الخميس: سي دي، في يناير الماضي مضيت الى جناح المجمع الثقافي بالامارات المشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب, هدفي كان محددا, شراء نسخة من كتاب علمي ترجمه الدكتور مصطفى فهمي موضوعه التلسكوب الفضائي (هابل) الذي يدور حول كوكبنا الارضي , ورغم انني متيقن من اهداء نسخة لي, فالدكتور مصطفى صديقي الحميم, و(اخبار الأدب) نشرت فصولا من الكتاب, لكنني عندما أرغب في قراءة كتاب يصبح كالدواء بالنسبة للمريض, لا أطيق صبراً, ولا أؤجل, واذا لم يكن الكتاب متاحا أبذل الجهد. في ذلك الصباح الباكر, رأيت علبا مرسوم عليها أغلفة كتب, وعندما فتحت احداها وجدتها شبه فارغة, لم تكن تحوي الا رقيقة معدنية, اسطوانة صغيرة من المعدن, ظهرت منذ سنوات قريبة, وأزاحت الاسطوانات القديمة السوداء, والتي جمعت منها خلال رحلاتي المتعددة حوالي الالفين. تحتل الآن مساحة من مكتبتي. وفي الوقت نفسه أتعامل معها بحذر, فقد أصبحت في عداد التحف, نادرة. كما ان الجهاز الخاص بالاستماع اليها (بيك اب) أصبح نادرا, واحافظ عليه, لقد أزاحت أقراص الليزر الاسطوانات القديمة تلك, وأوجدت وسيلة جديدة للمعرفة, إذ أصبح ممكنا طبع الكتب على هذه الاسطوانات ومنذ سنوات اسمع عن دائرة المعارف البريطانية الضخمة التي أصبحت مطبوعة على اسطوانتين فقط, كما اخبرني الناشر الفرنسي لكتبي (لوسوي) انه دخل بالفعل الى مجال طبع الكتب على تلك الاقراص. لكن.. ان تسمع ليس مثل ان ترى وتعاين. وحتى أتأمل ما كتب على الاسطوانة (موسوعة الشعر العربي) . أمعقول هذا؟ أي موسوعة يضمها هذا القرص الرقيق, ان موسوعة الشعر الجاهلي, أو بمعنى أدق مختارات الشعر الجاهلي التي أعدها وصدرت منذ سنوات عن دار خياط اللبنانية التي أوصدت أبوابها للأسف, تشغل خمسة مجلدات, فما البال بالموسوعة. انني قديم المزاج, والسرعة التي تتطور بها الاشياء خلال القرن العشرين إذ يدنو من نهايته تزعجني, فمنذ سنوات الاحظ انتشار الكتابة على أجهزة الحواسيب الآلية, وكثير من الادباء العرب يبدعون الآن على تلك الحواسيب, واخشى تطور الأمر الى يوم يصبح فيه الحصول على قلم حبر صعبا. منذ حوالي العام كنت في اسبانيا لاشارك في مؤتمر ثقافي, فوجئت بالكاتب السياسي والصديق محمد سيد احمد يقول بعصبية: ــ كيف أكتب مقالي الاسبوعي الآن.. مصيبة.. مصيبة! ــ لماذا؟ ــ نسيت الكمبيوتر.. ــ خذ قلمي.. ما المشكلة؟ فوجئت به يقول: ــ نسيت عادة الكتابة بالقلم. محمد سيد احمد تجاوز السبعين الآن, وهو لم يبدأ الكتابة بالحاسب الآلي الا منذ سنوات قريبة, وقد نسي عادة الكتابة بالقلم. ما بالك إذن بالجيل الجديد الذي سوف يتعامل مع الحواسيب الآلية منذ الطفولة؟ في مارس الماضي زرت المجمع الثقافي في أبوظبي, التقيت بالشاعر محمد خليفة السويدي رئيس المجمع, وخلال ست وثلاثين ساعة أمضيتها في المدينة الجميلة بعد زيارتي لدبي, ألممت بالمشروعات التي تدخل بالكتاب العربي الى عصر جديد توسع المجمع في اصدار الكتاب المسموع, مجموعة من النصوص الهامة, الجميلة, أصبح الآن متاحا الاصغاء اليها بدلا من قراءتها أو الاثنين معا, وقد عرفت المتعة الناتجة عن التذوق بأكثر من حاسة, إذ كنت استمع الى الموسيقى عبر الاسطوانات, أو محطات الموسيقى, لكن عندما اتيح لي رؤية الفرق الموسيقية العالمية عبر الفضائيات شعرت بمتعة أكبر, خاصة مع الاخراج الرائع, حيث تقترب الكاميرا من آلة الكمان أو البيانو أو الفيونسيل فأرى أصابع العازف لحظة ابداع النغم وكثيرا ما يكون البث على الهواء مباشرة, هكذا تتحقق لي رؤية أدق من تلك التي تخص الجالس في قاعة المسرح, سواء كان في عاصمة كبرى أو مدينة صغيرة في مكان ما من العالم. الانجاز الرائع للمجمع الثقافي, مشروع طبع الادب العربي القديم (شعرا ونثرا) على اسطوانات الــ (سي.