طنجة والرباط, وبلغ اجمالي اقاماتي في المغرب ثلاث سنوات ونصف, وقمت بدراسات مشتركة مع اكاديميين في جامعة محمد الخامس, ودراسات انثربولوجية مقارنة في شمال افريقيا, وانجزت دراستي الاساسية الكبرى الانثربولوجية والتاريخية عن الاسلام في المغرب, هذه الدراسة التي ترجمت الى اللغة العربية وستصدر قريباً عن دار التوبقال بالمغرب. ثم سافرت الى سلطنة عمان حيث اقيم منذ فترة لاجراء دراسة حول الدين والسياسة, وفي عمان عشت عاماً ونصف في (حمر العبريين) التي هي بين بهلا ونزوى, وسافرت وعدت الى سلطنة عمان ثانية حيث اقيم الآن في مسقط, واركز في دراستي الحالية على الوثائق التاريخية المختصة بهذا الموضوع (السياسة والدين) . * بحكم اقامتك بين العرب طويلاً ودراستك العميقة للاسلام.. كيف تنظر الى ما يراه المفكر الامريكي هنتجتون من ان صدام الحضارات المقبل بعد زوال الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة سيكون بين الغرب من جانب والاسلام والبوذية من جانب آخر؟ ــ نتيجة للحرب الباردة ترتبت قواعد ثابتة في استراتيجيات الولايات المتحدة الامريكية والغرب اجمالاً تركز على ان اسرائيل هي قاعدة الغرب الاساسية في الشرق الاوسط, البعض ورغم انتهاء الحرب الباردة يريد الابقاء على هذه القواعد الثابتة في الفكر الاستراتيجي الامريكي والغربي لمصالح فكرية وايديولوجية خاصة ومعينة, افكار هنتنجتون تبقى اسرائيل في بؤرة الرعاية الامريكية والغربية. واذكر انني كنت مشاركاً في امريكا مرة من المرات في حلقة نقاشية صغيرة مع ساندي بيرجر وآخرين, وكانت هذه الافكار مطروحة على مائدة البحث, كان البعض يقسم الدول الى شمال وجنوب, والبعض يقسمها الى شرق وغرب, والبعض يقسمها الى دول ديمقراطية ودول فاشستية, مسألة تقسيم الدول الى شرق وغرب صارت قديمة, ففي كل شرق غرب الآن, والمسافات بين الدول تلاشت, والعالم كما ندري صار قرية صغيرة, في البوسنة مثلاً الشرق والغرب معاً, كذا في تركيا, كذا في شرق آسيا, مسألة تقسيم الدول الى ديمقراطية وفاشستية كنت اناقشها مع مثيريها بالتساؤلات الآتية: من هم الديمقراطيون في البوسنة؟ ومن هم الفاشيون فيها, كانت الاجابة: الديمقراطيون هم المسلمون, والفاشيون هم الصرب, من هم الديمقراطيون في الجزائر؟ ومن هم الفاشيون؟ العسكر؟ ام جبهة الانقاذ؟ كانت الاجابة مغلوطة, من هم الديمقراطيون في الصين؟ ومن هم الفاشيون فيها؟, كانت الاجابة ان الفاشيين في الصين هم الحكم الصيني, اما الديمقراطيون فلا يدرى اين هم, ربما كانوا في السجون. والحقيقة ان مثل افكار هنتجتون هي مجرد افكار, ولا تتبناها الحكومة الامريكية, فأنت ترى ان هيلاري كلينتون مثلاً يوماً في القاهرة, وبعده في تونس, والثالث في مراكش, هذا يعني ان هناك تغييراً مهماً في الرأي العام الامريكي تجاه العالم الاسلامي, هذا التغيير بالايجاب, خاصة وان هيلاري كلينتون قالت كلاماً ايجابياً كبيراً عن العالم الاسلامي, المسلمون في امريكا كثر, ولهم اصوات انتخابية كبيرة, الآن هناك انفتاح على الحقيقة, والافكار الصليبية ولت, وهناك اصوات كثيرة في امريكا والغرب تريد التفاهم مع العالم الاسلامي. * الشعب الامريكي الذي يربو تعداده على المئتي مليون نسمة كيف يسمح لـ 6 ملايين يهودي بالتحكم فيه؟ ــ قريباً سيقارب تعداد المسلمين في امريكا تعداد اليهود فيها, ولكن مشكلة المسلمين انهم متفرقون شيعاً وطوائف, في حين ان اليهود منظمون ويتحركون بنظام وفاعلية. * اقمت في المغرب ومصر وسلطنة عمان.. كيف ترى المغاربة والمصريين والعمانيين والعرب اجمالاً؟ ــ المغاربة صريحون واحياناً تبلغ صراحتهم حداً مذهلاً, المصريون مجاملون, ويتراجعون عن الصراحة لصالح مجاملة غيرهم, العمانيون طيبون ويقيمون علاقات الود والصداقة مع الآخرين وعندهم رغبة كبيرة في التعلم, والخليجيون اجمالاً كذلك والعرب عموماً انتشر التعليم بينهم كثيراً, خاصة التعليم العالي, الآن انت ترى في كل محافظة من محافظات مصر جامعة, المغرب في عام 1968 لم يكن فيها سوى جامعة واحدة هي جامعة محمد الخامس, الآن في المغرب 13 جامعة, لقد حدث انفجار هائل في العالم العربي في التعليم العالي, ومع ثورة الاتصالات تغيرت وتطورت حياة العرب, وامكانيات العرب هائلة, والآن هناك امواج هائلة من الافكار يعج بها العالم الاسلامي, وهناك محاولات جيدة ومتعددة للحاق بالعصر وبما فات. حوار ــ محمود جمال الدين