منذ ان قرأت كتاب ادوارد سعيد (بدايات) وانا اهوى العودة الى البداية ليس على طريقة الحنين الى الماضي, او البحث عن رحم حنون , او حتى على سبيل البكاء على الاطلال, وانما على سبيل اكتشاف العنصر التكويني في حال تشكله, وعلى سبيل اكتشاف عملية التولد التي تترك آثارها على المساء الذي يظل مشروطا بشروط تولده, فالبداية اختيار يحدد الكثير مما سيلي نقطة الانطلاق, والبداية هي المدخل الرئيسي الى تقدم الانجاز, والنقطة التي تدشن اصالته اللاحقة .. ويعني ذلك اننا اذا تعرفنا البداية في علاقاتها الموجبة تعرفنا عناصر قوتها, واقتربنا, من السر الذي يتيح لنا تكرار الفعل الخلاق للبداية, لكن في سياق زمن يفرض ملامحة على هذا الفعل. وبداية مجلة (العربي) التي احتفلنا منذ اسابيع قليلة بعيد ميلادها الاربعين مقترنة بمرحلة من مراحل تكويني في مطلع الصبا, بوصفي واحدا من جيل تزامنت (العربي) مع تفتح وعيه على حلم الواقع وواقع الحلم, وذلك في السنوات التي كانت تصوغ المفرد بصيغة الجمع, او تصهر المفرد في الجمع جاعلة منه واحدا من الملايين الهادرة التي كانت تهتف من المحيط الى الخليج, ناطقة شعارات الحلم الذي كان ينطوي على وعود الحرية والاشتراكية والوحدة. ولذلك فانني عندما اتحدث عن مجلة ( العربي) فانما اتحدث عن مجلة ارتبطت بها منذ مطلع الصبا, واتحدث عن وعد تعمدت به, وعن علامة من علامات هذا الوعد, في زمن يبدو, الآن, من بعد اربعين سنة, زمنا للآمال العظيمة والسرديات الكبرى. صدر العدد الاول من (العربي) في ديسمبر سنة 1958, وكنت ادنو من عامي الخامس عشر في مدينة المحلة الكبرى التي تقع في الدلتا مابين القاهرة والاسكندرية, واتطلع الى مستقبل قومي واعد, ترفرف عليه اعلام الحرية والاشتراكية والوحدة القومية التي كنا نعيش لحظات اقترابها في صبانا, ولم يكن ذلك غريبا في تلك السنوات التي تنفست رياح التحرر التي شملت المنطقة العربية بأسرها, واقتلعت الاستعمار القديم من جذوره على امتداد العالم الثالث, في اكبر موجة شهدها التاريخ الحديث من موجات حركات التحرر الوطني التي حملتنا على جناحي الاحلام القومية العظمى. وقد بدأت ارهاصات الموجة بتولي عبدالله السالم امارة الكويت, وتوقيع معاهدة الدفاع العربي المشترك سنة 1950, وتأميم مصدق لشركات النفط الاجنبية في ايران, والغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 بين مصر وانجلترا, واستقلال ليبيا تحت حكم الملك ادريس السنوسي سنة 1951 وتجسدت البداية مع ثورة يوليو واعلان اول قانون للاصلاح الزراعي في مصر سنة 1952, وما اعقب ذلك من توقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر, وبداية حرب التحرير في الجزائر ضد فرنسا, جنبا الى جنب متغيرات عالمية اقترنت باستقلال فيتنام وتقسيمها الى فيتنام الشمالية والجنوبية سنة 1954, واستمر المد القومي في تدافع موجاته التي حملت معها رد الفعل العربي على الهجوم الاسرائيلي الكبير على غزة في فبراير سنة 1955, وحضور جمال عبد الناصر مؤتمر باندونج في مارس من العام نفسه, وتأسيس حركة عدم الانحياز التي صاغها اقطابها ودعاتها: جمال عبد الناصر ( مصر) وتيتو ( يوغسلافيا) ونهرو ( الهند) وشوين لاي( الصين) وسوكارنو ( اندونيسيا), واخيرا انتخاب شكري القوتلي رئيسا للجمهورية السورية وعودة الحكم المدني في نوفمبر من العام نفسه. وكان ذلك ضمن سياق المتغيرات الدولية للتحرر