دي) وادخاله الى مواقع على شبكة الاتصالات العالمية (انترنت). أمضيت ساعات مبهورا, اتابع كيفية التعامل مع هذه المواقع وشرح الشعر في الوقت نفسه. ما كان يستغرق منا ساعات طوال يمكن التوصل اليه في دقائق , طلبت من المختص ان اطلع على عدد المرات التي وردت فيها كلمة (غربة) في شعر المتنبي, بعد عدة ضغطات على الازرار كانت النتيجة امامنا, ليس (غربة) فقط, انما مشتقاتها ايضا, ليس في شعر المتنبي فقط, انما في الشعر العربي كله. رغم انبهاري, بما رأيت وعاينت, وحماسي لهذا المشروع المستقبلي الذي ينطلق من الامارات, الا انني شعرت بقدر من الاسى, فقد انفقت عمرا ومالا في تكوين مكتبة ضخمة, يمكنني القول انها تمثل حصاد عمري, وتشغل حوالي خمس غرف, الآن يمكن بعد السي دي هذا ان تشغل هذه الكتب كلها مساحة جداً ضئيلة, مجرد درج في مكتبي يمكن ان يستوعب مجموعة اسطوانات تضم مكتبة هائلة الحجم. الا يدعو ذلك الى الدهشة والفرح بالنسبة للتيسيرات التي سيلقاها من يأتي بعدنا, ومن يقدر على التكيف مع تطور العلم الحديث, اما من كان مثلي مخلصا لقديمه, فليس امامه الا الانبهار, والحسرة على ما فاته ويضمه الآن السي دي. مساء الخميس/ الجمال المستحيل انتظر الثامنة مساء حتى ارى برنامج الليلة للقناة الفرنسية ــ الالمانية الآرتي ARTE, انها افضل قناة تلفزيونية ثقافية في العالم, الى جانب قناة ديسكفري الانجليزية, وقناة الجغرافيا العالمية, وقناة الحيوان, في هذه القنوات رفيعة المستوى اقرأ محتوى الكون واقف عليه, ليت الفضائيات العربية تقتدي بما تقدمه هذه القنوات. ارسال الآرتي يصلنا بالفرنسية, تبث من ستراسبورج, عاصمة الالزاس, وفي الاصل كانت فكرة للرئيس ميتران الذي كان على ثقافة رفيعة بحق, رغم انني لا اتقن اللغة الفرنسية الا انني اتابع بدقة ما يبث من برامج, خاصة تلك المخصصة لموضوع واحد. ويطلقون عليها (تيمة). ليلة كاملة تخصصها القناة لموضوع معين, تعرض فيه افلاما تسجيلية, واخرى روائية, وحوارات وشهادات. هذه الليلة مخصصة لمدينة باكو عاصمة جمهورية اذربيجان التي كانت سوفييتية والآن استقلت تماما, انها احدى الجمهوريات الاسلامية, وبها ثروة نفطية غزيرة, واذربيجان من الاسماء التي تثير خيالي وتؤجج الحنين عندي, الحنين الغامض الى الرحيل, الى عصور منقضية, كل ما هو بعيد عني يحفزني, يثيرني. رحت اتابع الموسيقى ذات الايقاعات والمقامات المألوفة عندي, المدينة شرقية التصميم والعمارة, تنتقل آلة التصوير الى الشاطىء, بحر خضم, رجال ونساء يتنزهون, تركز العين الخبيرة على أنثى شاهقة, مرمرية التكوين, عمارة متحركة من الجمال, مشعة, قوية, مبتسمة, وكانت تمشي الهوينا بجوار البحر, وموج البحر يتجاوز الحاجز فيبلغها, كأن جمالها اثار هذا الخضم اللانهائي فأتقلب صوبها, يحاول ان يلمس ولو قدر من هذا الجمال... الجمال المستحيل, اذ آراه ولا اقدر