هرب فلان من الناس, وعليه المبلغ الفلاني من الديون.. وافلس علان ودينه بلغ خانة العشرات من الملايين, واغلق فلتان دكانه.. وصفى علوان شغله التجاري, لان حالة السوق لم تكن على مزاجه, وو.. عشرات من هذه الاخبار والقضايا ؟ كل هذ الانباء, تدخل في قائمة الاخبار العادية, لمن يتابع السوق العالمية.. نسمعها كل يوم, ومن كل مكان في العالم.. وخاصة من بلدان العالم التي لاتضع قيودا, ولاتطبق حجرا على التجارة وحركة السوق. نحن هنا في الامارات, جزء من هذا العالم, يأتي الينا من يأتي, ويذهب من يذهب, شاريا بائعا, لا سلطان لنا عليه, شأننا في ذلك شأن البلدان, صاحبة الاقتصاد غير الموجه. واذا حدث خلل في اعمال البائعين والشارين في حدود البيع والشراء العادي, فمن الصعب ان نلوم احدا او جهة, ونقول انها تسببت في افلاس هذا الفلان او ذاك العلان من الناس... انت وشطارتك, تستطيع ان تشتري بدرهم وتبيع ما اشتريته بعشرة, او تخسر فتبيعه بربع درهم. ولايعني هذا الكلام الذي قلناه اننا في معزل من الضوابط, او ينبغي ان نكون في معزل, فهناك المحظور الذي نحاسب عليه لو تجاوزناه, ويؤكد هذا المحظور, القوانين والتشريعات والمحاكم.. فغير مسموح لنا مثلا ان ننهب اموال الناس, او نأخذها غصبا واحتيالا وغشا, وما الى ذلك من المحظورات.. فالتشريع لنا بالمرصاد. والكلام هو, ان الحرية التجارية مباحة, وان الخسارة والربح, امران يتوقفان على نشاط الفرد وذكائه, وشطارته.. وان الصعود والانحدار في السوق طالما كان في حدود المعقول والعادي, وطالما يقع ضمن الحدود المرعية, فهي مشروعة. ولكن الذي يخرج من حدود المعقول, ويصبح شيئا لا يصدقه المنطق, ان نسمع بين آن وآخر ان بنكا من البنوك أو مجموعة من البنوك, أعطت فلانا من الناس قرضا أو تسهيلات ائتمانية, تبلغ عشرات الملايين ومئاتها احيانا.. ثم يطلع فلان هذا لصا محترفا يسرق هذه الملايين ويهرب من البلد, تحت سمع وبصر من يحاسب ويراقب, أو المفروض فيه ان يكون محاسبا أو مراقبا. بالأمس تأكد هروب تاجر أجنبي, آسيوي, على ما اعتقد, وقيل ان عليه للبنوك في بلادنا وحدها قرابة ثمانمائة مليون درهم, وأنا لا ألوم القارىء اذا صعق وهو يتلو هذه الارقام الخيالية.. ثمانمائة مليون!! وليس هذا وبس.. طرق اخونا الفلوس, وخرج بها هاربا لا يلوي على شيء, ولم يترك خلفه شروى نقير, من مال أو عقار أو شيء يستفاد منه.. هذا الشيء الذي كان يفترض ان يكون المُقرض قد أخذه من المقترض رهنا وضمانا مقابل ما أعطاه. يحدث هذا والناس لم تستفق بعد من هول الصدمة التي أصابتها قبل فترة وجيزة, عندما أشيع ان بنكا من بنوكنا الوطنية تعرض للنصب على يد شاعر افريقي, فتح له البنك أبواب خزائنه على مصراعيها, فعب من المال السائب حتى الثمالة, قرابة سبعمائة مليون أو نحو هذا المبلغ, وقيل لنا ان هذا الشاطر الافريقي كان ساحرا من السحرة, ألقى عصاه السحرية بين يدي أهل هذا البنك, فتلقفت عصاه العجيبة كل ما في جيب بنكنا من مال.. وكان الله في عون أصحاب البنك وحملة أسهمه. الحديث في هذا الموضوع الشائك طويل, وطويل جدا وذو شجون, ويرجع الى سنين سابقة, والى أكثر من مشكلة تتعلق بعدد من البنوك منذ بداية الثمانينات, بنوك ظهرت, وظنّ بها وبأصحابها وادارتها خيرا, وفوجىء الناس بتغلب الشر على الخير, وانتهاء كل شيء وخسائر بلغت المليارات من الدراهم. ويومئذ قيل بشأن هذه البنوك وبشأن أصحابها كلام كثير, ولو كتب عما جرى وما صار لاحتجنا الى مجلدات وأسفار.. وعن أحد هذه البنوك كتبت مقالات وظهرت كتب, ورأيت كتابا ضخما عن بنك الاعتماد والتجارة الذي انهار, ولكن اعتقد ان قليلين من مديري البنوك ومن يهمهم أمر هذه البنوك, قد قرأوا الكتاب.. وان كانوا قد قرأوه, فإنهم لم يستوعبوه.. وليس المهم ان نقرأ ولكن المهم ان نفهم ما نقرأ.. كما يقول سقراط. ولو تورطت بنوك اجنبية, يملكها اجانب, في هذه السرقات من قبل عملائها, لما عنانا من أمرها شيء, ولكن الذي يهمنا ان بنوكا وطنية تنافس وتزاحم في السباق لاعطاء أموالها على طبق من ذهب لكل شاطر من علوج الناس, يريد ان يتلقف.. والضحية البلد, أموال المواطنين, سمعة البلد, فلوس الناس. اننا نريد ان نسأل, بسذاجة, ضمن دردشة رواد نادي الكراسي, بعيدا عن فلسفة علوم الاقتصاد والتجارة وادارة البنوك ومجالس ادارتها, وبعيدا عن التقعر اللغوي. كيف يتسنى لانسان ما ان يذهب الى أحد البنوك ويطلب قروضا وتسهيلات ائتمانية تصل الى خمسين ومائة, ومائتي مليون.. ويعقد الصفقات لسحب هذه الفلوس بطريقة أو بأخرى, دون ان يقوم احد أعضاء مجلس ادارة هذا البنك بتكليف نفسه, والتساؤل, كيف يعطي مسؤولو البنك هذه المبالغ الضخمة دون ضمان أو تغطية؟ ثم نسأل الوزارة المختصة, والبنك المركزي, أو أية جهة اخرى مختصة, هل من مراقب ومحاسب, وهل هناك جزاء للمحسن والمسيىء في مثل هذه العملية المحيرة, أو على الأقل, ألا يقال للمسيىء, انك أسأت وعليك وزر هذه الاساءة؟!