الوطني الذي شهد في نهاية العام بداية ثورة قبرص على الاحتلال البريطاني بقيادة المطران مكاريوس. وجاءت أحداث سنة 1956 تتويجا للموجة العالية من المد القومي ونتيجة طبيعية له, فابتدأت بالمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي الذي اعلن فيه خروتشوف انحياز الحزب لحركات التحرر في العالم الثالث ومساندتها, وطرد الملك حسين لجلوب الانجليزي من قيادة الجيش الاردني, في اول تعبير جذري عن تدافع المد القومي الى الحياة السياسية في الاردن .. وجاء اعتراف جمال عبدالناصر بالصين الشعبية, في شهر مايو, علامة تحول على تصاعد حركة عدم الانحياز, واعلانا سياسيا موازيا لاستقلال كل من السودان وتونس والمغرب في شهر مايو, الامر الذي ترتب عليه سحب الولايات المتحدة لعرض تمويل السد العالي, ومن ثم تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس الذي افضى الى العدوان الثلاثي على مصر, ذلك العدوان الذي اشعل نيران الغضب في الوطن العربي كله من المحيط الى الخليج, وكان سبب رد الفعل القومي الذي اتخذ شكل الذروة الصاعدة لحركة المد الوطني التي ارتبطت بحركات التحرر في العالم الثالث كله. وجاءت احداث سنة 1957 شاهدة على انتصار الارادة القومية العربية. وكانت البداية استقالة ايدن التي تحولت الى تجسيد رسمي للهزيمة النكراء للاستعمار التقليدي في ازمة السويس. وتم تعديل مبدأ ايزنهاور لاجبار اسرائيل على الانسحاب من سيناء رغم انفها في شهر فبراير, وما ان حل شهر مارس حتى اعلنت انجلترا عن رغبتها في سحب قواتها من الاردن, وافتتحت قناة السويس للملاحة العالمية مرة ثانية في شهر ابريل, قبل ثلاثة اشهر من اعلان الجمهورية التونسية برئاسة الحبيب بورقيبة في شهر اغسطس, وقبل خمسة اشهر من اعلان استقلال غانا وتعيين نكروما رئيسا للوزراء , ومن ثم تصاعد حركة التحرر الوطني في افريقيا كلها. وحملت سنة 1958 المزيد من الوعود, فشهد شهر فبراير قيام الوحدة بين مصر وسوريا, وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر قبل ثلاثة اشهر فحسب من قيام الحكم الجمهوري في العراق, ومن اشتعال الوطن العربي كله بغضب الاحتجاج على انزال الجنود الامريكيين في لبنان, وانزال الجنود البريطانيين في الاردن. الامر الذي ادى الى انسحاب الوجود العسكري الاجنبي, وتزايد ثورات التحرر الوطني التي تدافعت مع انقلاب ابراهيم عبود في السودان في شهر سبتمبر. وكان من الطبيعي, مع هذا التزايد, ان ينحسر الاستعمار عن اربع وثلاثين دولة افريقية مابين عامي 1958 ــ 1968. وقبل ان ينتهي عام 1958 وفي شهر ديسمبر على وجه التحديد, كانت مصر قد شرعت في الاعداد لبناء السد العالي, بعد ان اعلن الاتحاد السوفييتي عن موافقته على مساعدة مصر في بناء ذلك السد الذي تحول الى رمز للارادة الوطنية والمد القومي في آن, وكانت الكويت قد اصدرت في مطلع الشهر مجلة (العربي) التي كانت علامة جديدة اخرى من علامات التحرر الوطني, ووعدا جديدا موازيا من وعود المد القومي لكل احلامه. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة ان تطلق الكويت على مجلتها الاولى اسم (العربي) وان تكون هذه المجلة قومية منذ البداية لاتخص كتاب الكويت وحدهم وانما تخص الكتاب العرب جميعا, ولاتتجه الى القارىء الكويتي وحده وانما الى القراء العرب جميعا, وان تكون باكورة الاسهام الثقافي للكويت الذي لم يتوقف تصاعد حضوره القومي, حتى من قبل انشاء المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وما اصدره من سلاسل اشهرها (عالم الفكر) و (عالم المعرفة) . ولم يكن من قبيل المصادفة, والامر كذلك ان تصدر (العربي) في عهد عبدالله السالم امير الكويت ( 1950 ــ 1965) الذي احتضنها فكرة, ورعاها مسيرة, انطلاقا من ايمانه القومي الذي اكده لرئيس تحرير (العربي) الاول, قبل اشهر من صدورها عندما قال له: (ان آثر الاشياء عندي حب الخير لبلدي, وللعرب اجمعين, ولذلك صدرت (العربي) للاسهام في تقدم الوطن الذي صدرت عنه وتقدم العرب اجمعين, وذلك دون تمييز بين المعنى القطري والمعنى القومي, فقد امتزج المعنيان, بل انطوى ثانيهما على اولهما في تسمية (العربي) . واتصور ان الدلالة التاريخية لتسمية المجلة تتزايد وضوحا, حين نسترجع ظروف اصدارها على مبعدة اربعين سنة من زمن حديثنا عنها واحتفالنا بها. لقد كانت التسمية حتمية في الواقع, فرضتها احلام المرحلة التاريخية وشروطها التي تولدت فيها وبها المجلة, اعلانا عن الحضور القومي الواعد لدولة الكويت عربيا, وتجسيدا للهوية القومية التي انحاز اليها العمل الثقافي في الكويت, واستجابة الى احلام الوعي القومي وتصاعد الوعي بالتحديات التي اصبح هذا الوعي قادرا على مواجهتها والانتصار في معاركها. ولم يكن سوى اسم (العربي) اسما يصلح لمجلة تصدرها امارة ممتلئة بمشاعرها القومية, متفائلة بمستقبل امتها التي هزمت الاستعمار التقليدي شر هزيمة في حرب السويس. ولم يكن سوى اسم (العربي) اسما يمكن ان ينتهي اليه الدكتور احمد زكي الذي اختارته دولة الكويت لرئاسة تحرير المجلة, ليس بوصفه مصريا وانما بوصفه مثقفا عربيا بارزا, تحلق حوله مساعدون انتسبوا الى اقطار عالم العروبة الصاعد الذي جعل من كلمة (العربي) نفسها علامة على المواطن والوطن والهوية وثقافة المستقبل, ومن ثم عنوانا على المجلة التي انطوى اسمها على معنى المفرد الذي يشير الى الجمع, وعلى دلالة الصفة التي تختزل صفات الموصوفين جميعا في امة انتزعت استقلالها, وحققت للمرة الاولى انتصارها الحاسم على الاستعمار القديم الذي لم يتوقف عن استغلال ثرواتها وطمس هويتها. لا احسبني فكرت في ذلك كله, يوم ان اشتريت العدد الاول من مجلة (العربي) وانا طالب في السنة الاولى بمدرسة طلعت حرب الثانوية بمدينة المحلة الكبرى, وكانت المدرسة ملاصقة لمصانع الغزل والنسيج الشهيرة التي انشأها طلعت حرب, وكنا نرى فيها ــ كما قيل لنا ــ علامة على المجتمع الصناعي المتنامي لمدينتنا التي جعلتنا ندرك ــ حتى دون ان ندري ــ معنى الوعي المديني والايمان بالمجتمع المدني الذي ينبني على التسامح وينبذ التعصب, وكان استقلال الصناعة الوطنية في ذلك الوقت هدفا اساسيا من اهداف التحرر الوطني. وكان اسم طلعت حرب يقترن في اذهاننا بمحاولة تحرير الاقتصاد الوطني من السيطرة الاستعمارية, تماما كما كان اسم جمال عبدالناصر يرتبط في اذهاننا بتحرر اوطاننا العربية من الاستعمار, وكانت حرب السويس لاتزال في الاذهان, يحكى لنا عن ذكرياتها اقرباؤنا الاكبر سنا من الذين شاركوا فيها وعادوا منها بالنصر, وكانت اهازيج الفرحة القومية لاتزال تملأ الذاكرة, والحديث عن شعب عربي واحد ووطن عربي واحد وجيش عربي واحد هو الوجه الآخر من التعاطف مع الدول العربية التي كانت لاتزال تخوض معركتها للحصول على استقلالها, ومن ثم الانضمام الى الركب القومي الصاعد.