على نيل حظي منه. الاثنين منامات عم أحمد منذ سنوات كنت أرقد في المستشفى اثر اجراء عملية جراحية, عندما عادني أخي الروائي خيري شلبي وبصحبته معلم صعيدي, قديم القسمات, قدمه لي خيري باعتزاز, وخيري صاحب تجربة عريضة, فريدة في الحياة, دارت به ودار بها, والتقى خلال رحلته الوعرة بعشرات الشخصيات الغريبة, ومنذ عرفته في بداية الستينات, أكن له حبا خاصاً, واعشق طريقة حكيه التي يكتب بها بتلقائية وعمق نادرين. في الستينات ايضا قرأت عملاً من أدبنا القديم شديد الغدادة, عنوان (منامات الوهراني) حققه الدكتور عبدالعزيز الأهواني, رحمه الله, انه الاثر الادبي الوحيد في حدود ما قرأت الذي يكتب الاحلام في نصوص تبدو واقعية ومن خلال ذلك يقول مالا يمكن قوله تصريحاً., كل منامة تبدأ هكذا (رأيت فيما يرى النائم..) , وهكذا أيضا يبدأ خيري شلبي عمله الروائي الجميل الذي صدر الاسبوع الماضي (منامات عم أحمد السماك) التي استوحى فيها شكل منامات الوهراني القديم, لكن يتخذ طريقا جديداً, مختلفاً, فكل فصل يبدأ برواية حلم معين, ثم ينتقل الراوي الى الواقع فيسرد حدثا معينا يتفق بشكل ما مع المنام أو يتعارض. لغة خيري شلبي ممتعة, جديدة, تمزج ما بين عامية أصيلة منقوعة في التجربة وفصحى غير متكلفة, أظن انها افضل حالات خيري اللغوية, ان خبرته الطويلة وقدرته على القص تصل الى مستويات رائعة في هذا العمل الجيد. تبقى ملاحظة تتعلق بالحيوية التي تسرى في الفن الروائي على أيدي مبدعي الستينات الكبار, منذ شهرين صدرت رواية (عصافير النيل) لابراهيم اصلان في بيروت عن دار الآداب, وتلتها رواية القعيد, وفي الطريق رواية جديدة لمحمد البساطي, ان ذلك يؤكد ما كتبه الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل دارج مؤخرا والذي قال فيه ان كتاب الستينات مازالوا هم الذين يمنحون الفن الروائي نضارته. الأهرام.. الاهرام من يطلع على مسار التاريخ القديم, سوف يدرك الى أي حد يتقن بني اسرائيل القدرة على تزييف الواقع, وقلب الحقائق, هذا ما قاموا به بالفعل تجاه حضارة مصر القديمة, لقد قاموا بأفظع عملية تشويه عرفتها الإنسانية ضد العناصر المكونة لهذه الحضارة, هكذا نجحوا في رسم صورة بغيضة لأعظم ملوك وحكماء البشرية, أنقلبوا عبر دعايتهم السوداء وحقدهم الأبدي على مصر والمصريين الى طغاة وجبابرة. مع بدء الدعوة الصهيونية في القرن الماضي, وتأسيس الدولة الصهيونية عام ثمانية واربعين على أرض فلسطين العربية, ومع تجسيد هذه الجريمة التي ارتكبها الغرب الرأسمالي, الاستعماري, اتخذ الصراع العربي ــ الاسرائيلي مراحل عديدة, عسكري وسياسي وثقافي, والعنصر الأخير قديم جداً لكن برزت أهميته خلال السنوات الأخيرة مع إتاحة الفرصة للمعلومات أكثر بحيث أصبحنا أكثر إحاطة بتوجهات الدولة الصهيونية وأساليب ترويجها للأفكار, وبناء ذاكرة من تاريخ وهمي, بعضه اسطوري, يجرى التعامل معه على انه حقائق, ويتم تسخير علم الآثار, والفنون الحديثة لترويج المفاهيم والموقف القديم لبني اسرائيل من حضارة مصر وثقافتها بالمعنى العميق. وأخيراً نقرأ كثيرا عن الأثر الواسع لفيلم (الأمير المصري) الذي أخرجه الصهيوني الأمريكي سبيلبيرج, لكن ثمة رمز مصري قديم, أبدي, أزلي, وضعته دولة اسرائيل المعاصرة كهدف, انه الاهرام, بالتحديد هرم خوفو بالجيزة, ولعلنا نذكر