ثلاثون عاما تقريبا مضت ومازال رمح السينما المصرية نور الشريف ومضة جريئة تكشف المساحات المهملة في أفق السينما.. ولعل هذا التوهج هو ما جعله طوق نجاة في مواجهة موجة التردي ورياح التدهور التي اجتاحت السينما المصرية منذ السبعينات, فالتزم بموجته الخاصة تجاه وطنه وجمهوره وفنه . ويعترف (نور) بأنه ليس حاويا يقتنص الفرص ويخطف الأبصار لكنه فنان يحمل على ظهره جرابا ثقيلا فيه كثير من الأحلام , بعضها ظهر للنور وبعضها ما زال يبحث عن طاقة خروج ليتم تنفيذها على أرض الواقع. ولعل أحدث هذه الاحلام اتجاهه للاخراج السينمائي لأول مرة من خلال فيلم (دخلة وداد) الذي كتبه السيناريست محمد حلمي هلال وهو الفيلم الذي يعتبره البعض مغامرة كبيرة. وعنه يقول : ظللت سنوات طويلة أحلم أن أقدم فيلما سينمائيا يحمل توقيعي كمخرج, دون ان أشارك فيه كممثل, كنت أود ان أحرك الأحداث وأتلاعب بالكاميرا لأرسم ماأريده, كنت باختصار أود أن أشارك في صناعة الحكاية والحدث وتصاعد حدته, ولكنني انشغلت بمشروعي كممثل وكمنتج أحيانا, فكل مرة أعثر على سيناريو جيد تنتصر مساحة الممثل عندي وأقوم بالبطولة واكتفي بالعمل تحت ادارة مخرجين آخرين, أثرت فيهم وأثروا في تكويني ورصيدي, حتى قرأت سيناريو (دخلة وداد) لمؤلفه محمد حلمي هلال فتشبثت بحلمي القديم في الاخراج السينمائي وقررت ان أكون مخرج (دخلة وداد) ومنتجه أيضا, وعلى هذا الأساس اتفقت مع المؤلف واخترت فريق التمثيل المكون من بوسي وفاروق الفيشاوي وحسن حسني وغيرهم. وما هي قصة هذا الفيلم الذي فجر مساحة ابداعية جديدة بداخلك؟ ــ أحداث الفيلم تدور حول بنت مصرية تسربت سنوات عمرها حتى وصلت إلى الأربعين, وخلال الـ40 سنة عاشت أربع فرص زواج تتذكرها هذه البنت في جنازة والدها, وتعد هذه الجنازة أول مشهد يبدأ به الفيلم, وأحب أن أؤكد ان قصة الفيلم ليست واقعية ولكنها تحمل رموزا مهمة بالنسبة للواقع والاحباطات التي تتعرض لها البطلة ترمز لما يحدث في هذا العصر. وهل صحيح انك طلبت من المؤلف بعض التعديلات؟ ــ كان لي وجهة نظر في أسلوب السرد الذي كتبه (هلال) في السيناريو, حيث رأيت انه من الصعب ان يستوعبه المشاهد, فطلبت اضافة بعض المشاهد لتوضيح أشياء معينة في الأحداث, وفيما ذلك لم أطلب شيئا آخر والأمور تسير على ما يرام. ولكن ما تعليقك على ما يقال بأن هناك خلافا وقع بينك وبين المؤلف بسبب اصرارك على ان تكون بوسي بطلة الفيلم؟ ــ لم يحدث أي خلاف بيني وبين (هلال) وإذا كان البعض ردد ذلك فهم لم يرددوا سوى شائعة لا أساس لها من الصحة ولا أدري ما المقصود منها, وعموما فعندما اشتريت السيناريو من مؤلفه كان يعلم ان بوسي ستكون البطلة ولم يعترض, ثم انه بعد ان باع لي الفيلم, انتهى دوره وليس من حقه الاعتراض على اختياري لفريق العمل سواء من الفنانين أو الفنيين. وهل اتخذت خطوات معينة لتنفيذ الفيلم؟ ــ بالفعل بدأت التجهيز للفيلم واتفقت مع شركة مصر للاستديوهات للقيام بتنفيذ ميكساج الفيلم بعد تصويره بنظام الدولبي وقمت بسداد 1500 دولار كقيمة أساسية مقابل وضع اسم شركة دولبي على نسخ الفيلم وسيحضر أحد خبراء الشركة للاشراف على عمليات الميكساج. اتجاهك للاخراج السينمائي سبقه تجربة اخراج مسرحي ويتردد اتجاهك أيضا لاخراج أغنية لعلي الحجار, فما هي الحكاية؟ أولا أنا ارفض الربط التعسفي في سؤالك بين تجربة الاخراج المسرحي التي قدمتها وتجربة اخراج الأغنية التي لم أفكر أبدا في اخراجها ولا أعرف عنها شيئا, فأنا أولا وأخيرا ممثل وخريج معهد الفنون المسرحية قسم اخراج, وتجربة مسرحية (محاكمة الكاهن) اعتز بها جدا, ومازالت في رأسي أحلام كثيرة في الاخراج المسرحي منها مسرحية (بيكيت) المأخوذة عن نص للعالمي (جان أنوي) والتي تعطل اخراجها في العام قبل الماضي. أما فيما يتعلق باتجاهي للاخراج السينمائي فعشقي للسينما يوازي عشقي للمسرح وأحاول ان تحمل تجاربي الجديد في الجانبين. دخلة وداد.. هل ستكون آخر الأحلام؟ ــ لا طبعا, فأحلامي لا حدود لها وما زلت أطمح في فيلم (عبدالناصر) و (يحىى المشد), ومازلت أحلم بـ (الحسين) ولكن الأزهر يعترض على ظهوره على الشاشة, رغم أنني سبق ان قدمته في الاذاعة, كما أتمنى تجسيد شخصية (الحاكم بأمر الله) الذي سبق ان قدمته على خشبة المسرح القومي في رواية (ست الحسن) لسمير سرحان. ولكن ألا تشعر بالغيرة لأن أحمد زكي سبقك إلى فيلم عبدالناصر؟ ــ أحيانا عندما أخلو بنفسي أتساءل ما الذي كنت سأقدمه عن عبدالناصر أفضل من أحمد زكي, فقد أثبت انه فنان محترف وصادق علاوة على انه يمتلك مفاتيح اللعبة الفنية مما ساعده على صنع حالة خاصة لاقت اعجاب الجميع وأنا منهم, لكن عبدالناصر رمز للأمة العربية في أزهى عصورها وحياته ثرية تكفي لصنع مئات الأفلام وليس فيلما واحدا, ومن هنا فما زالت فكرة فيلم (عبدالناصر) تراودني ولاتفارق بالي. ولماذا تهتم بتقديم مثل هذه الأدوار؟ ــ اتذكر كلمة صغيرة كتبها الكاتب الفلسطيني الراحل (غسان كنفاني) قال فيها (الحياة إما معترك أو متفرج) وقد اخترت ألا أكون متفرجا وفضلت ان أخوض المعارك والتركيز على ما يهم كل الوطن العربي وأضرب مثلا لذلك دور ابن رشد في فيلم (المصير) ليوسف شاهين والذي خضت به المعركة التي تُخاض في طول العالم العربي وعرضه حول العقل وحرية التعبير والبحث عن مكانة للعرب والمسلمين في خارطة العالم. القاهرة ـ (البيان) ـ نيرة بركات