زيارة بيجن الاولى عندما جاء الى مصر وزار منطقة الاهرام, أشار اليها قائلاً: لقد أسهم أجدادنا في بنائها. للأسف, لم تلق عبارته رداً فورياً, أول رد جاء من خلال العمود اليومي للاستاذ أحمد بهجت في الأهرام (صندوق الدنيا) الذي كتب مفنداً زعم رئيس الوزراء الصهويني, الليكودي, لكن هذه الجملة التي بدا أنها قيلت عرضاً اثناء تعثر مناحم بيجن فوق أحد أحجار الهرم لم ينته أثرها, انما استؤنف عبر مقالات صحفية. وأبحاث تتستر بالعلم, ومع انتشار شبكة الاتصالات الدولية, سرعان ما ظهرت قدرة جهاز الدعاية الصهيوني على استغلال هذه الوسيلة الجديدة التي تلغي الحواجز والمسافات المعلوماتية ظهرت مواقع عديدة على الشبكة تؤكد فكرة ان الذي بنى الاهرام هم اجداد الاسرائيليين الذين سخروا للعمل فيها للاسف لم تظهر مواقع مضادة بالسرعة المطلوبة توضح الحقائق التاريخية المدعومة بوثائق علم الاثار والحقائق التاريخية ويجيء ذلك نتيجة تقاعس من بين اجهزتنا الثقافية المشغولة بالمهرجانات والانشطة السطحية. ربما كان ظهور هذه الدعاية الصهيونية المكثفة دافع قوي لاقدامنا على اصدار عدد خاص من جريدة (اخبار الادب) عن الاهرام, والحفاظ على الذاكرة الوطنية التاريخية الانسانية احد المحاور الرئيسية التي تعمل من اجلها (اخبار الادب) وقبل صدور هذا العدد الخاص تابع قراء الجريدة باعجاب وتقدير ابحاث ومقالات الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم استاذ كرسي الاثار بجامعة الاسكندرية وجدة. حتى هذه اللحظة لم اشرف بلقاء هذا العالم الكبير, الرصين, غزير المعرفة بآثار العصور القديمة ولغاتها قضى عمره الذي تجاوز السبعين في البحث بفرعيه النظري والعلمي وحقق انجازات علمية هامة منها اكتشاف الميناء المصري القديم الذي كانت تبحر منه السفن المتجهة الى بلاد بونت قبل ان تتصل العلاقة قرأت كتبه خاصة مؤلفه الضخم عن (البحر الاحمر في العصور القديمة) الى ان اتاحت الظروف بدء الصلة وذلك من خلال جريدة (اخبار الادب) التي اشرف برئاسة تحريرها هكذا بدأت دراساته القيمة عن مصر القديمة وحضارتها تظهر في الجريدة وسرعان ما لفتت الانظار في مصر والعالم العربي واوروبا وامريكا وكان الاهتمام بالاهرام شاغلا اكبر للعالم الاستاذ عبدالمنعم عبدالحليم بحكم تخصصه واطلاعه على الدعاية الصهيونية التي تستهدف اقناع العالم ان من بنى الهرم هم اجداد بني اسرائيل هذا الافك البين الذي يزيف الحقائق لا وسيلة لدحضة الا بالعلم وهذا ما قدمه بالفعل الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم عبر الدراسات التي نشرت في اخبار الادب في هذا الكتاب العلمي القيم الذي يرد على الدعاية الصهيونية بالحقائق العلمية ولكم اتمنى ان تتاح لهذا الكتاب القيم اوسع فرص الانتشار عبر ترجمته الى لغات مختلفة وانشاء موقع على شبكة الاتصالات الدولية تدرج فيه فصوله ولوحاته ورسومه البيانية لقد ادى العالم الجليل عبدالمنعم عبدالحليم واجبه تجاه تراث امته, وبقى على الاخرين ان يؤدوا واجبهم. انني اتذكر الان موقفا جرى في باريس خلال العام الماضي, عندما كنت بصحبة كاتب مسرحي مقدوني يعيش في باريس, وامام جامعة السوربون العتيقة التقينا باستاذ فلسفة فرنسي, عندما تعرف إليّ راح يصيح (انتبهوا ايها المصريون.. اليهود يخططون لسرقة الاهرام) وها نحن ننبه وننتبه!